"لن نطلق رصاصة واحدة لأجلكم"... كيف دفعت واشنطن "قسد" إلى أحضان دمشق في أسبوعين؟

"المجلة" تنشر تفاصيل المفاوضات ومسودة اتفاق الدمج... والتعديلات الدستورية

إدواردو ريمون/المجلة
إدواردو ريمون/المجلة

"لن نطلق رصاصة واحدة لأجلكم"... كيف دفعت واشنطن "قسد" إلى أحضان دمشق في أسبوعين؟

بعد جولة مفاوضات مكثفة أجراها قائد "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) مظلوم عبدي في دمشق، ومواكبة أميركية، أُعلن يوم الجمعة 30 يناير/كانون الثاني، عن "اتفاق شامل" بين "قسد" والحكومة، كان بمثابة خطة تنفيذية لاتفاق 18 يناير، قضى بتثبيت وقف النار و"دمج متسلسل" لقوات "قسد" و"الإدارة الذاتية"، ودخول قوات الأمن التابعة لوزارة الداخلية إلى مدينتي الحسكة والقامشلي لضمان انتشار الشرطة المحلية، وتشكيل فرقة عسكرية تضم ثلاثة ألوية من "قسد" ولواء إضافي في عين العرب (كوباني) لحلب، إضافة إلى انسحاب القوات العسكرية من "نقاط التماس".

ويحل الاتفاق بدل مسودات مقترحات سابقة لتشكيل ثلاث فرق ولواءين مستقلين من "قسد" ولامركزية لـ"الإدارة الذاتية".

وحسب قول مسؤول مطلع على المفاوضات لـ"المجلة"، ستتم عملية الدمج بداية فبراير/شباط ضمن مراحل تستمر نحو شهرين كحد أقصى، وتشمل إعادة هيكلة وتشكيل ثلاثة ألوية لتصبح فرقة تضم نحو 16 ألف مقاتل من مقاتلي "وحدات حماية الشعب" الكردية الذين كانوا ضمن "قسد" قبل خروج عدد كبير من المقاتلين العرب منها، وتشكيل لواء من نحو 6 آلاف مقاتل في عين العرب (كوباني)، إضافة إلى انتشار الشرطة في المناطق ذات الغالبية الكردية.

وتشمل المرحلة الثانية من الاتفاق على المناصب الرئيسة مثل محافظ الحسكة ومساعد وزير الدفاع ونواب مديري الأمن في هذه المناطق، قبل أن ينتقل الطرفان لدمج القسم الإداري بحيث تعود مؤسسات الدولة الرئيسة إلى العمل، مع عودة المعابر الحدودية والثروات الاستراتيجية مثل حقلي الرميلان والسويدية إلى سلطة الحكومة.

يعني الاتفاق عمليا انتشار الجيش خارج مراكز المدن لمسافة بين 5 و10 كلم، وبقاء قوات الأمن المحلية في مدن ومناطق ذات غالبية كردية. كما نص الاتفاق على "تسوية الحقوق المدنية والتربوية للمجتمع الكردي"، والعمل على ترجمة المرسوم الذي أصدره الرئيس أحمد الشرع في 16 يناير/كانون الثاني، في شأن الحقوق الكردية، ضمن مؤسسات ووثائق الدولة.

وبمجرد إعلان الاتفاق من دمشق و"قسد"، رحب به المبعوث الأميركي توم باراك الذي واكب المفاوضات منذ توقيع اتفاق 10 مارس/آذار بين الشرع وعبدي، واعتبر البيان "محطة عميقة وتاريخية في مسيرة سوريا".

بعد لقاء الشرع مع الرئيس ترمب في البيت الأبيض يوم 10 نوفمبر وقرار سوريا الانضمام إلى التحالف الدولي لقتال "داعش"، أصبح انخراط توم باراك واضحا في المفاوضات بموجب تكليف من ترمب لـ"حل ملف قسد"

وخلال أقل من أسبوعين في شهر يناير، انتقلت المفاوضات من "الإدارة الذاتية" إلى ترتيبات محلية، من تعديلات الدستور السوري إلى حقوق الأكراد في مناطق محلية، ومن "المشاركة" في صوغ مستقبل سوريا إلى البحث في مستقبل الحسكة والقامشلي، ومن القضايا الكبيرة إلى التفاصيل الصغيرة. ولشرح حجم التغيير في مطالب وأهداف "قسد"، سوف أنشر  في نهاية المقال، مضمون وثيقتين: الأولى، مسودة خطة لدمج "قسد" في الجيش السوري قدمت في 4 يناير. والثانية، مسودة تعديلات اقترحت "قسد" إدخالها إلى الإعلان الدستوري السوري، الذي أعلنه الرئيس أحمد الشرع في منتصف مارس/آذار الماضي.

اتفاق 10 مارس... شراء الوقت

بعد توقيع الاتفاق بين الشرع وعبدي في 10 مارس الماضي، لـدمج مؤسسات "قسد" في الدولة السورية، عُقدت سلسلة من اللقاءات العلنية والسرية لتطبيق الاتفاق، واكبت المفاوضات بين الحكومة السورية وقيادة "قسد" منذ سقوط النظام في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024 إلى 4 يناير/كانون الثاني 2026 وصولا إلى 30 يناير. وكانت الجولات العلنية والاتصالات السرية بين "قسد" ودمشق والسلطات التركية بحضور أميركي غالبا وفرنسي أحيانا.

سانا/ أ ف ب
الرئيس أحمد الشرع وقائد "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) مظلوم عبدي لدى توقيع اتفاق 10 مارس/اذار في دمشق

مرت هذه المفاوضات بجولات متقلبة. لحظات دافئة وهبات ساخنة. دعوات طعام وإلغاء لدعوات غداء كانت مقررة. جلسات طويلة وانسحابات مفاجئة. استخدام ألقاب رسمية أو التخاطب دون ألقاب. رعاية أميركية وغضب أميركي. حضور بارّاك الجلسات وانسحابه من بعضها، كما حصل في يوليو/تموز عندما "اضطر" باراك للقاء عبدي في العاصمة الاردنية لاضطراره للانسحاب من جلسة سابقة عقدت في دمشق.

كل ذلك كان تجليات لجوهر الخلاف: "قسد" تريد "المشاركة في صوغ مستقبل سوريا، ودمشق ترفض التشاركية والمحاصصة وتقترح الاندماج في الدولة الجديدة وفق أولويات القيادة الجديدة"، حسب توصيف مسؤول واكب المفاوضات في جميع مراحلها. ويضيف: "قسد تقول طالما أن دمشق تقول إن من يحرر يقرر، فنحن حررنا وساهمنا في التحرير ويجب أن نساهم في القرار. أما دمشق، فترى أن قيادة قنديل (حزب العمال الكردستاني) خطفت قرار (قسد)، و(قسد) خطفت قرار الأكراد وهي كانت حليفة لنظام الأسد في السنوات السابقة ولديها نحو 7 آلاف من عناصر النظام السابق. ومع سقوط النظام وقيام دولة بعلاقات عربية ودولية، فإن مبرر وجود (قسد) انتهى".

واقع الحال، منذ 8 ديسمبر 2024، كانت الحكومة تراهن على الوقت، و"قسد" كانت تراهن على الوقت. دمشق ترى أن الوقت لصالحها. فالحكم الجديد فك العزلة عن البلاد ورفع العقوبات وبنى علاقات دولية متنوعة تشمل أميركا وروسيا والصين وبريطانيا وفرنسا، وإقليمية مع دول وازنة تشمل السعودية وتركيا وقطر والأردن ومصر. كما راهن الحكم الجديد على العلاقة المميزة مع الرئيس دونالد ترمب والقيادتين السعودية والتركية، وأن أميركا ستتخلى عن "قسد" مع تثبيت الحكم السوري الجديد والانضمام إلى التحالف الدولي لقتال "داعش"، أي توجه سوريا غربا.

"قسد"، من جهتها، كانت تراهن على الوقت أيضا. راهنت على أن يفشل الحكم السوري وراهنت على تحالفات مع مكونات سورية تشمل الدروز والعلويين والمسيحيين وبعض السنّة واقتتال بين الفصائل السورية. وراهنت أيضا على المحاسبة على الانتهاكات والمشاكل الاقتصادية. كما راهنت على تحالفات إقليمية تشمل إسرائيل، إضافة إلى التزام أميركي من وزارة الحرب (الدفاع سابقا) الأميركية والوحدات الخاصة. لم تخف قيادة "قسد" ذلك، فاستضافت مؤتمرا لـ"المكونات السورية"، وتحدث بعض مسؤوليها علنا عن تواصل مع تل أبيب.

رهانات خاطئة... وحسم عسكري

التحول في علاقة الشرع مع الخارج حصل في مايو/أيار، عندما استضافت الرياض لقاء بينه وبين الرئيس ترمب. انتقلت العلاقة بين واشنطن ودمشق من الانخراط الشرطي الى الأبواب المفتوحة. بلغت العلاقة ذروتها في يوم 10 نوفمبر/تشرين الثاني عندما استقبل ترمب الشرع في البيت الأبيض، وقرار سوريا الانضمام إلى التحالف الدولي لقتال "داعش". حسب قول مسؤول: "في هذا اللقاء وعد ترمب الشرع بحل ثلاث قضايا عالقة قبل نهاية 2025: اندماج قسد وكلف باراك بالملف، الغاء قانون قيصر، والعمل مع نتنياهو لتوقيع اتفاق أمني". وزاد المسؤول: "بعدها أصبح انخراط ادارة ترمب أوضح. انتهى قانون قيصر، وتكثف العمل لحل عقدة قسد وحل عقدة الانسحاب في مفاوضات سوريا واسرائيل".

سانا/أ ف ب
الرئيس السوري احمد الشرع يصافح نظيره الاميركي دونالد ترمب في البيت الابيض في 10 نوفمبر


بعد لقاء ترمب-الشرع في البيت الأبيض، أصبح انخراط توم باراك واضحا في المفاوضات بموجب تكليف من ترمب. بات يحضر جلسات التفاوض ويقوم فريقه، خصوصا زهرة بل، بنقل الأوراق بين الطرفين. وتلبية لطلب "قسد" بالانتقال من التفاوض الشفوي إلى تبادل الأوراق. بعث عبدي ورقة لتصور "قسد" حول الاندماج في الجيش، يقوم على بقائها مستقلة بثلاث فرق ولواءين. وفي ديسمبر/كانون الأول رد وزير الدفاع اللواء مرهف بوقصرة برسالة خطية حملها دبلوماسي أميركي في 7 ديسمبر، كانت أولى الوثائق الرسمية السورية، فاعتبرها الأميركيون اختراقا كبيرا. وعاد عبدي وبعث ردا خطيا يوم 20 ديسمبر. وعقدت لقاءات موازية بين مدنيين وإداريين لبحث اندماج المؤسسات الأخرى.

بدءا من 6 يناير بدأ المشهد الميداني بالانقلاب. انهيار قوات "قسد" وانسحاب المكون العربي منها في المدن العربية وسرعة تقدم الجيش السوري، كان مفاجأة كبرى

وفي وسط "المفاوضات الخطية" وصل وفد تركي رفيع ضم وزيري الخارجية هاكان فيدان والدفاع يشار غولر ورئيس جهاز الاستخبارات العامة إبراهيم كالن إلى دمشق في 22 ديسمبر. وحسب قول دبلوماسي، فإن موقف أنقرة هو  ضد قيام كيان كردي وضد اندماج "قسد" ككتلة وأنه لابد من نزع سلاحها ويجب خروج جميع مقاتلي "حزب العمال الكردستاني" من سوريا.

مع نهاية 2025، حصلت تغيرات في المشهد الاقليمي والدولي. ترمب قامت بعملية خاطفة ضد الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادرور. جهود وتحالفات اقليمية وعربية جديدة لدعم الدولة المركزية واحتكار السلاح ورفض الميليشات والانفصال في اليمن والسودان والصومال.

استؤنفت الاتصالات بين دمشق و "قسد". اللقاء الحاسم كان يوم 4 يناير ، حيث بحث عبدي بحضور وفده، في لقائه مع وزيري الخارجية أسعد الشيباني والدفاع مرهف بوقصرة ومسؤولين آخرين في "خريطة طريق" مبنية على الأوراق المتبادلة، تضمنت تشكيل ثلاث فرق ولواءين (وحدات المرأة ومكافحة الإرهاب) من "قسد" وعلاقتها مع الجيش، إضافة إلى مناصب مثل "نائب" وزير الدفاع وتعديلات دستورية، ضمن خطة محكمة ينتهي تنفيذها أول أغسطس/آب 2026.

هذا اللقاء، بعد بداية تفاوضية تناولت الخريطة، انهار في نصفه الثاني. واتهمت دمشق "قسد" بالمماطلة والتسويف وشراء الوقت وعدم تنفيذ اتفاق 10 مارس/آذار وخرق اتفاق أول أبريل/نيسان الخاص بأحياء الأشرفية والشيخ مقصود وبني زيد في حلب. وقيل إن تقديرا في دمشق، مفاده أن نافذة الدبلوماسية أغلقت لأنها لم تُستغل، وأنه لا بد من الرد على الخروق و"عدم السماح بترك حلب، عاصمة البلاد الاقتصادية، رهينة لصواريخ قسد".

أ.ف.ب
الزعيم السياسي الكردي مسعود بارزاني (الثاني من اليسار) يجلس إلى جانب قائد "قوات سوريا الديمقراطية"، مظلوم عبدي (يسار)، خلال لقائهما مع المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا في أربيل

وفي 5 يناير عُقدت في باريس جلسة مفاوضات سورية-إسرائيلية بوساطة أميركية بناء على رغبة ترمب وتفاهمه مع نتنياهو في لقائهما في 29 ديسمبر، أسفرت عن تفاهم بتشكيل خلية أمنية لمنع الصدام، حسب بيان أميركي.

ومع بداية 2026 كان الرياح تسير لصالح دمشق ويسير الوقت ضد رهانات "قسد". فقد نجح الشرع وثبّت حكمه، وفتحت دمشق الأقنية السرية مع "العشائر العربية" لتتخلى عن "قسد" (70 في المئة من نحو 70-100 ألف مقاتل)، وإسرائيل منخرطة في مفاوضات مع دمشق، وأميركا فضلت تحالفها مع دمشق وانضم الرئيس الشرع يوم 10 نوفمبر 2025 إلى التحالف الدولي لقتال "داعش".

كما حصل في نهاية 2024 عندما قرأ الشرع المشهد السوري والإقليمي والدولي وبدأ هجومه على حلب يوم 27 نوفمبر 2024 لـ"ردع العدوان" فوصل إلى دمشق بعد 11 يوما، فقد قرأ المشهد السوري والإقليمي والدولي وبدأ يوم 6 يناير 2026 بـ "عملية جراحية" لتأمين أحياء حلب فوصلت قواته إلى الحسكة بعد 14 يوما.

تقدمت قوات الجيش السوري إلى شرق حلب وتخوم نهر الفرات فانتفضت "العشائر العربية" في المدن ذات الغالبية العربية ضد "قسد" فخسرت نصف مقاتليها. وكما حصل بعد انطلاق "ردع العدوان"، كانت جميع مؤسسات الحكومة تواكب العملية العسكرية: إدارات الحكومة، جمعيات، إعلام، إضافة إلى مرسوم رئاسي من الشرع يقر حقوق الأكراد في سوريا، ومقابلة إعلامية تفصيلية تشرح موقفه من المفاوضات مع "قسد" والتمييز بينها وبين الأكراد.

"لن نطلق رصاصة واحدة لأجلكم"

بدءا من 6 يناير بدأ المشهد الميداني بالانقلاب. انهيار قوات "قسد" وانسحاب المكون العربي منها في المدن العربية وسرعة تقدم الجيش السوري، كان مفاجأة كبرى. حصل لقاء على عجل في أربيل ضم المبعوث الأميركي توم باراك والزعيم مسعود بارزاني يوم 17 يناير، كان المطروح على الطاولة وثيقة من 12 نقطة تتضمن تنازلات كبيرة وسقف جديد والقبول بتغيير الوضع العسكري الميداني.

أصدر توم باراك بيانا أوضح رؤية إدارة ترمب لملف "قسد"، وأكد أن أعظم فرصة متاحة أمام الأكراد هي "الاندماج الكامل" في الدولة الجديدة، وأن مبررات الشراكة الأميركية مع "قسد" لمكافحة "داعش" قد "انتهت صلاحيتها"

فوجئ عبدي وإلهام أحمد، اللذان كانا يراهنان على تدخل إسرائيلي وحماية أميركية، بكلمات توم باراك الذي قال إن واشنطن لن تقبل بـ"مواجهة إسرائيلية-تركية" في شمال شرقي سوريا لأجل "قسد"، بل قال بوضوح ما مفاده إن أميركا "لن تطلق رصاصة واحدة لأجلكم". في هذا اللقاء وضع عبدي خرائطه على الطاولة وحدد المناطق ذات الغالبية الكردية كـ "خط أحمر"، قائلا إن قواته انسحبت إليها و"سيدافع عنها".

في اجتماع أربيل وافق عبدي شفويا على الورقة الجديدة وطلب بعض التعديلات، خصوصا ما يتعلق بـ"المناطق ذات الغالبية الكردية".

بعدها زار مظلوم عبدي دمشق والتقى الشرع، فكان لقاء حادا انتهى دون اتفاق. دمشق رفضت إعطاء مظلوم مهلة خمسة أيام لتنفيذ الاتفاق وتسليم سجون "داعش" (900 في سجن الأقطان، و120 في سجن الشدادي، و20 ألفا من عوائل "داعش" في مخيم الهول وآلاف في سجن الحسكة) وتقديم مرشحين للمناصب.

أرادت دمشق من مظلوم إعلان حل "قسد" انسجاما مع قرارات "يوم النصر" في 29 يناير 2025 التي تضمنت حل جميع المؤسسات المدنية والعسكرية والسياسية التي كانت سائدة قبل سقوط النظام. بمعنى آخر، أن تعود مناطق شمال شرقي سوريا إلى العلاقة مع الدولة كما فعلت إدلب التي كانت تحت ادارة "هيئة تحرير الشام"، فانصهرت بالدولة بعد سقوط النظام في 8 ديسمبر 2024. وقد رفض مظلوم عبدي وقال إنه قدم أقصى ما يمكن تقديمه وهو التراجع إلى المناطق ذات الغلبية الكردية، واعتبرها "خطا أحمر".

جراء فشل اجتماع الشرع وعبدي احتدمت المعارك في شرق الفرات ووصل الجيش السوري إلى تخوم الحسكة وتقدمت باتجاه الحدود لقطع خطوط الامداد. وعلى وقع المعارك انسحب الجيش الروسي من مطار القامشلي. وتكثفت اتصالات القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) مع الأطراف لضمان نقل سجناء "داعش" من شمال شرقي سوريا، بينهم 7 آلاف خُطط لنقلهم إلى العراق.

أ.ف.ب
جنود سوريون يعتلون دبابة أثناء سيطرتهم على مواقع "قسد" بعد انسحابها من مسكنة، شمالي سوريا، في 17 يناير 2026

في 18 يناير، أعلنت الرئاسة السورية، من جهتها، اتفاقا مع "قسد"، استنادا إلى الورقة التي بحثت في أربيل، ونص الاتفاق على بنود كثيرة بينها "وقف إطلاق نار شامل وفوري على كل الجبهات"، وتسليم محافظتي دير الزور والرقة إدارياً وعسكرياً للحكومة السورية بالكامل فوراً، ودمج كل المؤسسات المدنية في محافظة الحسكة ضمن مؤسسات الدولة السورية وهياكلها الإدارية، واستلام الحكومة السورية لكامل المعابر الحدودية وحقول النفط والغاز في المنطقة، ودمج كل العناصر العسكرية والأمنية لـ"قسد" ضمن هيكلية وزارتي الدفاع والداخلية السورية بشكل "فردي" بعد إجراء التدقيق الأمني، والتزام "قسد" بإخراج كل قيادات وعناصر "حزب العمال الكردستاني" غير السوريين خارج حدود سوريا.

توم باراك: مبررات الشراكة مع "قسد" انتهت

في 20 يناير أصدر توم باراك بيانا أوضح رؤية إدارة ترمب لملف "قسد"، وأكد أن أعظم فرصة متاحة أمام الأكراد هي "الاندماج الكامل" في الدولة الجديدة، وأن مبررات الشراكة الأميركية مع "قسد" لمكافحة "داعش" قد "انتهت صلاحيتها" بعد قيام حكومة مركزية معترف بها، راغبة وقادرة على تولي المسؤوليات الأمنية، وأصبحت عضوا بالتحالف الدولي ضد "داعش".

الأهم في هذا الموقف أنه رسم حدود المستقبل بوضوح. لا مصلحة أميركية في وجود عسكري طويل الأمد، ولا دعم للانفصال أو الفيدرالية، بل تركيز على تيسير اندماج "قسد"، وتسليم سجون "داعش" والمخيمات والمنشآت الحيوية إلى دمشق. بهذا المعنى، لم يعد الرهان على الغموض الأميركي ممكنا، لأن السقف السياسي بات معلنا وصريحا.

رحب كل من الرئيس الفرنسي ​إيمانويل ماكرون ولندن بالاتفاق، مؤكدين ‌دعم ⁠ ​تنفيذه

وفي 22 يناير، اجتمع مظلوم مع نيجيرفان بارزاني وتوم باراك في أربيل للبحث في تنفيذ اتفاق 18 ينار. قدم عبدي مقترحات لباراك كي ينقلها إلى الحكومة السورية، بينها مرشحه لتسلم منصبي "مساعد" (بدل نائب) وزير الدفاع السوري، ومحافظ الحسكة، وتشكيل فرقة وثلاثة ألوية (بدل ثلاث فرق)، وتمديد وقف النار في شمال شرقي سوريا، مع عناصر تفصيلية أخرى. ثم زار عبدي دمشق كي يبحث تفاصيل تنفيذ اتفاق 18 يناير، خصوصا ما يتعلق بترتيبات الوضع في المناطق ذات الغالبية الكردية واندماج "قسد" في الجيش السوري "فرادى".

ومع انتهاء مهلة تنفيذ اتفاق 18 يناير، في 24 يناير، تكثفت الاتصالات لتمديد وقف النار. البعض اقترح شهرا وآخرون اقترحوا أسبوعا، فكان الحل الوسط تمديد الاتفاق لأسبوعين لإعطاء فرصة لتنفيذ بنوده.

في هذه الظروف، عاد الكونغرس الى العمل وتحركت جماعات الضغط الموالية للأكراد، وتحركت في البيت الأبيض ضد توم باراك وضد تقدم الجيش الى المناطق الكردية والحدود.

في 26 يناير، زار مظلوم وإلهام أحمد دمشق، واحتدمت الوساطات. اتصل الرئيس ترمب بالرئيس الشرع في اليوم نفسه، حيث جرى التأكيد على التزام وقف النار والعمل على ترتيبات تنفيذ الاتفاق. ميدانيا، كان الجيش السوري قد التف على "قسد" وقطع خطوط الإمداد في المناطق ذات الغالبية الكردية، فاستنفرت اتصالات عدة باتجاه واشنطن ولوح السيناتور لينسي غراهام بالتحرك لفرض "قانون حماية الأكراد".

رويترز
جندي من قوات التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة خارج مقر اجتماع بين قادة "قوات سوريا الديمقراطية" والقادة العسكريين الأميركيين، في دير حافر بسوريا. 16 يناير 2026

في 27 يناير، على وقع التقدم الميداني نحو "مناطق كردية" وضغوطات في واشنطن، اتصل الرئيس ترمب بالرئيس الشرع بهدف حثه على تثبت وقف النار ووقف العمليات. الشرع قدم "مفاجأة سارة" وأبلغ ترمب بان اتفاقا حصل مع عبدي بما يتضمن وقف النار ووحدة سوريا ومنع عودة "داعش". عليه، أعلن ترمب ان اتصاله كان "رائعا" مع الشرع.

أعطى اتصال ترمب جرعة إضافية للمفاوضات لأيام تناولت تفاصيل التفاصيل بمواكبة أميركية وفرنسية وتركية. وفي 30 يناير، أعلن عن "اتفاق شامل" بين الحكومة و"قسد" لعملية "دمج متسلسلة للقوات العسكرية والإدارية بين الجانبين".  ويشمل "انسحاب القوات العسكرية من نقاط التماس ودخول قوات أمن تابعة لوزارة الداخلية إلى مركزي الحسكة والقامشلي"، اللتين لا تزالان في عهدة "قسد". ووضع الاتفاق حدّا لآمال الأكراد بالحفاظ على إدارتهم الذاتية.

ونصّ على تشكيل فرقة عسكرية تضمّ ثلاثة ألوية من "قسد" ضمن الجيش السوري في شمال شرق البلاد، إضافة إلى تشكيل لواء آخر لقوات عين العرب (كوباني) التي تحظى بمكانة خاصة لدى أكراد سوريا، ضمن فرقة عسكرية تابعة للقوات الحكومية في حلب شمال سوريا. وأكّدت بنود الاتفاق "دمج مؤسسات الإدارة الذاتية ضمن مؤسسات الدولة السورية مع تثبيت الموظفين المدنيين".

ووصف المبعوث الأميركي الاتفاق بأنه "منعطف تاريخي"، قائلا: "من خلال تيسير الدمج المرحلي للهياكل العسكرية والأمنية والإدارية ضمن مؤسسات الدولة الموحدة، مع ضمان إتاحة الفرصة لممثلي (قسد) في المناصب العليا للإسهام الفاعل، يؤكد الاتفاق مبدأ أن قوة سوريا تنبع من احتضان التنوع والاستجابة للتطلعات المشروعة لجميع أبنائها". وزاد: "بالنسبة للشعب الكردي... إن التطبيق الأخير للمرسوم الرئاسي رقم 13- الذي أعاد الجنسية السورية الكاملة لمن تأثروا سابقًا بإقصاءات تاريخية، واعترف باللغة الكردية لغةً وطنية إلى جانب العربية، وأتاح تعليمها في المناطق المعنية، وكرّس ضمانات الحماية من التمييز- يشكّل خطوة تحوّلية نحو المساواة والانتماء. وتعالج هذه الإجراءات مظالم طويلة الأمد، وتؤكد المكانة الأصيلة للأكراد ضمن الأمة السورية، وتفتح آفاق مشاركتهم الكاملة في صياغة مستقبل آمن ومزدهر وشامل". ورحب كل من الرئيس الفرنسي ​إيمانويل ماكرون ولندن، بالاتفاق، مؤكدين ‌دعم ⁠ ​تنفيذه.

اتفق الطرفان على أن تقوم "قسد" بدمج ثلاث فرق عسكرية كاملة ولواءين متخصصين (لواء النساء ولواء مكافحة الإرهاب) ضمن وزارة الدفاع، بحيث تستمد هذه الوحدات أوامرها وصلاحيات عملها ورواتبها ودعمها المالي من الوزارة

"المجلة" تنشر مسودة الخطة القديمة  لاندماج "قسد" بالجيش

لإظهار حجم التغيير في القضايا التفاوضية، أضع هنا مسودة ورقة تفاوضية في شأن اندماج "قسد" في الجيش، حصلت عليها "المجلة"، تعود إلى 4 يناير.

دمج الفرق والتشكيلات العسكرية

اتفق الطرفان على أن تقوم "قسد" بدمج ثلاث فرق عسكرية كاملة ولواءين متخصصين (لواء النساء ولواء مكافحة الإرهاب) ضمن وزارة الدفاع، بحيث تستمد هذه الوحدات أوامرها وصلاحيات عملها ورواتبها ودعمها المالي من الوزارة. كما يلتزم جميع أفراد الوحدات التابعة لـ"قسد" بتقديم بياناتهم الشخصية الكاملة إلى وزارة الدفاع لإجراء التدقيق الأمني وإدراجهم رسميا ضمن القوات المسلحة السورية.

وشملت  الخطوات التنفيذية المراحل الآتية:

1- نائب وزير الدفاع

"قسد": في 15 يناير 2026، ستقدم "قسد" اسم مرشحها لمنصب نائب وزير الدفاع مع كامل معلوماته الشخصية والسيرة الذاتية الخاصة به.

وزارة الدفاع: في 1 فبراير/شباط 2026، ستعلن وزارة الدفاع والحكومة السورية رسميا الموافقة على مرشح "قسد" لهذا المنصب بعد استكمال إجراءات التدقيق الأمني.

2- إجراءات تدقيق القادة:

"قسد": في 15 يناير 2026، ستقدم "قسد" أسماء المرشحين ومعلوماتهم الشخصية الكاملة لإجراء التدقيق الأمني على المرشحين للمناصب التالية: قادة الفرق، نواب قادة الفرق، وقادة الألوية لتلك الفرق واللواءين المتخصصين.

وزارة الدفاع: في 1 فبراير 2026، ستستكمل وزارة الدفاع إجراءات التدقيق الأمني لجميع قادة الفرق ونوابهم وقادة الألوية، ليتم ضمهم رسميا إلى وزارة الدفاع. وفي هذه المرحلة، سيتم إصدار بطاقات هوية صادرة عن وزارة الدفاع للأعضاء الذين تم تدقيقهم والموافقة عليهم. وسيتم إبلاغ "قسد" بأسماء المرشحين الذين لم تتم الموافقة على ضمهم مع توضيح المبررات، وستبدأ إجراءات استئناف القرار أو سيتم تقديم مرشح جديد. وإذا لم تُصدر وزارة الدفاع إعلانا بحلول 1 فبراير بشأن الموافقة على القادة المرشحين، فسيُعتبر هؤلاء المرشحون مقبولين.

بحلول 31 يوليو 2026، سيكون قد تم استكمال تدقيق جميع فرق وألوية "قسد"، وسيكون جميع الأفراد قد حصلوا على بطاقات هوية صادرة عن وزارة الدفاع

الطرفان: في 1 فبراير 2026، وبمجرد الاعتراف الرسمي بقادة الفرق والألوية المتخصصة كأعضاء في وزارة الدفاع، ستلتزم الفرق والألوية المعنية بالأوامر والمعايير التي يحددها وزير الدفاع. وسترفع وحدات "قسد" العلم الرسمي للجمهورية العربية السورية.

"قسد": في 1 فبراير 2026، ستتوقف وحدات "قسد" عن القيام بأي نشاط عسكري لا يتوافق مع أوامر وزير الدفاع، ولن تقوم هذه الوحدات وأفرادها بتنفيذ أي عمليات عسكرية أو استعدادات أو أنشطة غير مصرّح بها، وخاصة تلك الموجّهة ضد مكونات الجمهورية العربية السورية أو تركيا.

3- تدقيق الأفراد والإدماج النهائي:

"قسد": ابتداءً من 15 يناير 2026، ومرة أخرى في 1 و15 فبراير 2026، ستقدم "قسد" قائمة تتضمن 2000 اسم مع بياناتهم الشخصية الكاملة إلى وزارة الدفاع لإجراء التدقيق الأمني وإدراجهم رسميا ضمن القوات المسلحة السورية. واعتبارا من 1 مارس 2026، ستقدم "قسد" 5000 اسم مع بياناتهم الكاملة للتدقيق الأمني. ومن ذلك التاريخ فصاعدًا، ستقوم "قسد" بتقديم 5000 اسم مع بياناتهم الكاملة إلى وزارة الدفاع في اليوم الأول واليوم الخامس عشر من كل شهر حتى يتم تقديم كافة أفراد الفرق والألوية المتخصصة.

وزارة الدفاع: اعتبارا من 1 مارس 2026، وفي اليوم الأول من كل شهر بعد ذلك، ستزوّد وزارة الدفاع "قسد" بقائمة الأفراد الذين تمت الموافقة عليهم بعد تدقيقهم الأمني، ليتم إصدار بطاقات هوية صادرة عن وزارة الدفاع مهلة 30 يوما لتدقيق وإقرار القائمة المقدمة قبل شهرين؛ فعلى سبيل المثال: في 1 مارس 2026، سيكون لدى وزارة الدفاع رد على جميع الأسماء التي قدّمتها "قسد" في شهر يناير. وفي 1 أبريل 2026، سيكون لدى الوزارة رد على جميع الأسماء التي قدّمتها "قسد" في شهر فبراير.

الطرفان: بحلول 31 يوليو 2026، سيكون قد تم استكمال تدقيق جميع فرق وألوية "قسد"، وسيكون جميع الأفراد قد حصلوا على بطاقات هوية صادرة عن وزارة الدفاع.

الطرفان: في 1 أغسطس 2026، يُصار إلى تغيير التسميات والأرقام الرسمية لفرق وألوية "قسد" لتتوافق مع نظام الترقيم والتسميات المعتمد لفرق وألوية الجيش العربي السوري، وذلك وفق سياسات ومعايير وزارة الدفاع.

كما تضمنت خريطة الطريق تفاصيل مشابهة لدمج "حرس الحدود"، وإجراءات لوقف حفر الأنفاق وبناء السواتر الترابية.

وقّع الرئيس الشرع أمام عدسة الكاميرا مرسوما يضمن حقوق "أهلنا الكرد" وخصوصياتهم لتكون مصانة بنص القانون. وتنص المادة الأولى من المرسوم على أن "المواطنين السوريين الكرد جزء أساسي وأصيل من الشعب"

مسودة مقترحات دستورية لـ"حقوق الأكراد"... ومرسوم من الشرع

كما ننشر فقرات من وثيقة قدمتها "قسد" بشأن التعديلات في الإعلان الدستوري. دمشق لم تتسلم رسميا هذه الوثيقة، حيث كان الموقف أن تعديل الإعلان الدستوري يتطلب تشكيل مجلس الشعب وقرارات رئاسية.

أهم التعديلات التي يمكن أن نركز عليها في الإعلان الدستوري:

1- تسمية المكونات العرقية للشعب السوري واللغة الرسمية للدولة.

2- ذكر موضوع تعدد مستويات الحكم/اللامركزية

3- برلمان بغرفتين

4- في الديباجة: يجب الإشارة إلى مكونات الشعب السوري وتسمية المكونات العرقية على الأقل مرة واحدة في المقدمة، والإشارة إلى أن التنظيم الإداري في المرحلة الانتقالية سيكون على أساس تعدد مستويات الحكم أو اللامركزية كبديل.

5- في باب الأحكام العامة: تعديل اسم الجمهورية. واللغة العربية هي اللغة الرسمية للدولة، وتعتبر اللغتان الكردية والسريانية هما اللغتان الرسميتان في مجتمعاتهما المستقلة إلى جانب العربية. أو بصياغة أخرى اللغات العربية والكردية والسريانية هي اللغات الرسمية للدولة.

رويترز
يرفعون العلم السوري فوق تمثال محطم لمقاتلة من "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) في الطبقة شمال شرقي سوريا في 18 يناير/ كانون الثاني 2026

6- إضافة مادة لباب الأحكام العامة: الكرد شعب أصيل ويعيش على أرضه التاريخية، ويضمن الدستور حقوقه الاجتماعية والسياسية والثقافية في إطار وحدة الدولة السورية. أو الشعب السوري مكوَّن من قوميات متعددة، العرب والكرد والسريان والآشوريين والتركمان، ويضمن الدستور هذا التنوع في إطار وحدة الدولة السورية.

7- في باب نظام الحكم في المرحلة الانتقالية: السلطة التشريعية: يتولى مجلس الشعب ومجلس المحافظات السلطة التشريعية. وإضافة مادة جديدة حول مهام الغرفة الثانية للبرلمان، ونصها: "يضمن مجلس المحافظات مشاركة المناطق اللامركزية في السلطة التشريعية وإدارة الدولة".

في 16 يناير، وقّع الرئيس الشرع أمام عدسة الكاميرا مرسوما يضمن حقوق "أهلنا الكرد" وخصوصياتهم لتكون مصانة بنص القانون. وتنص المادة الأولى من المرسوم على أن "المواطنين السوريين الكرد جزء أساسي وأصيل من الشعب". كما فتح باب العودة الآمنة والمشاركة الكاملة في "بناء وطن واحد يتسع لجميع أبنائه". ودعا الأكراد إلى عدم تصديق "روايات الفتنة"، مخاطبا إياهم بالقول: "ومن يمسكم بسوء فهو خصيمنا".

وأصدرت وزارتا الداخلية والتعليم تعليمات تنفيذية إزاء تعليم اللغة الكردية في المدارس ومنح الجنسية لعشرات آلاف الأكراد مكتومي القيد. وتريد قيادة "قسد" حاليا التفاوض مع دمشق لإدخال هذا المرسوم في الإعلان الدستوري.

"اتفاق 30 يناير" ليس الأول، بل سبق وأن وُقّعت اتفاقات كثيرة بين دمشق و"قسد"، تعكس الوقائع الميدانية. هل سيكون مصير هذا الاتفاق التنفيذ وتثبيت وقف النار؟ أم إنه اتفاق آخر لشراء الوقت؟

font change

مقالات ذات صلة