هل يمكن دمج "وحدات حماية المرأة" الكردية في الجيش السوري؟

 اف ب
اف ب
أكراد سوريون مسلحون في القامشلي في 20 يناير

هل يمكن دمج "وحدات حماية المرأة" الكردية في الجيش السوري؟

تُعد وزارة الدفاع من أكثر الوزارات تعقيدا في سوريا، ليس فقط من حيث إدارتها، بل أيضا من حيث صعوبة إعادة تشكيلها من الصفر، خاصة عندما يتعلق الأمر بدمج فصائل مختلفة في توجهاتها وخلفياتها، سواء على المستوى الأيديولوجي أو البنيوي. وفي سياق ما بعد النزاع، لا تقتصر عملية إعادة بناء الدولة على إعادة تشغيل مؤسساتها، بل تمتد لتشمل إعادة النظر في طريقة عمل هذه المؤسسات وأدوارها.

في الحالة السورية تحديدا، تواجه وزارة الدفاع تحديات معقدة في ملف الدمج، إذ يتطلب التعامل مع عدد من القضايا الحساسة والمربكة. ومن أبرز هذه القضايا ملف دمج "وحدات حماية المرأة الكردية" (YPJ)، والذي يمكن اعتباره فرصة حقيقية لإعادة التفكير في شكل المؤسسة العسكرية، باتجاه نموذج أكثر واقعية وملاءمة للمرحلة القادمة.

أ ف ب
صورة وزعتها وكالة "سانا" للرئيس السوري احمد الشرع وقائد "قوات سوريا الديمقراطية" مظلوم عبدي اثناء توقيعهما على اتفاق اندماج "قسد" بمؤسسات الدولة السورية في 10 مارس 2025

كما أنه من المهم النظر إلى هذا الملف ليس فقط كإشكالية، بل كفرصة لإعادة تنظيم موارد موجودة بالفعل، والاستفادة من الخبرات التي تراكمت خلال سنوات النزاع، ضمن إطار وطني جامع.

اتفاقات بلا منظور جندري

شكّل الاتفاق الموقّع بين "قوات سوريا الديمقراطية" والحكومة السورية في 28 يناير/كانون الثاني 2026 خطوة مفصلية في مسار إعادة ترتيب المشهد العسكري في شمال وشرق سوريا، إذ نصّ على دمج قوات "قسد" على شكل أربعة ألوية ضمن هيكلية الجيش السوري، وتحديدا في إطار الفرقة 60، في محاولة لتوحيد البنية العسكرية تحت سلطة الدولة. ورغم أن هذا الاتفاق جاء بعد مفاوضات معقّدة وسعى إلى تقليص التوترات وفتح الباب أمام إعادة الاستقرار، إلا أن تنفيذه على الأرض واجه تحديات متعدّدة، أبرزها غياب المقاربة الجندرية في بنوده. فقد تجاهل الاتفاق بشكل واضح خصوصية "وحدات حماية المرأة" ودورها القتالي والتنظيمي، ما أدى إلى بروز خلافات حادة حول آلية دمجها.

في الحالة السورية، نحن أمام وضع مختلف عن معظم التجارب الدولية التي اعتمدت إدخال النساء تدريجيا إلى الجيش، إذ توجد قوة نسائية منظمة تمتلك خبرة قتالية وأمنية مسبقة

ففي حين تميل الحكومة السورية إلى استيعاب هذه الوحدات ضمن قوى الشرطة التابعة لوزارة الداخلية، بما يقلّص من طابعها العسكري، تصرّ "وحدات حماية المرأة" على الحفاظ على موقعها كقوة عسكرية مستقلة ضمن وزارة الدفاع، أسوة بباقي التشكيلات التي شملها الدمج. ويعكس هذا التباين إشكالية أعمق تتعلق بعدم إدماج منظور النوع الاجتماعي في الاتفاقات السياسية والعسكرية، الأمر الذي يهدد بتعقيد عملية التنفيذ وإعادة إنتاج أشكال من التهميش داخل البنى الأمنية الجديدة.
بحسب عدد من التجارب الدولية، فإن إدماج النساء في المؤسسات الأمنية والعسكرية لا يعتمد على نموذج أو قوالب قائمة وجاهزة، بل تتشكل عملية الدمج وفق احتياجات كل سياق.
في أفغانستان مثلا، كان وجود النساء داخل الأجهزة الأمنية محدودا، لكنه كان ضروريا للوصول إلى بيئات مغلقة واختفى هذا الدور بعد سيطرة طالبان تاركا فراغا كبيرا من الناحية الأمنية. في ليبيريا، ساهم إدماج النساء في إعادة بناء الثقة بين المجتمع والمؤسسة الأمنية بعد الحرب الشرسة. وفي النرويج، أصبح وجود النساء جزءا طبيعيا من بنية المؤسسة العسكرية الحديثة. وفي الولايات المتحدة فُتح المجال للنساء في العمل في كامل قطاعات الجيش بشكل تدريجي على مدار سنوات.
وإذا ما كان سبب رفض استيعاب النساء لأسباب دينية، فإن الكثير من الدول الإسلامية تضم نساء ضمن جيوشها. وفي تركيا، النساء يخدمن في الجيش منذ عقود ويمكنهن أن يصبحن ضابطات وقائدات. وفي باكستان، النساء موجودات في الجيش بشكل رسمي وتوجد طيارات مقاتلات. وإندونيسيا التي تُعتبر أكبر دولة إسلامية من حيث عدد السكان، تخدم النساء في جميع فروع الجيش تقريبا وهناك الكثير من الدول الإسلامية الأخرى والتي تؤكد أن هذا المسار ليس استثناء ثقافيا، بل نموذج قابل للتكيف مع بيئات مختلفة. 
وتشير التجارب العسكرية الحديثة إلى أن إدماج النساء، عندما يتم وفق معايير مهنية واضحة، لا يضعف الأداء العسكري، بل يمكن أن يعززه. 


الحالة السورية وخصوصيتها


في الحالة السورية، نحن أمام وضع مختلف عن معظم التجارب الدولية التي اعتمدت إدخال النساء تدريجيا إلى الجيش، إذ توجد قوة نسائية منظمة تمتلك خبرة قتالية وأمنية مسبقة، ما يحول النقاش إلى "كيف يتم الدمج؟"، وليس "هل يتم الدمج؟".
وإذا ما أخذنا البُعد الجندري بعين الاعتبار، نرى أنه عنصر مؤسسي مهم داخل وزارة الدفاع بالذات، ليس من زاوية التمثيل، بل كأداة لتحسين أداء الجيش. من جهة أخرى تشير الأدبيات الأكاديمية في الدراسات الأمنية إلى أن وجود النساء داخل القوات المسلحة يعزز فعالية العمليات، كما تُظهر هذه الدراسات أن الفرق المختلطة (رجال ونساء) تميل إلى اتخاذ قرارات أكثر توازنا في البيئات عالية التعقيد، وأن تنوع الخبرات داخل الوحدات العسكرية يزيد من قدرتها على التكيف مع أنماط الحرب الحديثة، التي تعتمد بشكل متزايد على التحليل، والتكنولوجيا، والعمل غير التقليدي.

تبرز البرغماتية التي أظهرتها الإدارة الجديدة في سوريا بقيادة الرئيس أحمد الشرع كعامل يمكن البناء عليه، إذ أبدت قدرة على إعادة النظر في ملفات إشكالية والتعامل معها بمرونة تستند إلى الواقع

إلى جانب ذلك، فإن التماهي مع المعايير الدولية، مثل قرار مجلس الأمن 1325، لا يحمل بعدا رمزيا فحسب، بل يشكّل مدخلا عمليا لتعزيز شرعية المؤسسة العسكرية وتحسين صورتها خارجيا، وهو عامل مهم في سياق تسعى فيه الدولة السورية إلى إعادة بناء علاقاتها الدولية واستقطاب الدعم. كما أن أي خطة لتعزيز الدفاع الشامل لوزارة الدفاع تحتاج وجود النساء ونهجا محايدا جندريا كمبدأ يقوي الأمن والسلام.
النقاش القائم غالبا ما يركّز على القبول أو الرفض، بينما من المفترض أن تتطرق النقاشات إلى الجوانب التقنية المرتبطة بالبنية التنظيمية، مثل سلاسل القيادة وتوزيع المهام وآليات الدمج القائم على وضوح الأدوار وبناء الثقة.  
المقاربة الأكثر واقعية لا تقوم على دمج سريع أو شكلي، بل على تصميم مسار تدريجي ومحكوم زمنيا لإدماج هذه الوحدات ضمن وزارة الدفاع، مع الحفاظ في المرحلة الأولى على تماسكها التنظيمي وقدراتها العملياتية، تجنبا لخلق فراغ أمني أو خسارة خبرات قائمة.
ينطلق هذا الطرح من حقيقة أن وحدات حماية المرأة ليست كيانا رمزيا، بل قوة عسكرية موجودة فعليا، يتراوح قوامها تقريبا بين 2800 و3000 مقاتلة مدربة، تمتلك خبرات عملية في مجالات باتت أساسية في الحروب الحديثة، مثل الاستطلاع، وتشغيل الطائرات دون طيار، وبعض جوانب الأمن السيبراني والعمل الاستخباراتي. وعليه، فإن التحدي لا يكمن في إدخال عنصر جديد إلى المؤسسة العسكرية، بل في كيفية إعادة تنظيم قوة قائمة ضمن إطار مؤسسي منضبط.
إن الإبقاء على هذه الوحدات في مناطق انتشارها خلال المرحلة الأولى يعتبر المنطق الأكثر واقعية، ليس فقط لتخفيف الكلفة الاقتصادية واللوجستية، بل أيضا لتفادي الاحتكاكات المحلية والحفاظ على مستوى من الاستقرار الأمني. لكن هذا الخيار يجب أن يكون مؤقتا ومشروطا، ومرفقا بخطة واضحة لتوحيد المعايير العسكرية، وأنظمة التدريب، وسلاسل القيادة خلال مراحل لاحقة.
في المقابل، لا يمكن تجاهل مسألة التباين الأيديولوجي، وهي ليست تفصيلا ثانويا. فالتعامل معها يتطلب مقاربة تدريجية أيضا، تبدأ بإعادة تأطير الانتماء العسكري على أساس عقيدة وطنية جامعة، مع فرض معايير مهنية واضحة للترقية والانضباط، بما يحدّ من تأثير الانقسامات الفكرية داخل المؤسسة.
نجاح هذا النموذج يبقى مشروطا بوجود إرادة سياسية، وآليات رقابة فعالة، وقدرة فعلية على فرض التسلسل القيادي. وفي حال تحقق ذلك، يمكن أن تتحول هذه الوحدات– ضمن تشكيل مثل الفرقة 60– إلى قوة نوعية داخل الجيش السوري، ليس فقط من حيث العدد، بل من حيث التخصص والخبرة، وهو ما يعكس تحولا تدريجيا من الاعتماد على الكم إلى التركيز على الكفاءة.

القيادة والقرار: نحو نموذج سوري خاص

في هذا السياق، تبرز البرغماتية التي أظهرتها الإدارة الجديدة في سوريا بقيادة الرئيس أحمد الشرع كعامل يمكن البناء عليه، إذ أبدت قدرة على إعادة النظر في ملفات إشكالية والتعامل معها بمرونة تستند إلى الواقع.

مقاتلات ومن "وحدات حماية المرأة" في القامشلي في 8 فبراير أ ف ب

ومن المتوقع أن يواجه هذا التوجه تحفظات داخل بعض دوائر وزارة الدفاع، إلا أن وجود دعم واضح من أعلى الهرم قد يحوّل هذا الرفض إلى "صمت مؤسسي"، يسمح بتمرير التغييرات تدريجيا. فمثل هذه التحولات تعتمد على قرار وإرادة سياسية واضحة تترافق مع إدارة متدرجة للتغيير.
ضمن هذا الإطار، تبرز فرصة أمام سوريا لتطوير نموذج خاص بها، يستند إلى واقعها وخبرتها خلال النزاع، ويجمع بين الخصوصية المحلية والمعايير الحديثة في إدارة المؤسسات العسكرية.

 
الدمج فرصة

في بيئات ما بعد النزاع، لا يكون التحدي في وجود قوى منظمة بحد ذاته، بل في كيفية تنظيمها ضمن إطار الدولة. ومن هنا، يبرز الدمج كمسار عملي يتيح تحويل هذه القوى إلى عنصر منضبط داخل بنية وطنية موحدة. إن إشراك النساء يشكل أهمية تتجاوز البعد العملياتي، ليشمل إعادة بناء الثقة. كما أن تجربة وجود النساء ضمن "قوات سوريا الديمقراطية" أظهرت بعدا إضافيا، حيث ساهمت هذه المشاركة في تقديم صورة أكثر توازنا وحداثة عن هذه القوات على المستوى الدولي، وعززت من قدرتها على بناء علاقات مع شركاء خارجيين، في سياق كانت فيه الصورة العامة للفواعل العسكرية في المنطقة مرتبطة غالبا بنماذج تقليدية مغلقة.
من المهم النظر إلى ملف "وحدات حماية المرأة" كفرصة لإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس أكثر توازنا، تستفيد من الخبرة القائمة وتعيد توجيهها ضمن مشروع وطني جامع.
وبناء على هذه المقاربة، يمكن تطوير نموذج عسكري أكثر مرونة، يعكس تنوع المجتمع السوري، ويشكل خطوة عملية نحو إعادة تعريف العلاقة بين الجيش والمجتمع على أسس أكثر شمولا وكفاءة، ليعزز قدرة الدولة على ترسيخ الاستقرار على المدى الطويل.

font change

مقالات ذات صلة