أُجبر قائد "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) مظلوم عبدي على توقيع اتفاق جديد مع الحكومة السورية، يسحب من "قسد" كثيرا من الفرص التي أتيحت لها خلال الأشهر الماضية، وذلك على وقع انهيار متسارع جدا لقواتها في محافظتي دير الزور والرقة والحسكة، حيث خسرت "قسد" محافظتي دير الزور والرقة خلال أقل من 48 ساعة أمام "قوات العشائر العربية" التي بدأت التقدم نحو محافظة الحسكة قبيل ساعات من التوصل إلى اتفاق بين "قسد" والحكومة السورية بحضور المبعوث الأميركي إلى سوريا توماس باراك الذي وصل دمشق صباح الأحد 18 يناير/كانون الثاني بعد يوم من لقاء مظلوم عبدي في أربيل بحضور الزعيم الكردي مسعود بارزاني.
ووقع الرئيس السوري أحمد الشرع يوم الأحد 18 يناير/كانون الثاني اتفاقا جديدا مع "قسد" بعد مفاوضات مع مظلوم عبدي استمرت لساعات على الهاتف بحضور المبعوث الأميركي وعلى وقع تقدم "قوات العشائر" في مناطق شرق الفرات السوري. الاتفاق يتضمن دخول "قسد" ضمن الجيش السوري على شكل أفراد وليس جماعات وبعد تدقيق أمني، وتسليم "قسد" لمحافظتي الرقة ودير الزور، كل آبار النفط والحدود السورية العراقية، إضافة إلى تسليم "قسد" للمؤسسات المدنية والعسكرية للحكومة السورية، ودمج الإدارة المسؤولة عن ملف سجناء ومخيمات تنظيم "داعش" بالإضافة للقوات المسؤولة عن حماية هذه المنشآت مع الحكومة السورية، لتتولى الحكومة السورية المسؤولية القانونية والأمنية، وبنود أخرى لم تكن "قسد" لتقبل بها قبل أيام.
انهيار "قسد" المتسارع والذي شكّل عامل صدمة لقياداتها التي كانت تتحدث مرارا بفخر عن حجم قوات "قسد" وإمكانياتها، كان نتيجة عدّة عوامل متراكمة خلال السنوات الماضية وفي مرحلة ما بعد سقوط الأسد، وعلى الرغم من أن أبرزها هو تراجع الدعم الدولي لها وتوجه الداعم الرسمي لـ"قسد" (الولايات المتحدة) إلى دمشق الجديدة لبناء تحالفات استراتيجية معها أكثر استدامة من تحالفاتها مع "قسد"، إضافة إلى الغضب الشعبي من "قسد" داخل مناطقها وسط تحركات حكومية لكسب المدنيين في شرق الفرات، وفقدان "قسد" الزخم الدولي والدعم الممكن من جانب روسيا نتيجة خطوات قامت بها الحكومة السورية تجاه روسيا، وانشغال كثير من قادة "حزب العمال الكردستاني" بالتفاهمات مع تركيا وسط انقسامات بينية داخله. إلا أن هذه العوامل ليست وحدها. "المجلة" تستعرض أبرز مقدمات وعوامل انهيار قوّة "قسد" الداخلية المتراكمة لسنوات، والخارجية التي سببها انهيار نظام الأسد وتشكل حكومة جديدة في سوريا بقيادة الرئيس أحمد الشرع، إضافة إلى خطوات الحكومة السورية التي قوّت عوامل الانهيار الداخلي لـ"قسد":
البنية العسكرية والتيارات
1- البنية العسكرية غير المتوازنة والمتناسقة لـ"قسد"، فنشأة "قسد" (أكتوبر/تشرين الأول من عام 2015) وبنيتها العسكرية المتنوعة لم تكن نتيجة تفاهمات حقيقية بين "وحدات حماية الشعب" و"وحدات حماية المرأة" ذات القوام الكردي، وبين بقية المكونات العربية والآشورية والسريانية. هذا التنوع كان بطلب من الجانب الأميركي الذي كان لا يريد إثارة مخاوف تركيا بشكل كبير في البداية، ولذلك فقد تمت لقاءات سريعة بين ممثلين عن "وحدات حماية الشعب" وبعض الفصائل العربية والسريانية لدعوتهم للانضمام لقتال "داعش" بدعم من التحالف الدولي، المكونات العربية قبلت الانضمام لتنفيذ مهمة قتال "داعش"، دون أن يكون لديها تصور بأن مشروع "وحدات حماية الشعب" أكبر من قتال "داعش"، والذي تكشف مع الوقت للمكونات العربية والسريانية وبات أكثر وضوحا مع إعلان تشكيل "الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا" عام 2018. هذه البنية العسكرية المتأرجحة وكثيرة الخلافات البينية لعب دورا في إضعاف الثبات العسكري لـ"قسد".
2- وجود تيارات كردية متشددة داخل قوات "قسد"، وهذه التيارات قوامها مقاتلون غير سوريين وسوريون على ارتباط وثيق مع "حزب العمال الكردستاني" المُصنف على قوائم الإرهاب عند كثير من دول التحالف الدولي، بما فيها الولايات المتحدة الأميركية وتركيا، هذه التيارات مع مرور الزمن امتلكت نفوذا واسعا داخل "قسد" ومؤسسات "الإدارة الذاتية"، وذلك ما أثار غضب كثير من الأحزاب الكردية، والمكونات العربية والآشورية والسريانية. النفوذ الذي امتلكته هذه التيارات كانت له تداعيات سلبية جدا على شعبية "قسد" في مناطقها، وفي مناطق المعارضة السورية، إضافة إلى ازدياد القلق التركي على أمنه القومي، وهو ما قاد إلى قيام المعارضة السورية بدعم تركي بعمليتين عسكريتين (2018-2019).


