لم يعد الحصار البحري الأميركي المفروض على إيران عبر مضيق هرمز يستهدف وقف صادرات النفط الإيرانية بالكامل بقدر ما يسعى إلى إعادة تشكيل شبكة المسارات، العلنية منها والسرية، التي يسلكها هذا النفط من مرافئ التصدير في إيران إلى مصافي التكرير في البلدان الشارية له. ذلك أن المواجهة في مضيق هرمز لا تقتصر على السفن التي تغادر الموانئ الإيرانية، بل في كل خطوة تلي المغادرة: من يشتري هذا النفط، ومن يمول نقله، ومن يؤمّن على شحناته، ومن يكرره.
بالتالي، غدا الحصار موجها إلى كل جهة تشتري النفط الإيراني في هذه السلسلة المعقدة، وليس ضد إيران فحسب. إذ تحوّل إلى محاولة لإغلاق الحلقة التي سمحت لطهران، طوال السنوات التي شهدت فرض عقوبات على صادراتها النفطية، بأن تحافظ على تدفق هذه السلعة عبر قنوات موازية أغدقت هي والجهات الشارية عليها كثيرا من الغموض المتعمد. هنا يظهر بوضوح معنى "حصار الحصار": حاصرت إيران مضيق هرمز، فحاصرت الولايات المتحدة حصارها. لكن "حصار الحصار" لا يقصر الضغط على مصدّر النفط، بل يصيب السوق، والمستوردين، وكل المشاركين في عملية توفير النفط هذه من ألفها إلى يائها.
الصين في قلب المعادلة
في قلب هذه الشبكة نجد الصين. منذ تشديد العقوبات الأميركية على النفط الإيراني، أصبحت بكين، ولا سيما مصافيها الصغيرة المعروفة باسم "أباريق الشاي" ("teapots")، الوجهة الرئيسة لهذا النفط. هي مصافٍ مملوكة لشركات خاصة، تختلف عن المصافي المملوكة للدولة من نواحٍ عديدة، ولا سيما الحجم. وتشير تقديرات إلى أن بكين استوردت يوميا نحو 1.8 مليون برميل من النفط الإيراني في مارس/آذار 2026، وأن حصة "أباريق الشاي" بلغت 90 في المئة من هذه الشحنات. الدافع من وراء ذلك ليس سياسيا بقدر ما هو اقتصادي بحت: فالخام الإيراني خام أرخص من غيره، فهو يباع لقاء حسوم وصلت منذ ديسمبر/كانون الأول 2025 إلى نحو ثمانية و10 دولارات للبرميل، مقارنة بالأسعار المرجعية العالمية، ولا سيما أسعار برميل "برنت"، قبل أن تضطرب المعادلة السعرية مؤقتا مع حرب إيران.
تجد المصافي الصغيرة هذه، المنتشرة خصوصا في إقليم شاندونغ، في النفط الإيراني فرصة يصعب تجاهلها. فالمهم في نظر مشغليها الفارق في التكلفة. وبالنسبة إلى إيران، يمثّل هذا المنفذ مخرجا يكاد يكون ضروريا. العلاقة الثنائية واضحة، لكنها ليست مريحة دائما، وليست مستقرة باستمرار كما قد تبدو للناظر من بعيد.


