مع أي إيران تتعامل أميركا؟

التنافس داخل القيادة الإيرانية قد يعرقل تثبيت الهدنة

(أ.ف.ب)
(أ.ف.ب)
تصاعد الأزمة في طهران مع ظهور صور روح الله الخميني وعلي خامنئي ومجتبى خامنئي بالتزامن مع إغلاق مضيق هرمز وتعثر المفاوضات، 19 أبريل 2026

مع أي إيران تتعامل أميركا؟

شهد الشرق الأوسط في الأيام القليلة الماضية موجات متلاحقة من التبدل الحاد، في مشهد بات مألوفا. ففي 17 أبريل/نيسان أعلن دونالد ترمب أن مضيق هرمز فتح أمام الملاحة، وهو ما أكده وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي. غير أن وسائل إعلام مرتبطة بـ"الحرس الثوري" الإيراني سارعت، في اليوم نفسه، إلى انتقاد عراقجي لأنه تجاهل شروط فتح المضيق. وفي اليوم التالي قال متحدث عسكري إن المضيق أُغلق مجددا، فيما تعرضت عدة سفن لإطلاق النار أثناء محاولتها العبور. وسخر ترمب من خطوة إعادة إغلاق الممر، مذكرا العالم بأن الحصار الأميركي نفسه كفيل بإبقائه مغلقا أمام السفن الإيرانية. وفي 20 أبريل قال ترمب إن البحرية الأميركية أطلقت النار على سفينة شحن إيرانية وصعدت إليها.

وقبل ذلك بيوم واحد فقط، كان قد أُعلن أن وفدا أميركيا سيعود إلى إسلام آباد، عاصمة باكستان، لإجراء مزيد من المحادثات مع الإيرانيين، مكررا تهديده بقصف البنية التحتية المدنية في إيران إذا لم تفض المفاوضات إلى نتيجة.

من جهة ترمب، لم يعد تقلبه أمرا يثير الاستغراب. غير أن الأبلغ دلالة هو ما تعكسه الرسائل المتضاربة الصادرة من إيران، إذ تكشف عن صراع نفوذ محتدم داخل الجمهورية الإسلامية، تجد معه البلاد نفسها، وللمرة الثانية فقط في تاريخها الممتد 47 عاما، من دون "مرشد أعلى" حاضر ومطلق الصلاحيات. ويشبّه أحد المراقبين هذا المشهد بصراع متشابك على السلطة، يستحضر الأشهر الأولى المضطربة من الثورة الإيرانية عام 1979.

(رويترز)
حاملة الطائرات الأميركية "يو إس إس جيرالد آر فورد" تشارك في عمليات عسكرية شرق البحر المتوسط ضمن التصعيد ضد إيران، 2 مارس 2026

وتفيد وسائل الإعلام الرسمية بأن المسؤولين الإيرانيين لا يبدون في وارد استئناف محادثات السلام في الوقت الراهن. لكن إذا تبدل هذا المزاج، فإن الوفد الأميركي المتوجه إلى إسلام آباد سيجد نفسه أمام سؤال حاسم: مع من سيتحدث تحديدا؟

الرسائل المتضاربة الصادرة من إيران، تكشف عن صراع نفوذ محتدم داخل الجمهورية الإسلامية

أتاحت الجولة الأولى من المحادثات في إسلام آباد، التي عقدت يومي 11 و12 أبريل، لمحة كاشفة عن التوترات الداخلية في إيران. فالوفود الإيرانية التي توفد عادة إلى محادثات مع الولايات المتحدة تكون محدودة العدد، منضبطة، ومحكمة الإعداد. أما الوفد الذي ذهب إلى إسلام آباد فجاء على النقيض تماما. فقد ضم نحو 80 إيرانيا، قُدم نحو 30 منهم على أنهم من أصحاب القرار. وكان بينهم مجيد تخت روانجي، الدبلوماسي المخضرم الذي أسهم في صقل تفاصيل الاتفاق النووي مع إدارة أوباما عام 2015، ومحمود نبويان، المتشدد الذي يصف أميركا بأنها "كلب أصفر مسعور"، ويسخر من أي اتفاق ويراه استسلاما.

وبلغت حدة سجالاتهم مستوى دفع الوسطاء الباكستانيين، بحسب ما تردد، إلى تخصيص وقت للفصل بين الإيرانيين أنفسهم يوازي ما خصصوه للتعامل مع الأميركيين. وحين توترت الأجواء دعا المضيفون إلى أخذ استراحة.

ومن أسباب هذا التوتر وجود فراغ في القمة. فبعد سبعة أسابيع على الغارة الأميركية الإسرائيلية التي قتلت علي خامنئي، "المرشد الأعلى" طوال 37 عاما، لا يزال خلفاؤه عاجزين عن تحديد موعد لتشييعه. ويُعتقد أن ابنه وخليفته المعين، مجتبى خامنئي، إما عاجز صحيا وإما أضعف من أن يفرض سلطته.

(أ.ف.ب)
اجتماع في إسلام آباد جمع شهباز شريف وعاصم منير وإسحاق دار مع محمد باقر قاليباف وعباس عراقجي قبيل مفاوضات مع وفد أميركي بقيادة جي دي فانس لإنهاء الحرب، 11 أبريل 2026

كما أسهمت حروب إسرائيل وعمليات الاغتيال التي نفذتها في تقليص الصفوف العليا من الموالين للجيش. أما الذين حلوا محلهم فيبدون أقل استعدادا للتخلي عن هامش الاستقلال الذي نالوه خلال الحرب، حين لجأت إيران إلى لامركزية القيادة والسيطرة كي تصمد في وجه الهجمات الأميركية والإسرائيلية المشتركة.

يُعتقد أن ابن "المرشد" الراحل وخليفته المعين، مجتبى خامنئي، إما عاجز صحيا وإما أضعف من أن يفرض سلطته

منذ إعلان وقف إطلاق النار في 8 أبريل، بدأ تماسك النظام في زمن الحرب يتآكل. ومن الناحية الشكلية، تستقر السلطة في يد المجلس الأعلى للأمن القومي، الذي يضم الرئيس ورئيس البرلمان ورؤساء الأجهزة الأمنية. وكُلف محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان، بمهمة كبير المفاوضين، على أن يكون عراقجي نائبه. غير أن استعدادهما للتفاوض أثار رد فعل مضادا، ولا سيما من "الحرس الثوري"، القوة التي يبلغ قوامها 190 ألف عنصر وتضطلع بحماية الجمهورية الإسلامية. وبالنسبة إلى المراقبين من الخارج، بدا هذا الانقسام جليا في التصريحات المتناقضة التي صدرت خلال اليومين الماضيين بشأن وضع مضيق هرمز.

وفي الداخل الإيراني، تتكاثر مؤشرات تصاعد النزعة العسكرية. فقد أخذت حشود موالية للنظام، تحشدها ليلا شبكات مرتبطة بـ"الحرس الثوري"، تندد بعراقجي وقاليباف بالاسم. وبدا كأن البيانات العسكرية التي يتلوها رجال بلباسهم الميداني أخذت تحل محل الخطب الدينية.

وحتى قواعد الاحتشام الصارمة بدأت تتراخى. ففي تجمع حديث، قادت امرأة سافرة الهتافات، في خرق لمحظور استمر أربعة عقود بشأن تصدر النساء منفردات للهتاف أمام الرجال. وفي إشارة أخرى إلى تنامي القبضة العسكرية، طرحت وسائل إعلام مرتبطة بـ"الحرس" فكرة تأجيل الانتخابات البلدية المقررة في الأول من مايو/أيار القادم.

(رويترز)
تجمع شعبي في طهران بعد إعلان هدنة لمدة أسبوعين وسط ترقب لمصير التصعيد، 8 أبريل 2026

وثمة من يرى أن هذا الضجيج ذو طابع تكتيكي في جوهره، وأنه وسيلة لانتزاع تنازلات عبر إظهار معارضة متشددة. فالشقوق داخل إيران قديمة قدم الثورة نفسها. ومنذ البداية، انقسم قادتها حول ما إذا كان الأنسب هو مواجهة أميركا أم مهادنتها. غير أن الحرب تبدو اليوم كأنها تعمق صدعا جديدا بين قوميين يحتكمون إلى اعتبارات السياسة الواقعية ومصلحة الدولة، وإسلاميين تشدهم عقيدة الثورة وتحدد وجهتهم.

في إشارة إلى تنامي القبضة العسكرية، طرحت وسائل إعلام مرتبطة بـ"الحرس" فكرة تأجيل الانتخابات البلدية المقررة في الأول من مايو

وتزيد المصالح المادية المشهد تعقيدا. فعلى مر السنين، نشأت طبقة من الجنرالات تحولوا إلى متعهدي التفاف على العقوبات، ويعتقد أن أفرادها يجنون أرباحا وافرة من عمليات تجاوز العقوبات الأميركية المفروضة على الاقتصاد. كما يعتقد أن شبكات مرتبطة بمجتبى خامنئي وقاليباف تسيطر على محافظ عقارية خارجية، واسترعت انتباه وسائل الإعلام. ومع غياب خامنئي الأب، عاد إلى الواجهة أشخاص كانوا مهمشين من قبل، وكل منهم يحمل معه حلفاء مختلفين، وأجندات متباينة، ونصيبا يطالب به من السلطة.

ولكل فريق نظرته إلى أبرز العقد التي تعترض المحادثات، وفي مقدمها البرنامج النووي، والسيطرة على مياه الخليج، ودور وكلاء إيران الإقليميين. فالقوميون مستعدون لمقايضة شبكات الوكلاء بتخفيف العقوبات، أما الإسلاميون فيرون فيها عمود "المقاومة" الفقري.

وبالنسبة إلى القوميين، فإن الاقتراب من حافة الهاوية النووية يستجلب الهجوم، فيما يستلهم الإسلاميون نموذج كوريا الشمالية ويتطلعون إلى امتلاك القنبلة من أجل الردع. أما السيطرة على مضيق هرمز، فهي في نظر البرغماتيين ورقة ضغط من أجل ميثاق أمني أوسع مع دول الخليج العربية، بينما يراها العقائديون منفذا مربحا للجباية تحت الهيمنة الإيرانية.

(أ.ف.ب)
مناورات لـ"الحرس الثوري" الإيراني في منطقة أراس شمال غرب إيران قرب حدود أرمينيا وأذربيجان، 20 أكتوبر 2022

وفي 15 أبريل، حل عاصم منير، قائد الجيش الباكستاني، في طهران سعيا إلى استكشاف قواسم مشتركة بين هذه الأطراف المتباينة. وقد تدفع الحاجة الملحة إلى إصلاح ما خلفته الحرب من أضرار، يقدر النظام قيمتها بنحو 270 مليار دولار، نحو قدر أكبر من التركيز. غير أن عودة إيران إلى طاولة المحادثات، إن حصلت، لن تبدد حقيقة أن الانقسامات العميقة داخل وفدها تجعل بلوغ اتفاق أمرا شاقا، وتترك أي تفاهم مع أميركا مهددا بالتفكك السريع.

font change

مقالات ذات صلة