لم يكن متوقعا أن تنتهي الجولة الثانية من المحادثات، التي توسطت فيها باكستان بين الولايات المتحدة وإيران، بمصافحة درامية أو بيان مفاجئ يعلن السلام في وقت متأخر من الليل. وعندما بدأت الوفود بالوصول إلى إسلام آباد مجددا أواخر أبريل/نيسان، كانت التوقعات قد انخفضت فعليا، نتيجة أسابيع من الحرب، والصدمة الاقتصادية، والإدراك التدريجي بأن الخلافات الجوهرية في الصراع متجذرة بعمق، ولا يمكن حلها خلال بضعة أيام. لكن ما حدث بدلا من ذلك كان أكثر هدوءا وغموضا، من دون أن يقل أهمية، إذ كشفت الجولة الدبلوماسية حدود الاستعجال والإلحاح المتواصل الذي تفرضه الضرورة.
عندما وصل وزير الخارجية الإيراني إلى العاصمة الباكستانية في 25 أبريل/نيسان، كانت المدينة مهيأة لخيبة الأمل، فقد قرأ المسؤولون الإشارات. كان جدول الأعمال مزدحما، وشمل القيود النووية وتخفيف العقوبات وحق المرور البحري عبر مضيق هرمز، والإفراج عن مليارات الدولارات من الأموال الإيرانية المجمدة. تاريخيا، استغرقت كل قضية من هذه القضايا، على حدة، شهورا أو سنوات من المفاوضات المضنية. وعند جمعها معا، تشكلت عقدة لم تستطع حتى أكثر الوساطات تصميما فك تشابكها، أو الاقتراب من حلها بسرعة.
ومع ذلك، ساد شعور خفي لكنه واضح، ولم يترك مجالا للشك بأن شيئا ما تغير. فوجود وفد إيراني رفيع المستوى في إسلام آباد لم يفسر بوصفه إجراء دبلوماسيا روتينيا فحسب، بل عده كثيرون بادرة استراتيجية، أوحت بأن طهران، على الرغم من خطابها المتشدد وموقفها في ساحة المعركة، لا تزال مستعدة للانخراط في الحوار. وبالنسبة إلى الوسطاء، كان هذا وحده تقدما ملحوظا.
عكس جدول أعمال الوزير الإيراني في إسلام آباد خطورة اللحظة. وكان أول لقاء رئيس له مع القيادة العسكرية الباكستانية، حيث أفادت التقارير بأن المناقشات تجاوزت آليات وقف إطلاق النار الفوري، لتشمل مسارات استراتيجية أوسع. ووفقا لمصادر مطلعة على اللقاء، وضع الجانب الإيراني خارطة طريق مفصلة تربط إعادة فتح مضيق هرمز بخفض تدريجي للتصعيد، وإعادة ضبط المفاوضات مع واشنطن.
ينطوي هذا الترتيب على أهمية بالغة. فبدلا من معالجة القضية النووية أولا، كما تصر الولايات المتحدة دائما، بدا أن الاقتراح الإيراني يمنح الأولوية لاستقرار شريان الاقتصاد في المنطقة. فمضيق هرمز، الذي يمر عبره جزء كبير من إمدادات الطاقة العالمية، أصبح نقطة اختناق وورقة مساومة في آن واحد. وأدى إغلاقه إلى إحداث موجات صدمة في الأسواق العالمية، فارتفعت أسعار الوقود وتفاقم انعدام الأمن الغذائي في المناطق الهشة. وقد توفر إعادة فتح هذا المضيق الحيوي، ولو جزئيا، انفراجة فورية، مع إتاحة مزيد من الوقت لإجراء مفاوضات أكثر تعقيدا.


