محادثات إسلام آباد… الهدوء الدبلوماسي ليس فشلا، لكنه ليس تقدما

لا اتفاق ولا انهيار

أ.ف.ب
أ.ف.ب
أفراد الأمن عند نقطة تفتيش أمنية على طريق مغلق مؤقتًا بالقرب من فندق سيرينا المخصص لمحادثات السلام المرتقبة بين الولايات المتحدة وإيران في المنطقة الحمراء بإسلام آباد، في 20 أبريل 2026

محادثات إسلام آباد… الهدوء الدبلوماسي ليس فشلا، لكنه ليس تقدما

لم يكن متوقعا أن تنتهي الجولة الثانية من المحادثات، التي توسطت فيها باكستان بين الولايات المتحدة وإيران، بمصافحة درامية أو بيان مفاجئ يعلن السلام في وقت متأخر من الليل. وعندما بدأت الوفود بالوصول إلى إسلام آباد مجددا أواخر أبريل/نيسان، كانت التوقعات قد انخفضت فعليا، نتيجة أسابيع من الحرب، والصدمة الاقتصادية، والإدراك التدريجي بأن الخلافات الجوهرية في الصراع متجذرة بعمق، ولا يمكن حلها خلال بضعة أيام. لكن ما حدث بدلا من ذلك كان أكثر هدوءا وغموضا، من دون أن يقل أهمية، إذ كشفت الجولة الدبلوماسية حدود الاستعجال والإلحاح المتواصل الذي تفرضه الضرورة.

عندما وصل وزير الخارجية الإيراني إلى العاصمة الباكستانية في 25 أبريل/نيسان، كانت المدينة مهيأة لخيبة الأمل، فقد قرأ المسؤولون الإشارات. كان جدول الأعمال مزدحما، وشمل القيود النووية وتخفيف العقوبات وحق المرور البحري عبر مضيق هرمز، والإفراج عن مليارات الدولارات من الأموال الإيرانية المجمدة. تاريخيا، استغرقت كل قضية من هذه القضايا، على حدة، شهورا أو سنوات من المفاوضات المضنية. وعند جمعها معا، تشكلت عقدة لم تستطع حتى أكثر الوساطات تصميما فك تشابكها، أو الاقتراب من حلها بسرعة.

ومع ذلك، ساد شعور خفي لكنه واضح، ولم يترك مجالا للشك بأن شيئا ما تغير. فوجود وفد إيراني رفيع المستوى في إسلام آباد لم يفسر بوصفه إجراء دبلوماسيا روتينيا فحسب، بل عده كثيرون بادرة استراتيجية، أوحت بأن طهران، على الرغم من خطابها المتشدد وموقفها في ساحة المعركة، لا تزال مستعدة للانخراط في الحوار. وبالنسبة إلى الوسطاء، كان هذا وحده تقدما ملحوظا.

عكس جدول أعمال الوزير الإيراني في إسلام آباد خطورة اللحظة. وكان أول لقاء رئيس له مع القيادة العسكرية الباكستانية، حيث أفادت التقارير بأن المناقشات تجاوزت آليات وقف إطلاق النار الفوري، لتشمل مسارات استراتيجية أوسع. ووفقا لمصادر مطلعة على اللقاء، وضع الجانب الإيراني خارطة طريق مفصلة تربط إعادة فتح مضيق هرمز بخفض تدريجي للتصعيد، وإعادة ضبط المفاوضات مع واشنطن.

ينطوي هذا الترتيب على أهمية بالغة. فبدلا من معالجة القضية النووية أولا، كما تصر الولايات المتحدة دائما، بدا أن الاقتراح الإيراني يمنح الأولوية لاستقرار شريان الاقتصاد في المنطقة. فمضيق هرمز، الذي يمر عبره جزء كبير من إمدادات الطاقة العالمية، أصبح نقطة اختناق وورقة مساومة في آن واحد. وأدى إغلاقه إلى إحداث موجات صدمة في الأسواق العالمية، فارتفعت أسعار الوقود وتفاقم انعدام الأمن الغذائي في المناطق الهشة. وقد توفر إعادة فتح هذا المضيق الحيوي، ولو جزئيا، انفراجة فورية، مع إتاحة مزيد من الوقت لإجراء مفاوضات أكثر تعقيدا.

ساد شعور خفي لكنه واضح، ولم يترك مجالا للشك بأن شيئا ما تغير. فوجود وفد إيراني رفيع المستوى في إسلام آباد لم يفسر بوصفه إجراء دبلوماسيا روتينيا فحسب، بل عده كثيرون بادرة استراتيجية

إلا أن غياب الوفد الأميركي ألقى بظلال قاتمة على مجريات الأحداث. فقد ألغيت فجأة خطط للقاء مباشر في إسلام آباد، وهو قرار اتخذ في اللحظات الأخيرة. وأشار التفسير الرسمي إلى اعتبارات لوجستية وشكوك حول جدوى المحادثات المباشرة في ظل الظروف الراهنة. ومع ذلك كان من الصعب تجاهل الرسالة الضمنية، إذ رأت واشنطن أن الاستمرار في المناقشات من دون إشارات أكثر وضوحا من طهران أمر لا طائل منه.

ولم يؤد الإلغاء إلى وقف التواصل تماما، إذ استمر تبادل الرسائل عبر الوسطاء، مع نقل المقترحات والمقترحات المقابلة كتابيا. واقترحت إحدى هذه المبادرات، التي قيل إنها نقلت عبر باكستان، تأجيل المفاوضات النووية إلى ما بعد التوصل إلى وقف إطلاق نار طويل الأمد وإعادة فتح الطرق البحرية. كان هذا نهجا برغماتيا، لكنه يتعارض مع أولويات من ينظرون إلى القضية النووية بوصفها الركيزة الأساسية لأي اتفاق.

رويترز
نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس يتحدث في مؤتمر صحفي عقب اجتماعه مع ممثلين من باكستان وإيران، بينما يستمع كل من جاريد كوشنر وستيف ويتكوف، في إسلام آباد، الأحد 12 أبريل 2026

وخلف الكواليس، كان واقع أكثر تعقيدا آخذا بالتشكل. ففي داخل إيران، بدا أنه لا يوجد موقف موحد بشأن كيفية الاستجابة للمطالب الأميركية. حيث فضلت بعض الأطراف التوصل إلى تسوية مدروسة، في حين أصرت أطراف أخرى على مقاومة الضغوط إلى أن تقدم تنازلات ملموسة. وقد زاد هذا الاختلاف الداخلي تعقيد عملية الوساطة، فلم يترك الأطراف الخارجية أمام مهمة التعامل مع نزاع ثنائي فحسب، بل مع مشهد سياسي متعدد الأوجه.

أما بالنسبة إلى الولايات المتحدة، فلم تكن الحسابات أقل تعقيدا. فقد اعتبر الحفاظ على الضغط الاقتصادي، وتحديدا عبر القيود التي تؤثر في صادرات النفط الإيرانية، وسيلة للإبقاء على النفوذ. وفي الوقت نفسه، كان هناك اعتراف بأن الاضطراب الذي طال أمده في مضيق هرمز يحمل عواقب عالمية، وسيؤثر أيضا في أسواقها المحلية. وقد تجلى التوتر بين هذين الهدفين في الإشارات الحذرة، والمتناقضة أحيانا، الصادرة من واشنطن.

بالنسبة إلى الولايات المتحدة، لم تكن الحسابات أقل تعقيدا. فقد اعتبر الحفاظ على الضغط الاقتصادي، وتحديدا عبر القيود التي تؤثر في صادرات النفط الإيرانية، وسيلة للإبقاء على النفوذ

وفي إسلام آباد، وجد الوسطاء أنفسهم يوازنون بين هذه الضرورات المتضاربة. لم يكن دورهم فرض حلول، بل إبقاء العملية حية، وضمان أن لا ينهار الحوار، حتى وإن ظل غير مباشر. وتطلب إنجاز هذه المهمة مزيجا دقيقا من المثابرة وضبط النفس. فالضغط المفرط قد يدفع أحد الأطراف إلى الانسحاب، بينما قد يؤدي تراخي الضغط إلى انزلاق المحادثات نحو حالة من عدم الجدوى.

وأكدت تحركات الوزير الإيراني اللاحقة البعد الإقليمي للجهود المبذولة. فبعد المناقشات الأولية في إسلام آباد، سافر لفترة وجيزة إلى عمان، الدولة ذات الباع الطويل في تيسير الحوار، قبل أن يعود إلى باكستان لإجراء مزيد من المشاورات. ومن هناك، واصل رحلته إلى روسيا، ضمن جولة دبلوماسية أوسع تهدف إلى تعزيز الدعم واستكشاف مسارات بديلة.

أ.ف.ب
رئيس أركان الجيش الباكستاني، المشير سيد عاصم منير خلال لقائه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي لدى وصوله إلى إسلام آباد، في 25 أبريل 2026

وخلال هذه المشاورات، بقي موضوع واحد ثابتا، وهو الإقرار بأن الأزمة لا يمكن حلها بمعزل عن العوامل المؤثرة والأطراف المختلفة. وقد تطلب مضيق هرمز، على وجه الخصوص، تنسيقا بين جهات فاعلة متعددة. فضمان المرور الآمن عبر هذا الممر المائي لم يكن قضية تخص طرفي النزاع فحسب، بل شأن عالمي يؤثر في أسواق الطاقة وطرق التجارة والاستقرار الاقتصادي، ويتجاوز تأثيره حدود المنطقة.

وشدد الجانب الإيراني، في تصريحات علنية، على التقدم والإحباط في آن واحد. وقال المسؤولون إن المحادثات شهدت "مشاورات مثمرة"، لكنهم أشاروا أيضا إلى وجود "مقاربات خاطئة ومطالب مبالغا بها" أعاقت تحقيق انفراج في الأزمة. وكانت اللغة المستخدمة متزنة، بما يعكس الوعي بأن الدبلوماسية غالبا ما تتقدم عبر مكاسب تدريجية، لا عبر انتصارات ساحقة.

خلال هذه المشاورات، بقي موضوع واحد ثابتا، وهو الإقرار بأن الأزمة لا يمكن حلها بمعزل عن العوامل المؤثرة والأطراف المختلفة. وقد تطلب مضيق هرمز، على وجه الخصوص، تنسيقا بين جهات فاعلة متعددة

وبالنسبة إلى باكستان، مثلت المحادثات فرصة واختبارا في آن واحد. فالتوسط في نزاع بهذه المخاطر العالية لا يتطلب مهارة دبلوماسية فحسب، بل مصداقية استراتيجية أيضا. وقد عدت قدرة البلاد على استضافة جولات متعددة من المناقشات، والحفاظ على قنوات الاتصال، والتفاعل مع مختلف الأطراف المعنية، دليلا على دورها المتنامي في الدبلوماسية الإقليمية.

وفي الوقت نفسه، كان لا بد من إدارة التوقعات. ويقدم تاريخ المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران منظورا واقعيا. فالاتفاق الذي توصل إليه البلدان عام 2015، والذي يستشهد به كثيرا بوصفه معيارا مرجعيا، كان ثمرة جهد متواصل استمر قرابة عامين. ولم يقتصر على المفاوضات الفنية، بل شمل أيضا بناء تدريجيا للثقة، وهو أمر لا يمكن تكراره على حين غرة، ولا سيما في أعقاب صراع قائم.

رويترز
تشكيل من سفن مكافحة الألغام من فئة أفنجر تُجري مناورة في بحر العرب، في 6 يوليو 2019

ويمكن القول إن الوضع الراهن أكثر تعقيدا. فالقضايا المطروحة تمتد إلى ما هو أبعد من المعايير النووية، لتشمل السيادة والتعافي الاقتصادي والأمن الإقليمي. ولكل بعد من هذه الأبعاد تحدياته الخاصة، مما يجعل التوصل إلى اتفاق شامل أمرا ضروريا وبعيد المنال في آن واحد.

ومع اختتام الجولة الثانية من المحادثات من دون التوصل إلى نتيجة حاسمة، جاء رد الفعل الفوري واقعية حذرة. فلم يحدث انفراج ملموس، لكن المحادثات لم تنهَر أيضا. وبقيت قنوات التواصل مفتوحة، واستمرت الرغبة في المشاركة، وإن كانت مشروطة.

وبالنظر إلى المستقبل، يرجح أن يكون المسار متعرجا وغير متكافئ. وقد تعقد جولات أخرى من المحادثات، ربما في أماكن مختلفة أو ضمن صيغ مختلفة. وسيستمر النقاش حول ترتيب القضايا، وكذلك الموازنة بين الضغوط والحوافز. غير أن أمرا واحدا سيبقى واضحا لا يتغير، وهو أن المخاطر عالية، وأن الدبلوماسية هي المسار الوحيد الذي لا يمكن التخلي عنه.

ولن تقتصر التداعيات العالمية لهذا الصراع على الأطراف المتحاربة، بل ستتجاوزها بكثير. فأسواق الطاقة وسلاسل الإمداد والتحالفات الجيوسياسية كلها تخضع لإعادة تشكيل بفعل الأزمة المتفاقمة. وفي هذا السياق، قد يحمل حتى التقدم التدريجي آثارا متتالية بالغة الأهمية.

أما دور إسلام آباد، في الوقت الحالي، فلم ينته بعد. بل إن الطبيعة غير الحاسمة للجولة الثانية تؤكد الحاجة إلى استمرار الوساطة. ويكمن التحدي في الحفاظ على الزخم من دون المبالغة في الوعود بتحقيق نتائج باهرة، بما يتيح مساحة للتفاوض مع الاعتراف بقيوده المتأصلة.

وفي النهاية، لا تروي هذه المحادثات قصة فشل، بل قصة مسيرة متواصلة. إنها تذكير بأن الدبلوماسية، ولا سيما في أوقات النزاع، نادرا ما تقدم حلولا فورية. وبدلا من ذلك تتكشف تدريجيا، عبر سلسلة من اللقاءات التي تتراكم وتتعثّر وتتراجع أحيانا، قبل أن تستأنف مسارها مرة أخرى.

قد يكون الطريق عبر إسلام آباد طويلا وغير مضمون، لكنه يبقى أحد المسارات القليلة الممكنة نحو خفض التصعيد. وفي عالم يتشكل بفعل أزمات مترابطة على نحو متزايد، فإن هذا وحده سبب كاف لمواصلة السير فيه.

font change

مقالات ذات صلة