ما الذي يحدث إذا انهار وقف النار بين الولايات المتحدة وإيران؟

الهدنة تتأرجح على حافة الانهيار... رغم قرار ترمب تمديدها

("المجلة")
("المجلة")

ما الذي يحدث إذا انهار وقف النار بين الولايات المتحدة وإيران؟

في خطوة مفاجئة، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، يوم الثلاثاء، تمديد وقف النار بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك بعد ساعات قليلة من تلويحه باستئناف قصف البلاد إذا لم يتوصل الطرفان إلى اتفاق قبل انتهاء الهدنة، التي كان من المقرر أن تنقضي في اليوم التالي. وقال ترمب، مشيرا إلى أن الحكومة الإيرانية تعاني "انقساما خطيرا"، إنه سيؤجل أي هجوم على البلاد إلى حين توصل قادتها إلى "مقترح موحد" لاتفاق سلام، لكنه لم يحدد أي مهلة نهائية لذلك.

لم تكن هذه المرة الأولى خلال الحرب التي ينتقل فيها ترمب بسرعة من التلويح بالعنف والدمار وإطلاق تهديدات قاسية ضد إيران إلى ترك الباب مواربا أمام الدبلوماسية. ويعكس تراجعه المتكرر عن مثل هذه التهديدات رغبته في وضع حد لهذا الصراع، الذي يفتقر إلى الشعبية داخل الولايات المتحدة وتسبب بأزمة طاقة عالمية.

لكن وقف إطلاق النار ما يزال هشا، ولا يبدو مؤكدا أن جولة جديدة من محادثات السلام سترى النور. كما أن الحصار البحري الأميركي على الموانئ الإيرانية لا يزال قائما، رغم تقارير عن عبور بعض السفن. وفي المقابل، ما تزال طهران تحكم قبضتها على مضيق هرمز. وتصاعد التوتر يوم الأربعاء، حين أطلقت إيران النار على عدد من السفن في المضيق قبل أن تستولي على اثنتين منها.

(رويترز)
بحارة أميركيون يفحصون الذخيرة على متن حاملة الطائرات "جيرالد فورد" خلال انتشار عسكري، 17 مارس 2026

ويجعل تناقض خطاب ترمب وسلوكه طوال الحرب، إلى جانب لجوئه إلى العمل العسكري ضد إيران بالتزامن مع المفاوضات، احتمال التوصل إلى اتفاق أمرا بعيد المنال. وأوضحت طهران، التي عدت الحصار الأميركي انتهاكا لوقف إطلاق النار، أنها لا تثق بترمب. وقال مهدي محمدي، مستشار رئيس البرلمان الإيراني وكبير المفاوضين محمد باقر قاليباف، إن تمديد وقف إطلاق النار "لا يعني شيئا"، وإنه ليس سوى "حيلة لكسب الوقت تمهيدا لتنفيذ ضربة مباغتة". كذلك قال قاليباف، يوم الأربعاء، إن وقف إطلاق نار كامل لا يستقيم ما لم يرفع الحصار الأميركي.

ترمب ينتقل بسرعة من التلويح بالعنف والدمار وإطلاق تهديدات قاسية ضد إيران إلى ترك الباب مواربا أمام الدبلوماسية

ويُعد تبرير ترمب لتمديد وقف إطلاق النار، بالقول إن الحرب عمقت انقسام القيادة الإيرانية، عقبة كبرى أمام أي تسوية دبلوماسية. فقد برزت مؤشرات كثيرة إلى أن كبار المفاوضين الإيرانيين، ومن بينهم وزير الخارجية عباس عراقجي، لا يتبنون الموقف نفسه الذي يتبناه المتشددون في "الحرس الثوري" الإيراني، الذين يبدو أنهم يحكمون قبضتهم على عملية صنع القرار في البلاد.

ومع استمرار هشاشة وقف إطلاق النار، تبرز خمسة أسئلة ملحة إذا ما آلت الهدنة في النهاية إلى الانهيار.

هل ستستأنف إسرائيل حربها ضد "حزب الله"؟

لا يزال وقف إطلاق النار في لبنان بين إسرائيل و"حزب الله"، الجماعة المسلحة المتحالفة مع إيران، شديد الهشاشة بدوره. وتبادل الطرفان الاتهامات بخرقه منذ دخوله حيز التنفيذ الأسبوع الماضي، رغم استمرار الجهود الدبلوماسية بين إسرائيل والحكومة اللبنانية.

وترتبط هذه الهدنة بشكل وثيق بوقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، رغم أن إسرائيل والولايات المتحدة رفضتا في البداية إدراج لبنان في ذلك الاتفاق، في حين أصرت طهران على أنه يشمله. وكاد هذا الخلاف أن يطيح باتفاق وقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران برمته، قبل أن يعلن ترمب هدنة لمدة عشرة أيام في لبنان في 16 أبريل/نيسان.

(أ.ف.ب)
دورية لقوات اليونيفيل الفرنسية مع عودة نازحين إلى منازلهم في جنوب لبنان خلال هدنة مؤقتة، 18 أبريل 2026

ويسعى لبنان إلى تمديد وقف النار، ويعقد دبلوماسيون إسرائيليون ولبنانيون جولة إضافية من المحادثات في واشنطن. لكن انهيار الهدنة بين الولايات المتحدة وإيران يمكن أن يدفع إسرائيل إلى استئناف عملياتها في لبنان على نطاق كامل.

هل ستطلق الولايات المتحدة عملية برية داخل إيران؟

قبل إعلان وقف النار بين الولايات المتحدة وإيران، تصاعدت التكهنات بشأن احتمال أن يزج ترمب بقوات أميركية داخل إيران ضمن طيف من السيناريوهات المحتملة، من بينها السيطرة على جزيرة خرج الصغيرة ذات الأهمية الاستراتيجية، وتأمين اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب.

وحذر خبراء عسكريون من أن مثل هذه العمليات تنطوي على مخاطر جسيمة ويمكنها تعريض الجنود الأميركيين لخطر بالغ. ومع ذلك، لا يبدو أن هذه الخيارات خرجت من الحسابات بعد.

برزت مؤشرات كثيرة إلى أن كبار المفاوضين الإيرانيين لا يتبنون الموقف نفسه الذي يتبناه المتشددون في "الحرس الثوري"

وتنشر الولايات المتحدة أكثر من خمسين ألف جندي في الشرق الأوسط، بينهم آلاف من مشاة البحرية والمظليين، ومئات من عناصر قوات العمليات الخاصة. كما تدفع بتعزيزات إضافية إلى المنطقة، إلى جانب مزيد من الأصول العسكرية.

وكانت عملية إنقاذ أفراد طاقم طائرة مقاتلة أميركية سقطت في مطلع أبريل الواقعة الوحيدة التي أُقر فيها علنا بدخول قوات برية أميركية إلى إيران خلال الحرب حتى الآن. غير أنه إذا انهار وقف النار، فقد يخلص ترمب إلى أن نشر قوات على الأرض بات لازما لتصعيد الضغط على طهران وتحقيق أهداف الحرب المعلنة، رغم مزاعمه المثيرة للشكوك بأن الولايات المتحدة حققت هذه الأهداف بالفعل.

وخلال مقابلة أجراها مع قناة "نيوزماكس" يوم الأربعاء، أيد السيناتور الأميركي الجمهوري روجر مارشال الطرح القائل إن الولايات المتحدة قد تجد نفسها مضطرة إلى دخول إيران من أجل "إنهاء المهمة" إذا تعذر التوصل إلى اتفاق سلام في الأسابيع المقبلة.

ما القدرات العسكرية المتبقية لدى إيران؟

دأب ترمب وكبار المسؤولين في إدارته على إطلاق تصريحات عامة وواسعة بشأن أثر الضربات الأميركية والإسرائيلية على الجيش الإيراني. وقال ترمب يوم الثلاثاء: "قضينا على بحريتهم وسلاحهم الجوي، كما قضينا على قادتهم".

(رويترز)
لقطة من التلفزيون الإيراني تظهر عملية احتجاز سفينة حاويات في مضيق هرمز بمشاركة جنود إيرانيين، 22 أبريل 2026

ومع أنه لا خلاف على أن الحرب أسفرت عن مقتل عدد كبير من كبار القادة الإيرانيين، بمن فيهم "المرشد الأعلى" علي خامنئي، وأنها أضعفت القدرات العسكرية الإيرانية إلى حد كبير، فإن مؤشرات متزايدة توحي بأن إدارة ترمب بالغت في تقدير حجم الأضرار.

يمكن أن تجد الولايات المتحدة نفسها مضطرة إلى دخول إيران من أجل إنهاء المهمة إذا تعذر التوصل إلى اتفاق سلام في الأسابيع المقبلة

روجر مارشال، سيناتور جمهوري أميركي

ومن خلال إسقاطها أخيرا طائرات مقاتلة أميركية، ومواصلتها شن هجمات على سفن تجارية، يتضح أن إيران ما تزال تحتفظ بقدرات متعددة ستظل مصدر تهديد إذا انهار وقف إطلاق النار.

وقال الفريق جيمس آدامز، رئيس وكالة استخبارات الدفاع الأميركية، الأسبوع الماضي أمام مشرعين في الكونغرس، إن إيران "لا تزال تحتفظ بآلاف الصواريخ والطائرات المسيرة الهجومية أحادية الاتجاه القادرة على تهديد القوات الأميركية وقوات الشركاء في أنحاء مختلفة من المنطقة، رغم ما أصاب قدراتها من تراجع بفعل الاستنزاف والإنفاق".

ما الذي سيحدث لمضيق هرمز؟

مع أن وقف إطلاق النار دخل حيز التنفيذ، ما تزال السيطرة على مضيق هرمز موضع نزاع، ويرجح أن يستمر ذلك إذا انهارت الهدنة. فقد أثبتت قبضة إيران على المضيق أنها من أهم أوراقها في هذه الحرب، فيما تبدو طهران ماضية في استخدام نفوذها على هذا الممر المائي الاستراتيجي أداة ردع حتى في مرحلة ما بعد أي اتفاق سلام محتمل. وبحسب المعطيات الراهنة، قد تكون مسألة مستقبل مضيق هرمز أبرز ملف تركه هذا الصراع بلا حسم.

هل سيغلق الحوثيون باب المندب؟

قد يسعى الحوثيون، حلفاء إيران في اليمن، إلى تعطيل الملاحة عبر باب المندب، وهو ممر شحن رئيس آخر يصل البحر الأحمر بخليج عدن، إذا تجدد القتال بين الولايات المتحدة وإيران.

(رويترز)
مؤيدون للحوثيين يتظاهرون دعما لإيران في صنعاء على خلفية التصعيد في حرب إيران، 27 مارس 2026

وكان الحوثيون وإيران لمحا إلى إغلاق باب المندب بوصفه إجراء انتقاميا محتملا، وهو ما من شأنه أن يفاقم الضغوط الهائلة الواقعة أصلا على الاقتصاد العالمي بسبب وضع مضيق هرمز.

font change

مقالات ذات صلة