تقود الإدارة الأميركية، بالتنسيق مع الأمم المتحدة، جهوداً دبلوماسية مكثفة في سباق مع الزمن لإنهاء النزاع المغاربي قبل نهاية العام الجاري. ويرتكز هذا المسار على تطبيق قرار مجلس الأمن الدولي 2797، الذي يُقرّ بمنح إقليم الصحراء حكماً ذاتياً تحت السيادة المغربية، مع تفكيك مخيمات تندوف وتمكين ساكنيها من العودة إلى بلادهم.
وتكشف مصادر أميركية مطلعة أن حلّ هذا النزاع الممتد لأكثر من نصف قرن بات يُصنَّف في واشنطن ضمن الأولويات الاستراتيجية، لا من باب المصالح المغاربية وحسب، بل لارتباطه المباشر بالأمن القومي الأميركي في ثلاث بيئات متشابكة: الشرق الأوسط، وأفريقيا، وجنوب البحر المتوسط. وتذهب هذه المصادر إلى أن استمرار النزاع يُهيئ بيئة خصبة لتمدد النفوذ الإيراني في المنطقة برمتها.
والأكثر دلالةً في هذا السياق، ما أشارت إليه المصادر ذاتها في حديثها مع "المجلة"، من تزامن لافت بين انطلاق مفاوضات الوفدين اللبناني والإسرائيلي برعاية الرئيس ترمب، وانعقاد جلسات مجلس الأمن الدولي المخصصة لملف الصحراء. وقد احتضن مجلس الأمن جلستين مغلقتين في الرابع والعشرين والثلاثين من أبريل/نيسان الماضي، تمحورتا حول إنهاء هذا النزاع وتفكيك المخيمات، ونزع سلاح "جبهة البوليساريو" التي تتهمها أطراف أميركية بتلقي تدريبات وأسلحة عبر قنوات مرتبطة بـ"حزب الله"، وإن كانت هذه الاتهامات لم تُثبَت بأدلة موثقة حتى الآن.
وعلى الرغم من تباين ملفي المشرق العربي وشمال أفريقيا في تفاصيلهما وسياقاتهما، فإنهما يتقاطعان في إطار مفهوم أمني استراتيجي جديد تُرسي واشنطن دعائمه بصورة متسارعة. ويقوم هذا المفهوم على مبدأ محوري واحد: حصر التعامل والتفاوض مع الدول والحكومات الشرعية، وإقصاء الفاعلين من غير الدول- سواء كانوا فصائل مسلحة ذات طابع ديني أم حركات تستند إلى شرعية سياسية مزعومة خارج الأطر المؤسسية المعترف بها دوليا- من معادلة التسويات الكبرى.
وفي هذا السياق، يُنظر إلى إيران بوصفها طرفا داعما لـ"حزب الله"، مما يعني- وفق هذه القراءة- أن الساحة اللبنانية باتت ورقةً في معادلة إقليمية أشمل، لا تخدم بالضرورة المصالح اللبنانية الخالصة.
أما في ما يخص ملف الصحراء الغربية، فقد تردّدت في بعض الأوساط التحليلية تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين طهران و"جبهة البوليساريو"، في ضوء توترات تاريخية معروفة بين إيران والمغرب، لا سيما ما يرتبط منها بمرحلة ما بعد الثورة الإيرانية.
وفي المحصلة، يبدو أن واشنطن تُؤثر التعامل مباشرةً مع الرباط والجزائر بوصفهما الطرفين الأصيلين في هذا النزاع الممتد، الذي تتشابك فيه إرهاصات الحرب الباردة مع حسابات النفوذ الإقليمي بين جارتين متنافستين. وهو مسار يعكس قناعةً أميركية بأن أي تسوية دائمة لا يمكن أن تمر إلا عبر الأطراف المعنية مباشرة، بعيدا عن أجندات القوى الخارجية أياً كانت.
وتدرك عواصم أوروبية أن "استقرار لبنان، وتسوية نزاع الصحراء المغربية، من شأنه إضعاف النفوذ الإيراني في مجموع الشرق الأوسط وشمال أفريقيا". وترى باريس أن تقوية الدولة الشرعية في لبنان وإطلاق مشاريع إعادة الإعمار، وعودة الدور الاقتصادي والسياسي والسياحي لبلاد الأرز لما كان عليه قبل 1983، يجعل الشرق الأوسط أكثر أمنا واستقرارا وازدهارا". وفي المغرب العربي يفتح تسوية ملف الصحراء الأمل في إعادة إحياء المشروع الاندماجي التاريخي لأجيال متعاقبة.

