هل يشهد العالم انتشارا أكبر للأسلحة النووية بعد حرب إيران؟

ربما أسهمت الحرب الإيرانية في تغذية هذه النزعة ودفعها إلى الواجهة

أ.ب
أ.ب
سفينة في الأفق تعبر مضيق هرمز، قبالة السواحل الإيرانية 18 أبريل 2026

هل يشهد العالم انتشارا أكبر للأسلحة النووية بعد حرب إيران؟

من بين المبررات العديدة التي ساقها دونالد ترمب لحرب الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، منع طهران من تطوير سلاح نووي. ومع أن المحادثات التي ترعاها باكستان قد تفضي إلى موافقة الجمهورية الإسلامية على قيود معينة لبرنامجها النووي، فإن الالتزام الطويل الأمد بنزع السلاح النووي لا يزال يبدو بعيدا إلى حد ما. وفي المقابل، توصل قادة إيران إلى قناعة مفادها أن امتلاك سلاح نووي سيردع خصومها عن شن هجمات مقبلة، وهو ما دفعهم إلى السعي لامتلاك قنبلة نووية. وهذا أحد الأسباب التي حدت بالمدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل ماريانو غروسي، إلى القول لمجلة "الإيكونوميست" في منتصف أبريل/نيسان إنه يشعر بقلق بالغ إزاء تصاعد الانتشار النووي. ففي نهاية المطاف، إذا اندفعت إيران نحو امتلاك سلاح نووي، فقد يحذو جيرانها في الشرق الأوسط حذوها.

لكن طموحات إيران النووية المزعومة ليست إلا وجها من القصة. فقد أسهم سلوك ترمب خلال الصراع، في ضوء تصريحاته السابقة، في دفع كثير من حلفاء الولايات المتحدة حول العالم إلى التساؤل عما إذا كانت واشنطن ستبادر إلى حمايتهم إذا وقع هجوم نووي في المستقبل. وتخوض الحكومات الأوروبية وحكومات شرق آسيا، التي كان معظمها يعارض التسلح النووي بشدة، "مناقشات" جادة، وفق غروسي. ولكن للمفارقة، هل قادت تداعيات حرب استهدفت ظاهريا وقف انتشار السلاح النووي إلى رفع احتمالات انتشاره؟

حظر انتشار الأسلحة المتداعي

نظريا، تحظر معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية لعام 1970 انتشار السلاح النووي. وقد نصت المعاهدة على أن لا تسعى أي دولة إلى امتلاك أسلحة نووية، باستثناء الدول الخمس التي اعترفت بامتلاكها هذا السلاح رسميا آنذاك: الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي والصين والمملكة المتحدة وفرنسا، علما بأن إسرائيل امتلكت قنبلتها النووية من دون أن تعترف بذلك. ووقعت 191 دولة على المعاهدة، فيما بقيت الهند وإسرائيل وباكستان وجنوب السودان، وكذلك كوريا الشمالية اعتبارا من عام 2003، خارج هذا الإطار. والسؤال الذي يلفه الغموض اليوم هو: هل يصمد هذا الإجماع الدولي في مناخ عالمي آخذ في التغير؟

في المرحلة التي أعقبت الحرب الباردة مباشرة، حين هيمنت الولايات المتحدة على لحظة "القطبية الأحادية"، بلغت معاهدة منع الانتشار ذروتها. ففي تلك الفترة تخلت جمهوريات سوفياتية سابقة مثل بيلاروسيا وأوكرانيا وكازاخستان عن أسلحتها النووية وانضمت إلى المعاهدة، وسارت جنوب أفريقيا ما بعد الفصل العنصري على النهج نفسه. غير أن العقوبات المحدودة التي فرضت على باكستان، وهي دولة لم توقع على المعاهدة، عقب حصولها على برنامج نووي عام 1998، وكذلك إخفاق العقوبات في كبح طموحات كوريا الشمالية النووية عام 2006، كشفا بوضوح أنه حتى في زمن الهيمنة الأميركية العالمية، ظل منع الدول المصممة على امتلاك السلاح النووي مهمة شاقة.

واليوم، ومع مجتمع دولي أشد انقساما في عالم متعدد الأقطاب، تبدو هذه المهمة أكثر صعوبة. ولا شك في أن إيران تخضع لتدقيق مكثف، غير أن ذلك يعود في المقام الأول إلى طبيعة نظامها، الذي لم يثق به الفاعلون الغربيون المؤثرون وحلفاؤهم في الشرق الأوسط منذ ثورة 1979. ولو سعت دولة أقل إثارة للجدل، مثل تركيا أو كوريا الجنوبية، إلى امتلاك أسلحة نووية، فقد لا تصطدم بالجدار الموحد نفسه من الرفض، ولا سيما إذا جاء ذلك في أعقاب إيران.

أ.ب
مفاعل الطاقة النووية الثاني في محطة بوشهر، إيران في 10 نوفمبر 2019

في المرحلة التي أعقبت الحرب الباردة مباشرة، حين هيمنت الولايات المتحدة على لحظة "القطبية الأحادية"، بلغت معاهدة منع الانتشار ذروتها


الجهات المحتملة للانتشار النووي

ليس مفاجئا أن الدول التي يقال إنها تعيد النظر في موقفها من الأسلحة النووية تقع في أقاليم تنتشر فيها هذه الأسلحة فعلا. ففي الشرق الأوسط، دفعت الترسانة النووية الإسرائيلية واحتمال سعي إيران إلى امتلاك سلاح مماثل، الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى التصريح عام 2019 بأنه من غير المقبول أن لا يسمح لتركيا بامتلاكها. وفي فبراير/شباط الماضي، أضاف وزير الخارجية هاكان فيدان أن انضمام أنقرة إلى سباق التسلح النووي سيكون حتميا إذا امتلكت إيران أسلحة نووية. وعلى المنوال ذاته، ربط قادة المملكة العربية السعودية وضعهم النووي بوضع إيران. وقال ولي العهد الأمير محمد بن سلمان لقناة "فوكس نيوز" عام 2023: إذا امتلكت إيران سلاحا نوويا، فعلينا أن نمتلك واحدا.

وفي الوقت نفسه، أثارت تصريحات روسيا المتكررة عن استخدام الأسلحة النووية، في أعقاب غزو أوكرانيا عام 2022، قلقا متزايدا في الدول الأوروبية. وأبدت بولندا اهتماما ببرنامج تقاسم الأسلحة النووية التابع لحلف "الناتو"، فيما اقترح وزير الدفاع فلاديسلاف كوسينياك كاميش توسيع الأبحاث النووية. وحتى ألمانيا شهدت نقاشا سياسيا وفكريا آخذا في الاتساع حول مسألة التسلح النووي، وهو أمر كان يصعب تخيله في السابق.

وفي شرق آسيا، تبرز اليابان وكوريا الجنوبية بوصفهما المرشحتين الأبرز لامتلاك أسلحة نووية، إذ تمتلكان برامج طاقة نووية مدنية، وتواجهان الصين وكوريا الشمالية، وهما قوتان نوويتان. ويشير جوشوا كورلانتزيك، الزميل البارز لشؤون جنوب شرق آسيا وجنوب آسيا في مجلس العلاقات الخارجية، إلى أن استطلاعا للرأي أجري عام 2025 أظهر أن 76 في المئة من الكوريين الجنوبيين يؤيدون امتلاك قدرة محلية على صنع الأسلحة النووية. وقد طرح الرئيس السابق المعزول يون سوك يول هذا الاحتمال علنا عام 2023. وثمة ما يرجح أن تراجع اليابان موقفها أيضا. وبحسب كورلانتزيك، تركت رئيسة الوزراء تاكايتشي ساناي الباب مفتوحا أمام احتمال تخلي طوكيو عن التزامها بعدم الحصول على أسلحة نووية.

(أ.ف.ب)
بحارة أميركيون ينقلون ذخائر على متن حاملة الطائرات "أبراهام لينكولن" في بحر العرب، 27 فبراير 2026

 

وفي شرق آسيا، تبرز اليابان وكوريا الجنوبية بوصفهما المرشحتين الأبرز لامتلاك أسلحة نووية، إذ تمتلكان برامج طاقة نووية مدنية، وتواجهان الصين وكوريا الشمالية، وهما قوتان نوويتان


فقدان الثقة في أميركا

بالنسبة لكثير من حلفاء الولايات المتحدة، يكمن التحول الأعمق في تآكل الثقة بواشنطن. فقد شعرت كوريا الجنوبية واليابان، على سبيل المثال، بالقلق من تهور ترمب في إيران، وهو ما أضر باقتصادات شرق آسيا من دون تشاور مسبق معهما. بل إن ترمب نقل جزءا من منظومة اعتراض الصواريخ عالية الارتفاع التي وُعدت بها كوريا الجنوبية إلى الخليج خلال الصراع. وتخشى سيول وطوكيو انحسار المظلة النووية الأميركية التي اعتمدتا عليها طويلا، وقد تخلصان إلى أن امتلاك أسلحتهما النووية الخاصة بات ضرورة ملحة. وإذ قال ترمب إن الدعم العسكري الأميركي غير مضمون، بل اقترح عام 2016 أن تطور اليابان أسلحتها النووية الخاصة، فإن أي ابتعاد كبير عن حلفاء شرق آسيا سيكون مثيرا للجدل، لكنه لن يكون مفاجئا.

أما حلفاء واشنطن في الشرق الأوسط وأوروبا، فيساورهم قلق مماثل حيال مدى موثوقية الدعم العسكري الأميركي. فقد اقترح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في مارس/آذار أن تشكل الأسلحة النووية الفرنسية ركيزة لقوة ردع نووية أوروبية مستقلة. ومع تشكيك ترمب صراحة في قيمة حلف "الناتو" ومستقبله، في أعقاب التردد الأوروبي في دعمه خلال حرب إيران، قد تكتسب فكرة ردع أوروبي يقوم على أسلحة نووية فرنسية، وربما بريطانية، وربما ألمانية وبولندية في المستقبل، زخما متصاعدا. وعلى نحو مماثل في الشرق الأوسط، يتصل اهتمام تركيا والسعودية بالانتشار النووي جزئيا بخشيتهما أن تميل موازين القوى الإقليمية لمصلحة طهران إذا امتلكت السلاح النووي، لكنه يتصل أيضا بتزايد الشكوك في قدرة الولايات المتحدة على حمايتهما، وهي مخاوف تعمقت بفعل صعوبة التنبؤ بتصرفات ترمب خلال الحرب الإيرانية.

على الرغم من أن انتشار الأسلحة النووية ليس قدرا محتوما، فإن احتمال امتلاك إيران سلاحا نوويا، والتحول نحو عالم متعدد الأقطاب، وتراجع الثقة بالولايات المتحدة، عوامل جعلت السعي إلى هذا السلاح أكثر إغراء


على الرغم من أن انتشار الأسلحة النووية ليس قدرا محتوما، فإن احتمال امتلاك إيران سلاحا نوويا، والتحول نحو عالم متعدد الأقطاب، وتراجع الثقة بالولايات المتحدة، عوامل جعلت السعي إلى هذا السلاح أكثر إغراء. وقد أثار بعض المحللين جدلا حين ذهبوا إلى أن ذلك قد لا يكون بالضرورة تطورا سيئا. ففي عام 2012، قال الباحث في العلاقات الدولية جون ميرشايمر إن امتلاك إيران أسلحة نووية قد يسهم في تعزيز الاستقرار الإقليمي لأنه قد يردع الحروب المقبلة. ووصف الأسلحة النووية بأنها أسلحة سلام، مذكرا بأنه لو احتفظت أوكرانيا بأسلحتها في أوائل التسعينات، لكان من المستبعد أن تقدم روسيا على غزوها عام 2022.

في المقابل، تطرح حجة أخرى أن الأسلحة النووية تميل إلى تحصين الأنظمة الاستبدادية وترسيخ بقائها. وليس مصادفة أن أربعا من الدول الست التي وصفها جورج دبليو بوش وجون بولتون بأنها دول مارقة ضمن ما سمي "محور الشر"، وهي دول لم تمتلك قدرات نووية، مثل ليبيا والعراق وإيران وسوريا، شهدت صراعات كبرى أطاحت أنظمتها أو هددتها بعمق. في حين لم تشهد كوريا الشمالية، التي طورت أسلحة نووية، اضطرابات مماثلة بهذا الحجم. وهي دروس تستحضرها جيدا بعض الدول التي تفكر في التسلح النووي.

وسواء أسهمت هذه الأسلحة في فرض السلام، أو في تثبيت الأنظمة الحاكمة، أو في الأمرين معا، فإن جاذبيتها تتزايد في مناخ جيوسياسي شديد الخطورة، مثقل بالفوضى والاضطراب. وربما أسهمت الحرب الإيرانية في تغذية هذه النزعة ودفعها إلى الواجهة.

font change