مقتل علي لاريجاني ومستقبل "الجمهورية الإسلامية"

رجل سلطة العائلة في القيادة الإيرانية

أ ف ب/ "المجلة"
أ ف ب/ "المجلة"

مقتل علي لاريجاني ومستقبل "الجمهورية الإسلامية"

نقطة انعطاف في السياسة الإيرانية وكذلك في الحرب الدائرة في المنطقة وقعت خلال الساعات الماضية، حيث أعلنت إسرائيل عن استهداف مباشر لسكرتير المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني، في أهم عملية اغتيال منذ قتل "المرشد" الإيراني علي خامنئي مع بدء المواجهة نهاية فبراير/شباط الماضي. يومها تحول لاريجاني إلى الواجهة بصفته مهندساً فعلياً لمرحلة الانتقال في الجمهورية الإسلامية، عبر التوريث ونقل السلطة من خامنئي الأب إلى مجتبى الابن.

أكثر من أسبوعين وضعا الرجل في دائرة القرار بصفته القائد الفعلي للبلاد، في وقت اكتنف الغموض مصير "المرشد" الجديد، مجتبى خامنئي، الذي أفادت تقارير الحكومة بإصابته خلال الهجوم على مقر والده. ومثلما أدى اغتيال علي خامنئي إلى تغيير بالمشهد الإيراني على أوجهه كافة، فإن قتل لاريجاني سيؤدي بالتأكيد إلى تغيير بالمشهد الأمني الداخلي، وكذلك النقاش حول التفاوض والتنازل أو الاستمرار بالحرب.

في شهر يناير/كانون الثاني الماضي، واجهت إيران موجات من الاحتجاج ضد النظام بسبب الانهيار الاقتصادي، يومها برز دور لاريجاني كمهندس للقمع، كما يتهمه المعارضون، حيث كلفه خامنئي بإدارة الملف الأمني، فكان وراء استخدام القوة المميتة ضد المتظاهرين، وهو الدور الذي استحق بسببه عقوبات أميركية في 15 يناير 2026.

تمثل عائلة لاريجاني نموذجاً لشبكات النفوذ العائلي في إيران، حيث لم تكن السلطة لديهم مجرد منصب فردي، بل تشبه توزيعاً للأدوار عبر مؤسسات الدولة كافة

وهذا ما أظهره كجامع للقمع الأمني داخلياً، مع إظهار مرونة اقتصادية ودبلوماسية محدودة في الخارج بهدف ضمان بقاء النظام. ومع تصاعد الحرب جاء اغتياله ليمثل ذروة تحولات، ليس فقط لكونه استهدافاً لشخصية رئيسة بالسلطة، بل لأن استهداف من بموقعه يؤدي حتماً إلى واقع جديد يطرح بقاء السلطة في حال التشدد أو التنازل القسري، وهو ما يؤدي لصراع بين مراكز القوى المتمثلة في "الحرس الثوري" والمتشددين وشبكات النفوذ العائلي وكذلك الإصلاحيين. صراع يتحول إلى واقع منذ اغتيال خامنئي الذي يوصف بمثابة قطع لرأس الهرم الذي حافظ على توازن المتصارعين داخل النظام.

القفز بين الأجنحة والعودة من الإقصاء


لم يكن علي لاريجاني مجرد مسؤول أمني أو سياسي أو حتى جامع للمسؤوليتين، بل كان ظاهرة في النظام الإيراني، حيث استطاع على مدار أربعة عقود أن يجمع التشدد عبر رتبة العميد في "الحرس الثوري" والانفتاح عبر شهادة الدكتوراه في الفلسفة الغربية، ما منحه قدرة على مخاطبة العسكر بلغتهم ومحاورة الغرب بأدواته. وتتجلى براعته بالقدرة على القفز بين التيارات، فقد بدأ كأحد أعمدة الجناح المحافظ المتشدد خلال رئاسته لمؤسسة الإذاعة والتلفزيون، حيث استُخدمت المؤسسة كمنبر لمهاجمة الإصلاحيين وبث اعترافات السجناء السياسيين، لينتقل إلى صورة المفاوض الوديع مع الغرب والحليف للإصلاحيين في مواقع مختلفة.
بعد التهميش المتعمد خلال حقبة إبراهيم رئيسي، والتي رافقها استبعاده من الترشح للانتخابات الرئاسية في 2021 و2024، عاد لاريجاني إلى داخل المؤسسة الأمنية مع تولي مسعود بزشكيان رئاسة الجمهورية. عودته كانت خيار الضرورة الذي وافق عليه خامنئي لإيجاد شخصية قادرة على إدارة التوازنات وخصوصاً بعد حرب الـ12 يوماً في يونيو/حزيران 2025. وبالنسبة إلى بيزشكيان فإن لاريجاني شريك يمتلك المفاتيح التي يفتقدها في دهاليز المؤسسات والدولة العميقة و"الحرس الثوري".

رويترز
علي لاريجاني اثناء مؤتمر صحافي في دمشق في 16 فبراير 2020

لطالما وُصف لاريجاني بأنه "الرجل الذي يجلس في حضن المتشددين ويهمس في أذن الإصلاحيين"، فانتماؤه للمؤسسة العسكرية، لم يمنعه من الاصطدام مراراً مع الجناح المتطرف في "الحرس الثوري"، خاصة خلال مفاوضات الاتفاق النووي عام 2015 عندما استخدم نفوذه كرئيس للبرلمان لتمرير الاتفاق في 20 دقيقة فقط. هذا الموقف جعل المتشددين على خلاف معه، واصفين إياه بأنه "رفسنجاني جديد" يبحث عن صفقات تضمن بقاء النظام ولو على حساب ثوابته الأيديولوجية. كما تقرب من الشخصيات المعتدلة مثل حسن روحاني ومحمد جواد ظريف، مشكلاً معهم ما يشبه التحالف الذي يرى في التفاوض مع واشنطن مخرجاً وحيداً من خناق العقوبات. وهو ما قالت عنه صحيفة "ابتكار" الإصلاحية عام 2021 إن "روحاني ولاريجاني يمكن وضعهما في خانة واحدة" بمواجهة المتشددين.

شبكة نفوذ عائلية... "الأغازاده"

تمثل عائلة لاريجاني نموذجاً لشبكات النفوذ العائلي في إيران، حيث لم تكن السلطة لديهم مجرد منصب فردي، بل تشبه توزيعاً للأدوار عبر مؤسسات الدولة كافة، وفق ما يقول مصدر إيراني. تنحدر العائلة من أصول دينية، فوالدهم آية الله ميرزا هاشم آملي كان مرجعاً كبيراً.

أدار علي لاريجاني خلال الأشهر التي سبقت مقتله ملفات عدة، فقد كُلف من قبل علي خامنئي بمهمة إدارة ملف الحرب عبر مسؤوليته السياسية لكافة الأجهزة الأمنية والعسكرية

وضَمِن الإخوة لاريجاني الوجود في مواقع عالية بالسلطات الثلاث، التشريعية والقضائية والتنفيذية، بالإضافة إلى المؤسسات الأكاديمية والدبلوماسية وحتى المالية. فكان علي لاريجاني العقل الأمني والسياسي، وشغل رئاسة البرلمان 12 عاماً، وأمانة مجلس الأمن القومي مرتين. أما شقيقه الأول صادق آملي فهو يمثل الثقل الديني والقانوني، وشغل رئاسة السلطة القضائية وهو حالياً رئيس "مجلس تشخيص مصلحة النظام". وشقيقه الثاني محمد جواد يوصف بأنه منظّر دبلوماسي ومدافع عن سجل النظام في حقوق الإنسان بالخارج، وشقيقه الثالث باقر بسط نفوذه داخل المؤسسات الحكومية من خلال موقعه في وزارة الصحة والمؤسسات الطبية والأكاديمية، أما الأخير فاضل، فهو المسؤول الاقتصادي في شبكة العائلة أو كما يسميه معارضون بـ"المدير المالي".

 رويترز
ايرانية تحمل صورة للمرشد مجتبى خامنئي ووالده علي خامنئي اثناء تأبين قادة عسكريين قنلوا في الضربات الجوية الاميركية والاسرائيلية في طهران في 11 مارس

وتعتمد قوة الأسرة على تعزيز المواقع السياسية من خلال تحالفات عائلية مع النخبة الدينية الحاكمة، زواج علي لاريجاني من ابنة المفكر الثوري مرتضى مطهري، صديق مؤسس الجمهورية روح الله الخميني، لم يكن مجرد رابط اجتماعي، بل كان تأشيرة دخول دائمة إلى بيت الخميني ودوائر القرار العليا، مما جعل للعائلة دورا منذ ثمانينات القرن الماضي.

السلطة بعد غياب خامنئي ولاريجاني

يضع اغتيال خامنئي ومن ثم الإعلان عن مقتل لاريجاني النظام أمام اختبار جديد ومختلف، فغياب المرشد الوازن بين القوى المتصارعة ومقتل "المدير البرغماتي" يترك الساحة مفتوحة لاحتمالات عدة تتراوح بين التشدد أو الانهيار أو التنازل الاضطراري. فتشدد "الحرس الثوري" سيزداد في ظل غياب القيادة المدنية والأمنية التقليدية، ساعيا لتثبيت سيطرته الكاملة. ما يعني أيضاً هروباً جديداً للنظام من أزماته الداخلية عبر تصعيد المواجهة الإقليمية.
ومن الممكن أن يدفع موت لاريجاني النظام إلى التنازل بما يشبه سيناريو فنزويلا، وحتى الآن هو مشروع الإصلاحيين لضمان الاستمرارية عبر تقديم تنازلات في الملف النووي والسياسة الإقليمية مقابل رفع العقوبات. هذا المسار يعتمد على قدرة الإصلاحيين على إقناع المؤسسة العسكرية بأن التنازل هو السبيل الوحيد لتفادي الانهيار، وهو مسار يمكن أن يحظى بدعم بيزشكيان وروحاني.
ولكن اغتيال القادة سيدفع إلى تفكك السلطة، ما يشجع الشارع المنهك من القمع والأزمات الاقتصادية على الخروج في انتفاضة تطيح بالبقية الباقية من النظام.

تأثيرات الحرب وموقع لاريجاني فيها

أدار علي لاريجاني خلال الأشهر التي سبقت مقتله ملفات عدة، فقد كُلف من قبل علي خامنئي بمهمة إدارة ملف الحرب عبر مسؤوليته السياسية لكافة الأجهزة الأمنية والعسكرية، وكذلك العمل مع بيزشكيان ووزير الخارجية على المناورة التفاوضية مع الخارج بينما كانت مصانع المسيرات والصواريخ الباليستية تعمل ليل نهار على إنتاج المعدات اللازمة للحرب، وكذلك متابعة الأذرع في لبنان والعراق واليمن، خصوصاً بعد الضربات التي تلقوها منذ حرب السابع من أكتوبر.

مقتل سكرتير المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني ليس مجرد غياب لشخص، بل هو سقوط آخر لمشروع الخمينية السياسية. وبغيابه، تبدو طهران وكأنها فقدت آخر عقولها المدبرة

أظهرت تصريحاته الأخيرة قبل مقتله حالة من الإحباط تجاه الدول الإسلامية التي وصفها بأنها "تخلت عن إيران في حربها ضد الشيطان الأكبر والأصغر". كان لاريجاني يحاول إعادة إحياء مفهوم "الوحدة الإسلامية" فيما قوات بلاده تقصف ثماني دول عربية وإسلامية في محيطها، هي السعودية والإمارات وقطر والبحرين والكويت وسلطنة عمان والعراق وتركيا.

 اف ب
ايرانيون يشاركون في تأبين قادة في "الحرس الثوري" قتلوا الايام الاولى من الهجوم الاميركي والاسرائيلي في طهران في 11 مارس

بالنسبة لعائلته، فهي تدخل مع إعلان مقتله، مرحلة جديدة أو انقلاباً ستكون نهايته الأفول السياسي، رغم بقاء شقيقه صادق في "مجلس تشخيص مصلحة النظام". كانت قوة العائلة تكمن في قدرة علي على الربط بين المؤسسات، وبغيابه، تصبح سيطرة الأسرة على مواقع كثيرة مكشوفة أمام خصومها الداخليين.
كما يفقد الرئيس بيزشكيان حليفه الذي كان يحميه من المتشددين، هذا الفراغ بمواجهة تغول "الحرس الثوري" قد يدفع الرئيس إما إلى الاستقالة أو التحول إلى رئيس صوري تماماً، بينما تتركز السلطة الحقيقية في يد "مجلس الدفاع" الجديد الذي يقوده جنرالات "الحرس الثوري" الذين لا يثقون في التوجهات الإصلاحية.
الاغتيال يمثل فشل شبكة الحماية، من الاختراق الاستخباري والتقني الإسرائيلي، ورد المنظومة سيكون بتشديد القمع، تشدد قد يكون "رقصة الموت" الأخيرة لنظام فقد توازنه. وبالتزامن يزداد خطر التصعيد العشوائي إقليمياً من قبل "الحرس الثوري" الذي بات يرى في الحرب الشاملة وسيلة لتأجيل السقوط الداخلي، ما يعني تحريك ملفات دولية وإقليمية كثيرة لا تزال هادئة بانتظار التطورات، مثل الخلايا النائمة والحوثيين في اليمن.
مقتل سكرتير المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني ليس مجرد غياب لشخص، بل هو سقوط آخر لمشروع الخمينية السياسية. وبغيابه، تبدو طهران وكأنها فقدت آخر عقولها المدبرة، لتواجه مصيرها بين الضربات الخارجية وإمكانية الانفجار الشعبي.

font change

مقالات ذات صلة