"حصار الحصار"... كيف تطبق واشنطن الخناق على إيران في شكل غير مباشر؟

من مضيق هرمز إلى مصافي الصين... عندما يصبح مستورد النفط محور المعركة

سارة بادوفان
سارة بادوفان

"حصار الحصار"... كيف تطبق واشنطن الخناق على إيران في شكل غير مباشر؟

لم يعد الحصار البحري الأميركي المفروض على إيران عبر مضيق هرمز يستهدف وقف صادرات النفط الإيرانية بالكامل بقدر ما يسعى إلى إعادة تشكيل شبكة المسارات، العلنية منها والسرية، التي يسلكها هذا النفط من مرافئ التصدير في إيران إلى مصافي التكرير في البلدان الشارية له. ذلك أن المواجهة في مضيق هرمز لا تقتصر على السفن التي تغادر الموانئ الإيرانية، بل في كل خطوة تلي المغادرة: من يشتري هذا النفط، ومن يمول نقله، ومن يؤمّن على شحناته، ومن يكرره.

بالتالي، غدا الحصار موجها إلى كل جهة تشتري النفط الإيراني في هذه السلسلة المعقدة، وليس ضد إيران فحسب. إذ تحوّل إلى محاولة لإغلاق الحلقة التي سمحت لطهران، طوال السنوات التي شهدت فرض عقوبات على صادراتها النفطية، بأن تحافظ على تدفق هذه السلعة عبر قنوات موازية أغدقت هي والجهات الشارية عليها كثيرا من الغموض المتعمد. هنا يظهر بوضوح معنى "حصار الحصار": حاصرت إيران مضيق هرمز، فحاصرت الولايات المتحدة حصارها. لكن "حصار الحصار" لا يقصر الضغط على مصدّر النفط، بل يصيب السوق، والمستوردين، وكل المشاركين في عملية توفير النفط هذه من ألفها إلى يائها.

الصين في قلب المعادلة

في قلب هذه الشبكة نجد الصين. منذ تشديد العقوبات الأميركية على النفط الإيراني، أصبحت بكين، ولا سيما مصافيها الصغيرة المعروفة باسم "أباريق الشاي" ("teapots")، الوجهة الرئيسة لهذا النفط. هي مصافٍ مملوكة لشركات خاصة، تختلف عن المصافي المملوكة للدولة من نواحٍ عديدة، ولا سيما الحجم. وتشير تقديرات إلى أن بكين استوردت يوميا نحو 1.8 مليون برميل من النفط الإيراني في مارس/آذار 2026، وأن حصة "أباريق الشاي" بلغت 90 في المئة من هذه الشحنات. الدافع من وراء ذلك ليس سياسيا بقدر ما هو اقتصادي بحت: فالخام الإيراني خام أرخص من غيره، فهو يباع لقاء حسوم وصلت منذ ديسمبر/كانون الأول 2025 إلى نحو ثمانية و10 دولارات للبرميل، مقارنة بالأسعار المرجعية العالمية، ولا سيما أسعار برميل "برنت"، قبل أن تضطرب المعادلة السعرية مؤقتا مع حرب إيران.

تجد المصافي الصغيرة هذه، المنتشرة خصوصا في إقليم شاندونغ، في النفط الإيراني فرصة يصعب تجاهلها. فالمهم في نظر مشغليها الفارق في التكلفة. وبالنسبة إلى إيران، يمثّل هذا المنفذ مخرجا يكاد يكون ضروريا. العلاقة الثنائية واضحة، لكنها ليست مريحة دائما، وليست مستقرة باستمرار كما قد تبدو للناظر من بعيد.

الإيرادات التي تأتي عبر قنوات "ملتوية" تتميز بأنها أقل استقرارا، وأحيانا أقل وضوحا

في نظر الصين، لا يعني هذا التدبير الاستفادة من النفط الأرخص فحسب، إذ يشمل أيضا ما قد يصيب اقتصادها في حال انقطاعه. ذلك أن هذه المصافي، التي نظمت نموذج أعمالها، في جانب أساس منه، وفق الخام الإيراني المنخفض التكلفة، قد تضطر إلى استقبال خامات أعلى سعرا من الخليج أو روسيا، مما سيقلص من كل بد هوامش أرباحها. كذلك قد يدفع أي اضطراب بعيد الأجل بكين إلى استخدام احتياطاتها الاستراتيجية النفطية أو إعادة تنويع وارداتها من الخام، من ضمن خطوات لا تخلو من تكاليف اقتصادية وسياسية.

رويترز

لكن هذه المعادلة لم تبق طويلا خارج حسابات واشنطن التي أدركت أن الضغط على الإنتاج النفطي الإيراني وحده لا يكفي، لذلك نقلت المعركة إلى ساحة جديدة: "الجهات الشارية النهائية" لهذا النفط. وليست العقوبات التي فرضتها إدارة ترمب في أبريل/نيسان 2026 على مصفاة صينية كبرى ذات طاقة تكريرية تقارب 400 ألف برميل يوميا، إلى جانب استهداف شركات شحن وناقلات متعددة الجنسيات، سوى دليل يعكس هذا التحوّل. فالرسالة بسيطة: ليس المهم فقط منع النفط الإيراني من مغادرة موانئ تصديره، بل جعل شرائه قرارا مكلفا.

البرميل الأرخص... الأقل ربحا

هنا تظهر المفارقة. لا يختفي النفط الإيراني من السوق، إنما يفقد جزءا من قيمته كلما ابتعد عن موانئ تصديره. وكلما ازدادت المخاطر، اضطرت إيران إلى تقديم حسوم سعرية أكبر، وتحمل تكاليف إضافية في الشحن والتأمين، وقبول شروط أقل مرونة على صعيد تسديد ثمن النفط. في عبارة أبسط: لا يزال البرميل يباع، لكن العائد لم يعد كما كان.

بالتالي، لم تعد المسألة جرد مسألة أرقام، بل أصبحت تحوّلا في طبيعة الاقتصاد نفسه. تتميز الإيرادات التي تأتي عبر قنوات "ملتوية" بأنها أقل استقرارا، وأحيانا أقل وضوحا، وتعتمد على وسطاء وشبكات غير رسمية تقتطع جزءا من القيمة. ومع تشديد العقوبات، يصبح الحفاظ على مستوى الدخل نفسه أكثر صعوبة، حتى لو استمر تدفق النفط.

في المقابل، تجد الصين نفسها أمام معادلة ليست سهلة. فهي في حاجة إلى الطاقة، لكنها لا ترغب في إخضاع حدود علاقتها مع الولايات المتحدة إلى اختبار إجهاد. وخلال السنوات الماضية، نجحت بكين في الاستفادة من النفط الإيراني من دون أن ترتب على نفسها تكاليف سياسية واضحة. أما الآن فيبدو أن هذا الهامش يضيق.

"أباريق الشاي" تحديدا هي الأكثر تعرضا إلى الضغط في ضوء "حصار الحصار". هي ليست محمية مثل الشركات الحكومية الكبرى، وتعتمد على شبكات تمويل وشحن معقدة. ومن نافل القول إن أي خلل في هذه الشبكات ينعكس بسرعة على عملها، وتكون التداعيات أحيانا مباشرة.

كيف يباع النفط تحت الحصار؟

على الرغم من القيود، لم يتوقف النفط الإيراني عن التدفق، بل غيّر طريقه. فما هي الأدوات التي أصبحت جزءا من هذه التجارة الملتوية؟ هي تشمل عمليات نقل من سفينة إلى أخرى في عرض البحر، وإطفاء أجهزة التتبع التي تحملها السفن، وتغيير أعلامها، وإعادة تسمية الشحنات. وهناك أيضا شبكة من الوسطاء في مراكز تجارية آسيوية، تتولى إعادة تسويق النفط الإيراني وكأنه وارد من بلدان مصدّرة أخرى.

ليست هذه الآليات جديدة تماما، لكنها توسعت مع الوقت وأصبحت أكثر تعقيدا. غير أن كل حل يرتب تكلفة. كل خطوة إضافية على مسار التصدير تعني مخاطرة أكبر، وتكلفة أعلى، وتعقيدا أكثر. ومع تضييق الخناق على هذه الشبكات، تتراجع قدرتها على الاستمرار، وتبدأ الضغوط الاقتصادية الفعلية في الظهور لدى مختلف البلدان المشاركة.

أ.ف.ب.

لا يمكن هنا تجاهل ما يُعرَف بـ"أسطول الظل"، تلك الناقلات القديمة التي تعمل خارج الأنظمة التقليدية للتأمين والرقابة. هذا الأسطول هو الذي أبقى النفط الإيراني يتدفق في الأسواق إلى حد كبير. لكنه أصبح أيضا هدفا مباشرا للعقوبات، مما يضيف عبئا جديدا على عمليات التصدير الملتوية. فقد فرضت الولايات المتحدة في يناير/كانون الثاني الماضي عقوبات على تسع ناقلات تُعرف بأنها جزء من "أسطول الظل"، إلى جانب ثماني شركات مرتبطة بها. وحسب وزارة الخزانة الأميركية، فهذه الناقلات والشركات المالكة لها أو المشغِّلة، قامت مجتمعةً بنقل نفط ومنتجات بترولية إيرانية إلى الأسواق الخارجية بقيمة مئات ملايين الدولارات.

التأمين والشحن... عنق الزجاجة

وإذا كان من عنق زجاجة في هذا النظام، فهو التأمين والشحن. لا تزال غالبية التجارة العالمية تعتمد على شركات تأمين وتمويل مرتبطة بالنظام المالي الغربي. وأي قيود في هذا المضمار تعني ببساطة أن رحلة التجارة تصبح أكثر تكلفة،وربما أكثر تعقيدا مما تبدو عليه على الورق. قد تتمكن السفينة من الإبحار، لكن من دون تأمين كافٍ أو تمويل واضح، تصبح كل خطوة محسوبة. وهنا يتحوّل الحصار من منع مباشر إلى ضغط غير مرئي، لكنه فاعل لدى النظر في نتائجه.

نحو 13 مليون برميل يوميا من إمدادات النفط، وما يقارب 300 مليون متر مكعب يوميا من الغاز الطبيعي المُسال، عالقة داخل الخليج

في هذا السياق، يظل مضيق هرمز نقطة حساسة للغاية. في الظروف الطبيعية، يمر عبره نحو 20 مليون برميل يوميا، أي ما يقارب ربع تجارة النفط البحرية العالمية، إضافة إلى نحو خمس تجارة الغاز الطبيعي المسال. وهكذا لا يبقى أي اضطراب يصيبه محصورا في منطقته، بل يمتد بسرعة إلى الأسواق العالمية.

رويترز

وقد أظهرت التطورات الأخيرة حجم هذا الأثر. فتراجعت التدفقات عبر المضيق. وتشير التقديرات إلى أن نحو 13 مليون برميل يوميا من إمدادات النفط، وما يقارب 300 مليون متر مكعب يوميا من الغاز الطبيعي المُسال، عالقة داخل الخليج. في المقابل، ارتفعت الصادرات عبر الطرق البديلة، ولا سيما من الساحل الغربي للمملكة العربية السعودية ومن الفجيرة على الساحل الشرقي لدولة الإمارات العربية المتحدة، إضافة إلى خط أنابيب العراق–تركيا (ITP) الذي يمتد من العراق إلى جيهان في تركيا ، إلى 7.2 مليون برميل يوميا، بعدما كانت أقل من 4 ملايين برميل يوميا قبل الحرب، حسب وكالة الطاقة الدولية.

وبعيدا من الصين، تواجه الاقتصادات الآسيوية الأخرى، كاليابان وكوريا الجنوبية، معادلة مختلفة: فهي لا تعتمد مباشرة على النفط الإيراني، لكنها تبقى شديدة الحساسية لأي اضطراب في هرمز، مما ينعكس سريعا على تكلفة الطاقة وسلاسل الإمداد. وهذه الحساسية لا تقتصر على هذه البلدان، بل تشمل المستهلكين في مختلف أرجاء العالم.

ترحيل الضغط إلى الداخل الإيراني

في نهاية المطاف، يصل الضغط الأميركي إلى الداخل الإيراني. ويتجلى في تراجع الإيرادات، وضعف العملة، وارتفاع معدلات التضخم، وصعوبة الاستيراد، وهي كلها حلقات في سلسلة واحدة. ومع ذلك، لا يعني ذلك بالضرورة تغييرا سياسيا سريعا. فقد أثبتت إيران مرارا قدرتها على التكيف مع الضغوط، عبر سياسات داخلية وشبكات خارجية.

لكن ما تغيّر هذه المرة هو أن الضغط لم يعد موجها إلى الداخل فقط، بل إلى الخارج أيضا، أي إلى تلك الشبكات التي أبقت الاقتصاد الإيراني قائما على الرغم من العقوبات. وهنا يكمن جوهر الاستراتيجيا الأميركية التي لا تقتصر على تقليص صادرات النفط الإيراني، بل تشمل إعادة تعريف له بوصفه سلعة محفوفة بالمخاطر. مع ذلك، تبقى النتيجة مفتوحة. فقد تجد الصين طرقا جديدة للالتفاف، مثلما فعلت في مراحل كثيرة سابقة. والولايات المتحدة نفسها قد تواجه تكلفة إضافية لنهجها هذا، سواء عبر ارتفاعات إضافية في أسعار مشتقات النفط المبيعة إلى المستهلك أو عبر توتر علاقاتها مع شركائها حول العالم.

وفي المحصلة، يبدو أن النزاع الدائر لن يُحسَم بسرعة. فهو اختبار طويل لقدرة الجميع على التحمل. الحصار لا يمنع النفط من الخروج فقط... هو إلى ذلك يجعل كل خطوة بعد خروج النفط أكثر تكلفة. وهنا يتضح معنى "حصار الحصار": ليس في إغلاق المضيق فقط، بل في تفكيك الشبكة التي جعلت بيع النفط الإيراني تجارة ممكنة على الرغم من القيود. فإذا تعطلت هذه الشبكة المعقدة، يصبح الحصار أكثر فاعلية، ويعود الضغط في النهاية إلى المُنتِج الأول، لكن الضغط يمر هذه المرة عبر عملاء هذا المُنتِج.

font change

مقالات ذات صلة