لماذا لا تكون الحرب دائما مفيدة لأسهم شركات الدفاع

تصبح أسهم شركات الدفاع مربحة فقط إذا طلبت الحكومات ما يكفي من الأسلحة، لكن من دون إفراط

(أ.ف.ب)
(أ.ف.ب)
صفوف من نماذج قذائف عيار 30 ملم داخل مصنع في تشانغوون بكوريا الجنوبية، 21 نوفمبر 2024

لماذا لا تكون الحرب دائما مفيدة لأسهم شركات الدفاع

تبلغ انتهازية أسواق المال أقصى تجلياتها في أوقات إراقة الدماء. فما إن يُطلق صاروخ في مكان ما من العالم، حتى تبدأ أسواق المال في احتساب لا الخسائر وحدها، بل أيضا فرص الربح المحتملة. ويبدو هذا المشهد مقززا حتى في نظر المؤمنين بكفاءة الرأسمالية. ويظهر ذلك مجددا وسط الحرب الأميركية-الإسرائيلية ضد إيران.

ويأتي مصنعو السلاح في صدارة الفائزين الواضحين، إلى جانب شركات الطاقة التي تستفيد من قفزة أسعار النفط والغاز. ففي 2 مارس/آذار، ارتفعت أسهم شركات الدفاع الأميركية بنسبة 3 في المئة. وفي أوروبا، خالفت شركات مثل "بي إيه إي سيستمز" و"هينسولدت" اتجاه موجة بيع أوسع في الأسهم.

وعلى امتداد العالم الغني، ارتفعت أسهم مصنعي الأسلحة بنسبة 52 في المئة خلال الاثني عشر شهرا الماضية. وحققت بعض الشركات أداء أفضل بكثير. فقد زادت القيمة السوقية لشركة "هانوا إيروسبيس" الكورية الجنوبية وشركة "كراكن روبوتكس" الكندية، وهي شركة تصنع أجهزة السونار، إلى أكثر من عشرة أضعاف منذ بداية 2024. وفي عالم رأس المال المُغامِر، يبدو قطاع الدفاع مغريا بقدر الذكاء الاصطناعي.

(أ.ف.ب)
مقاتلات تابعة لسلاح الجو الفيتنامي تحلق خلال معرض فيتنام الدولي للدفاع في هانوي، 8 ديسمبر 2022

ومع اتساع رقعة النزاعات المسلحة، يمكن فهم حماس المستثمرين لموردي السلاح. لكن هذا الحماس ينطوي على مخاطر. فقد بلغت هذه الأسهم أعلى تقييمات لها في التاريخ الحديث. إذ تتداول أسهم شركات الدفاع الغربية عند نحو 35 ضعفا من أرباحها المتوقعة، وهو مستوى لا يبتعد كثيرا عن "إنفيديا"، التي تنمو مبيعاتها من الرقائق المفضلة في طفرة الذكاء الاصطناعي بنسبة 75 في المئة سنويا. ولا تبدو هذه المضاعفات منطقية إلا إذا استمر إيقاع الحرب، من دون أن يعلو إلى درجة تدفع الحكومات إلى تقييد قدرة الشركات على تحقيق الأرباح.

مصنعو الأسلحة في صدارة الفائزين في الحروب، ففي 2 مارس الجاري، ارتفعت أسهم شركات الدفاع الأميركية بنسبة 3 في المئة

وأمام احتمال تراجع أميركا عن تحالفاتها، تعهد جميع أعضاء حلف شمال الأطلسي برفع الإنفاق الدفاعي إلى 3.5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. وقد يترجم ذلك إلى طفرة كبيرة في شراء السلاح. لكن ذلك لا يعني بالضرورة تحقق هذه الطفرة، ولا سيما إذا هدأت الأوضاع في العالم. فعندما يتصادم الإنفاق العسكري مع المعاشات التقاعدية والرعاية الصحية وغيرها من أوجه الإنفاق الشعبي، قد ينتهي الأمر بالسياسيين إلى تفضيل الإنفاق الاجتماعي على السلاح.

وإذا وسعت الحكومات الإنفاق فعلا، فمن المرجح أن تحقق كثير من الحكومات أهداف الإنفاق الدفاعي من دون أن يكون ذلك، في المقام الأول، عبر شراء مزيد من الطائرات المقاتلة والدبابات والصواريخ. فلن يذهب جزء من الزيادة إلى العتاد العسكري، بل إلى معاشات العسكريين التقاعدية. وسيُستثمر جزء آخر في أشياء لا تبدو مرتبطة بالدفاع إلا بتوسع في التأويل. وكانت الحكومة الإيطالية تأمل في تصنيف جسر يربط صقلية بالبر الرئيس على أنه أصل عسكري حيوي، لكنها تراجعت بعد تقريع من السفير الأميركي.

وثمة تهديد أكبر للمستثمرين من احتمال أن يتبين أن ارتفاع ميزانيات الدفاع مجرد وهم، وهو أن تكون الحكومات جادة تماما. فشركات السلاح تكاد تخدم الدول وحدها. وهذا يجعلها أهدافا للضغط والإكراه أو حتى للمصادرة في فترات الأزمات.

(رويترز)
المدمرة الأميركية توماس هندر تطلق صاروخ توماهوك خلال الحرب ضد إيران من موقع غير معلن، 1 مارس 2026

وخلال الحربين العالميتين، استحوذت الحكومة البريطانية على أرباح مصنعي الأسلحة عبر ضرائب استثنائية مرتفعة على الأرباح المفاجئة. وبعد انخراط الولايات المتحدة الكامل في الحرب العالمية الثانية عام 1942، أعادت حكومتها "التفاوض" مرارا على الأسعار التي اتفقت عليها سابقا في عقودها مع شركات السلاح، وكان ذلك دائما بخفض كبير للأسعار وبفارق كبير. وفعلت الشيء نفسه مرة أخرى خلال الحرب الكورية، واستمرت في ذلك حتى أواخر سبعينات القرن العشرين، بينما كانت تخوض الحرب الباردة ضد الاتحاد السوفياتي.

شركات السلاح تكاد تخدم الدول وحدها، وهذا يجعلها أهدافا للضغط والإكراه أو حتى للمصادرة في فترات الأزمات

فعلى سبيل المثال، حققت أسهم شركات تصنيع الطائرات الأميركية أداء جيدا من 1938 حتى الهجوم على بيرل هاربور في ديسمبر/كانون الأول 1941، وفقا لستيفن تشيكوني وفريد كاين من جامعة نيوهامبشر. لكن من ذلك الوقت حتى نهاية الحرب في 1945، قدمت محفظة واسعة من الأسهم الأميركية عائدا أعلى.

والآن، بعدما عادت شركات السلاح إلى تحقيق أرباح كبيرة، بدأ السياسيون يتهيأون للضغط عليها وانتزاع مكاسب منها. ففي يناير/كانون الثاني، أصدر دونالد ترمب أمرا تنفيذيا يحظر على كبار المتعاقدين الدفاعيين الأميركيين إعادة شراء الأسهم أو دفع توزيعات أرباح. كما طرح فكرة تحديد سقف للأجر السنوي لرؤسائهم التنفيذيين عند 5 ملايين دولار، أي ربع ما حصل عليه رئيس تنفيذي عادي في هذا القطاع في 2024. ولا يحمل الأمر ولا تلك الفكرة قوة قانونية، لكنهما يبعثان برسالة واضحة. وعلى الضفة الأخرى من الأطلسي، وعبر الطيف السياسي، يدعو نواب الخضر في البرلمان الأوروبي إلى فرض ضريبة استثنائية على شركات الدفاع المربحة لاسترداد ثمار الإنفاق العام.

وبين الحرب في أوكرانيا، التي دخلت عامها الخامس، والحرب المشتعلة الآن في سماء الشرق الأوسط، وحرب أخرى قد تندلع إذا قررت الصين غزو تايوان، تحظى شركات السلاح بالأضواء أكثر من أي وقت خلال عقود. وهي من أكبر الفائزين من بين الشركات في عالم أكثر خطورة واضطرابا. لكن استمرار نجاحها مشروط بسيناريو "غولديلوكس" القائم على قدر كاف من الصراع، لكن من دون إفراط. وإلا فقد يجد مستثمروها أن العوائد هزيلة.

font change

مقالات ذات صلة