طهران بين تيارين... انقسام حقيقي أم تبادل أدوار؟

نظام يتفاوض ويحارب التفاوض في آن واحد

رويترز
رويترز
رجل يحمل علما عليه صورة زعيم الثورة الإسلامية الراحل روح الله الخميني، والمرشد الأعلى الراحل لإيران علي خامنئي، والمرشد الأعلى الجديد لإيران مجتبى خامنئي، خلال مسيرة في طهران، إيران، 29 أبريل 2026

طهران بين تيارين... انقسام حقيقي أم تبادل أدوار؟

تتردد في واشنطن، في الآونة الأخيرة، تكهنات تفيد بأن النظام في طهران، يعاني انقساماً حاداً، وربما انقساماً أعمق من أن يسمح له باتخاذ قرار دبلوماسي جاد في مواجهة إدارة ترمب. ويقوم السجال على وجود جناح يريد اتفاقاً مع الولايات المتحدة، وآخر يريد المواجهة، والنظام الحاكم باسم الإسلام عالق بينهما، لكنها سردية شديدة التبسيط.

تنقسم النخبة الحاكمة في إيران بالفعل، لكن ليس بالطريقة التي يتصورها كثير من المراقبين الخارجيين. فلا يوجد انقسام جوهري، حول ضرورة تخفيف الضغط إذا توافرت فرصة دبلوماسية موثوقة. ففي قطاعات واسعة من النظام، يبرز إدراك بأن الوضع الاقتصادي الإيراني هش إلى حد خطير، وأن العقوبات ضيقت كثيراً هامش المناورة أمام البلاد، وأن اتفاقاً مع واشنطن، إذا أمكن التوصل إليه من دون أن يبدو استسلاماً، سيكون مفيداً. أما الانقسام الحقيقي فأضيق نطاقاً، لكنه لا يقل أهمية: كم ينبغي التنازل؟ وبأي سرعة ينبغي التحرك؟ وكيف يمكن منع أي تفاوض مع الولايات المتحدة من الظهور كأنه تراجع؟

هنا يبرز تأثير المتشددين. فهم ليسوا الأغلبية، ولا يقتربون منها، وربما لا يصل تأييدهم في المجتمع إلى 10 في المئة من الشعب الإيراني. إنهم لا يتحدثون باسم المجتمع الإيراني، ولا حتى باسم التيار المتشدد نفسه. لكنهم صاخبون ومنظمون، ويحتلون داخل النظام مكانا يتيح لهم إبطاء أي انفتاح دبلوماسي، أو إحراجه، أو تعقيده.

في قلب هذا التيار يقف سعيد جليلي، المفاوض النووي السابق الذي بنى هويته السياسية على مقاومة أي تسوية مع الغرب. وحوله تلتف "جبهة بايداري" ومجموعة من الشخصيات المتشددة، التي أصبحت أسماء مألوفة في سجالات التفاوض والضبط الاجتماعي والانضباط الأيديولوجي، من بينها محمود نبويان، ومرتضى آقاتهراني، وحميد رسائي. وكان رفضهم الأخير توقيع بيان برلماني يدعم فريق التفاوض الذي يقوده محمد باقر قاليباف بالغ الدلالة. فبينما أيد 261 نائبا البيان، امتنعت مجموعة صغيرة لكنها صاخبة من النواب المحسوبين على جليلي و"تيار بايداري" عن تأييده، ما كشف استمرار المقاومة داخل النظام.

المتشددون ليسوا الأغلبية، ولا يقتربون منها، وربما لا يصل تأييدهم في المجتمع إلى 10 في المئة من الشعب الإيراني. لكنهم صاخبون ومنظمون، ويحتلون داخل النظام مكانا يتيح لهم إبطاء أي انفتاح دبلوماسي

لم تكن تلك الإشارة مجرد مسرح برلماني، بل اختزلت أسلوب هذا الفصيل. فهذا المعسكر لا يستمد قوته من حيازته أغلبية الأصوات، ولكن من الشبكات الأيديولوجية، والمنابر الإعلامية، والصلات بجماعات ضغط عنيفة تتحرك في الشارع، والقدرة على اتهام الخصوم بالضعف، أو الخيانة، أو الانحراف عن الخط الثوري. وهو لا يحتاج إلى أن يحكم بكفاءة، إذ يكفيه أن يرفع كلفة التسوية.

يصعب تجاهل التاريخ الأعمق لهذا السلوك. فمنذ عام 1979، غالبا ما صوّر أصحاب النزعة الثورية القصوى المحادثات مع القوى الغربية بوصفها أمرا ملتبساً أخلاقيا. ولا يُنظر إلى التفاوض كأداة من أدوات إدارة الدولة وحدها، بل يُقدَّم في خطابهم اختبارا للولاء. أما الذين يتفاوضون فيصبحون عرضة لاتهامات ببيع الثورة، وتجاهل دماء الشهداء، ووضع الثقة في عدو يُفترض أنه معادٍ بطبيعته. وقد شوّهت هذه العادة الدبلوماسية الإيرانية مراراً. تُترك الأزمات كي تتصاعد، وحين تتحرك الدولة أخيراً نحو المحادثات، يعود المفاوضون إلى الداخل مكشوفين أمام اتهامات بأنهم تجاوزوا خطاً أيديولوجياً أحمر.

أ.ف.ب
رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، يرتدي زي "الحرس الثوري"، وهو يترأس جلسة في طهران في الأول من فبراير 2026

ولهذا تكتسب الهجمات الحالية على قاليباف أهميتها. فقاليباف ليس إصلاحيا، إنه قائد سابق في "الحرس الثوري"، وقطب متشدد في بنية السلطة، ورجل من صميم النظام. ومع ذلك، لا تمنحه هذه السيرة حصانة من تهمة الخيانة حين يجلس في مواجهة الأميركيين. وهذا يكشف أمراً أساسيا: بالنسبة إلى المتشددين، ليست المسألة ما إذا كان المفاوض ثوريا بما يكفي، وإنما ما إذا كانت الدبلوماسية نفسها تهدد أهميتهم السياسية.

بالنسبة إلى المتشددين، ليست المسألة ما إذا كان المفاوض ثورياً بما يكفي، وإنما ما إذا كانت الدبلوماسية نفسها تهدد أهميتهم السياسية

وتجسد مسيرة جليلي هذا التوتر. فقد قدّم نفسه طويلا حارسا لمسار ثوري أكثر نقاء. وخلال سنواته مفاوضا نوويا، اتهمه منتقدوه بتحويل الدبلوماسية إلى مواعظ، وبتفضيل المطالب القصوى على المساومة العملية. ولاحقاً، بعد خسارته انتخابات الرئاسة عام 2013، أنشأ ما سماه "حكومة الظل" ونظريا، كان الهدف منها مراقبة السياسات وتقديم بدائل. أما عمليا، كما يقول منتقدوه، فقد تحولت إلى آلة دائمة للتعطيل.

وقد ظهر هذا النمط مجددا في المعارك حول الاتفاق النووي، ومحاولات إحيائه، والجدل بشأن التزام إيران بقواعد "مجموعة العمل المالي" (FATF)، وملفات أخرى تمس علاقاتها بالعالم الخارجي. فقد عارض جليلي وحلفاؤه الاتفاق النووي لعام 2015، وهاجموا مساعي إحيائه، وحذروا من إجراءات الشفافية المالية، وتعاملوا مع أشكال كثيرة من الانخراط الخارجي كأنها أفخاخ. وكانت لغتهم دائماً أكبر من القضية المطروحة. فالتفاوض لا يبقى تفاوضاً، بل يتحول إلى إذعان، والتنازل يصير استسلاماً، والانفتاح الدبلوماسي يغدو مؤامرة من أعداء الخارج لإضعاف النظام.

غير أن المفارقة تكمن في أن القاعدة الشعبية لهذا الفصيل محدودة للغاية. فقد خاض جليلي سباقات السلطة مراراً، ولم يحصل قط على تفويض جدي. وبدت تجمعاته في كثير من الأحيان ضيقة وأيديولوجية أكثر منها وطنية. فدعمه يأتي من أقلية ملتزمة، لا من حركة جماهيرية واسعة. وتستمد "جبهة بايداري" قوتها لا من تمثيلها للرأي العام الإيراني، وإنما من عملها داخل شرايين الدولة. إنها فصيل شبكي، لا تيار شعبي.

رويترز
أعضاء البرلمان الإيراني يهتفون تأييدا للحرس الثوري الإيراني وهم يرتدون الزي العسكري في طهران، إيران، 1 فبراير 2026

حتى داخل السياسة المتشددة نفسها، غالباً ما نُظر إلى هذا التيار على أنه صعب ومربك. وقد أظهرت سنوات إبراهيم رئيسي ذلك بوضوح. فقد كان إبراهيم رئيسي رئيساً متشددا هو الآخر، لكن حكومته نفسها اصطدمت بنزعة "جليلي-بايداري". وحين بدت مفاوضات إحياء الاتفاق النووي ممكنة، دفع هؤلاء في الاتجاه المعاكس. انتقدوا فريق التفاوض، وحذروا من تقديم التنازلات، وساهموا في جعل التسوية مكلفة سياسيا. وبعبارة أخرى، وجدت حتى إدارة متشددة أن التعامل معهم عسير.

وتظهر الدينامية نفسها اليوم في الجدل الدائر حول قاليباف. فهو يمثل نمطاً مختلفاً من برغماتية النظام. ليس ليبراليا، ولا معتدلا بالمعنى الغربي، ولا يسعى إلى مصالحة مع الولايات المتحدة بوصفها تحوّلا استراتيجيا. لكنه يفهم المؤسسات والمصالح والضغوط. ويبدو أنه يدرك أن إيران لا تستطيع أن تعيش إلى ما لا نهاية على الشعارات وحدها. وإذا كان في وسع المحادثات الدبلوماسية أن تخفف الضغط من دون كسر الإطار الأيديولوجي للنظام، فهو مستعد لاختبارها.

وهنا تحديدا يكمن الخطر بالنسبة إلى جليلي و"بايداري". فسياستهما تقوم على إبقاء التسوية ملوثة أخلاقيا. فإذا استطاع قاليباف، وهو قائد سابق في "الحرس الثوري" وثقل وازن في المعسكر المتشدد، أن يتفاوض وأن يبقى في الوقت نفسه داخل الحظيرة الثورية، فإن احتكارهما للأصالة الثورية يتصدع. لذلك فإن غضبهما لا يتعلق بأميركا وحدها، بل بالمكانة داخل النظام.

قاليباف يمثل نمطاً مختلفاً من برغماتية النظام. ليس ليبرالياً، وليس معتدلاً بالمعنى الغربي، ولا يسعى إلى مصالحة مع الولايات المتحدة بوصفها تحوّلا استراتيجيا. لكنه يفهم المؤسسات، والمصالح، والضغوط. ويبدو أنه يدرك أن إيران لا تستطيع أن تعيش إلى ما لا نهاية على الشعارات وحدها

ومن العلامات الكاشفة في اللحظة الراهنة أن انتقاد هذا الفصيل لم يعد يأتي من الإصلاحيين أو الوسطيين وحدهم. فحتى بعض أوساط الإعلام المتشدد والقريب من الأجهزة الأمنية بدأت تتعامل مع أسلوب جليلي-"بايداري" باعتباره مشكلة. ومن هنا تكتسب المواجهة الأخيرة بين وكالة "تسنيم"، المرتبطة بـ"الحرس الثوري"، وموقع "رجا نيوز" أهميتها. فقد هاجم "رجا نيوز"، القريب من بيئة "بايداري"، الداعمين للمحادثات والوحدة الوطنية. وردت "تسنيم" باتهام هذا السلوك بصناعة الانقسام، بل بخدمة مشروع العدو. كانت اللغة قاسية، لكن المعنى كان واضحاً: أجزاء من المؤسسة الأمنية باتت ترى في التحريض فائق التشدد تهديدا للتماسك الداخلي، لا يقظة ثورية.

ولهذا دلالته، لأن النظام منشغل اليوم إلى حد الهوس بالوحدة. فالخطاب الرسمي يمتلئ بالدعوات إلى التضامن الوطني، ومقاومة الحرب النفسية، ومنع التشققات الداخلية في ظل الضغط الخارجي. يحمل كثير من هذا الخطاب طابعا دعائيا، لكنه يعكس أيضاً قلقا حقيقيا. فطهران تعرف أن الحرب والعقوبات والألم الاقتصادي والإنهاك الاجتماعي جعلت الساحة الداخلية أكثر هشاشة. وفي هذا السياق، يمكن لفصيل لا يكف عن وسم خصومه بالخيانة أن يتحول إلى عبء.

هذا لا يعني أن سعيد جليلي وحلفاءه فقدوا أهميتهم، فما زالت لديهم أدواتهم. يستطيعون استخدام البرلمان، وتوظيف وسائل إعلام صديقة، بما في ذلك نفوذهم داخل هيئة البث الرسمية، حيث يشغل أشخاص مثل شقيقه وحيد جليلي مواقع رفيعة، ويساهمون في تشكيل النبرة الأيديولوجية للتغطية. ويستطيعون تعبئة أنصار أيديولوجيين، والضغط على رجال دين، ومجموعات طلابية إسلامية، ومنظمات تُسمى ثورية. كما يستطيعون جعل أي اتفاق يبدو محفوفاً بالخطر السياسي. ويمكنهم أيضا مخاطبة غريزة ثورية عميقة داخل النظام، هي الخوف من أن يفتح التفاهم مع أميركا الباب أمام تنازلات أوسع.

النفوذ لا يعني السيطرة

يستطيع المتشددون أن يعطلوا وأن يؤخروا وأن يسمموا الأجواء، أما ما لا يستطيعون فعله بسهولة فهو وقف مسار دبلوماسي يحظى بدعم قلب الدولة، ولا سيما إذا خلصت القيادة إلى أن المحادثات ضرورية للبقاء. وتجدر الإشارة إلى أن "المرشد الأعلى" مجتبى خامنئي يبدو منسجما مع المسار الدبلوماسي الحالي مع واشنطن، أو متساهلا معه في الحد الأدنى، وهي إشارة مهمة، في نظام يمكن فيه حتى للقبول السلبي في القمة أن يكون حاسما.

رويترز
البرلمان الإيراني خلال حفل افتتاح الدورة الثانية عشرة في طهران، إيران، 27 مايو 2024

هذه هي النقطة الأساسية التي ينبغي لواشنطن أن تفهمها. إيران ليست دولة طبيعية، لكنها ليست فاقدة للتماسك. تتصارع فصائلها بضراوة، لكنها تفعل ذلك غالبا داخل التزام مشترك ببقاء النظام. حين يعتقد النظام أن المقاومة تخدم بقاءه، فإنه يقاوم. وحين يعتقد أن المحادثات تخدم بقاءه، فإنه يتحدث. الخلاف يدور حول الثمن وطريقة الإخراج، لا حول الغريزة الأساسية المتمثلة في الحفاظ على النظام.

يرفع فصيل "جليلي-بايداري" صوته لأنه يحتاج إلى ذلك. فهو يفتقر إلى شرعية شعبية واسعة، فيعوضها باليقين الأيديولوجي. ويفتقر إلى سجل ناجح في الحكم، فيقدم التعطيل على أنه نقاء. ولأنه عاجز عن ادعاء تأييد الأغلبية على نحو مقنع، فإنه يدعي بدلاً من ذلك تمثيل الثورة، وبذلك يمنح نفسه سلطة تعريف "الثورة" وفق شروطه الخاصة.

في الوقت الراهن، لا يكفي ذلك لإخراج الدبلوماسية عن مسارها. فما دامت طهران ترى إمكانية ما لإحراز تقدم مع واشنطن، سيظل المعرقلون معرقلين لا صناع قرار. يستطيعون جعل الطريق أكثر وعورة. ويستطيعون دفع المفاوضين إلى التحدث بلغة ثورية. ويستطيعون المطالبة بضمانات وخطوط حمراء وانتصارات رمزية. لكنهم لا يستطيعون إغلاق الباب، إذا كان بقية النظام ما زال يريد إبقاءه مفتوحاً.

النظام منقسم لكنه لا يزال يعمل. والمتشددون المتطرفون يمتلكون نفوذاً واسعاً، غير أنهم لا يسيطرون على القرار. والصورة الحقيقية في طهران ليست صورة دولة عاجزة عن الحكم، بل هي صورة نظام يسعى إلى التفاوض، في الوقت الذي يحتضن فصيلاً يقوم بقاؤه السياسي على تصوير أي تفاوض، باعتباره تفريطاً في الثوابت.

font change

مقالات ذات صلة