نظام بلا رئيس... الثلاثة الذين يحكمون إيران

إدواردو رامون
إدواردو رامون

نظام بلا رئيس... الثلاثة الذين يحكمون إيران

منذ تعيين مجتبى خامنئي "مرشدا أعلى" في إيران، خلفا لوالده الذي اغتيل بضربة أميركية-إسرائيلية في 28 فبراير/شباط، لم يظهر علناً بعد، لكن النظام الإيراني، لا يزال قائما وسط أسئلة عمن يمسك بالقرار خلال هذه الحرب.

يعتمد بقاء النظام الآن على شخصيات رئيسة، هم رئيس "الحرس الثوري"، بالإضافة إلى رئيس المجلس الأعلى للأمن القومي، ورئيس البرلمان اللذين جاءا من "الحرس".

أولاً: الجنرال محمد باقر ذو القدر، الرجل الغامض

محمد باقر ذو القدر يمثل غموض النظام، وغرفة التحكم الحقيقية. وبصفته أمينًا للمجلس الأعلى للأمن القومي فإنه يشرف على التنسيق بين الجيش، و"الحرس الثوري"، والاستخبارات، والسياسة الخارجية. وهو الموقع الذي تُصاغ فيه القرارات الكبرى: الحرب، البرنامج النووي، والاستجابة للأزمات.

تم تعيينه في مارس/آذار2026 . لم يكن مجرد تغيير إداري، بل إشارة إلى أن النظام يفضّل رجالًا ذوي خلفية أمنية لإدارة المرحلة. ذو القدر لم يأتِ من السياسة، بل من عمق البنية الأمنية، أي "الحرس الثوري"، و"الباسيج"، وهيئة الأركان.

وتقول "مؤسسة الدفاع عن الديمقراطية" إنه ضمن مهندسي شبكة الوكلاء الإقليميين لإيران الذين يديرون عن بُعد "حزب الله" وبقية أذرع إيران في المنطقة. وتشير تقارير غربية إلى أنه خضع لعقوبات بسبب دوره في البرنامج النووي والقمع الداخلي.

يقال إنه ليس صانع قرار منفردا، بل منسق القوة بين مراكز متعددة وهو دور أكثر أهمية في زمن غياب القائد الأعلى.

ثانياً: الجنرال أحمد وحيدي، مسؤول السيطرة الأمنية

يمثل الجنرال أحمد وحيدي جوهر العقيدة الأمنية للنظام: الدفاع عبر القوة، داخليًا وخارجيًا. ارتبط اسمه تاريخيًا بـ"فيلق القدس" في "الحرس" الذي بناه قاسم سليماني الذراع الخارجية لـ"الحرس الثوري". كما تشير تقارير دولية إلى ارتباطه بعمليات خارجية منذ التسعينات، بما في ذلك قضية تفجير "AMIA" التي أبقت الإنتربول (Interpol) بحقه نشرة حمراء بسببها.

في الداخل، أعادت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي فرض عقوبات عليه بسبب دوره في قمع احتجاجات 2022، بما في ذلك تنسيق انقطاع الإنترنت واستخدام القوة ضد المتظاهرين.

في قراءة لباحثين، يمثل وحيدي جزءًا من تحول أوسع: تقدّم المؤسسة العسكرية-الأمنية إلى مركز الحكم الفعلي، خصوصًا في أوقات التهديد الوجودي.

الجنرال وحيدي ليس مجرد قائد عسكري، بل تجسيد لفكرة أن بقاء النظام يمر عبر السيطرة الأمنية الكاملة وليس عبر الحوزة الدينية التي كانت قوية في السابق.

ثالثاً: محمد باقر قاليباف، رجل الأمن والسياسية

في إيران، يمثل محمد باقر قاليباف شيئًا مختلفًا. هو حلقة الوصل بين الأمن والسياسة. وقد أصبح فجأة مشهورا بعد مقتل رئيس المجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني في بداية هذه الحرب الذي كان برلمانيا ومن "الحرس الثوري" وفيلسوفا. قاليباف يشبهه في هذه الصفات الثلاث ويعتقد أنه معتدل مقارنة بالبقية.

أ.ف.ب
رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، يرتدي زي "الحرس الثوري"، وهو يترأس جلسة في طهران في الأول من فبراير 2026

بدأ مسيرته في "الحرس الثوري" وقاد سلاحه الجوي، ثم انتقل إلى قيادة الشرطة، قبل أن يصبح عمدة طهران، وأخيرًا رئيسًا للبرلمان. هذه المسيرة ليست تنوعًا وظيفيًا، بل تعبير عن نمط إيراني واضح: تدوير النخبة الأمنية داخل المؤسسات المدنية.

في النظام الإيراني، لا يكفي القمع الأمني؛ بل يحتاج أن يُمنح غطاءً قانونيًا

وأفادت "رويترز" بأن قاليباف أصبح "أكثر مركزية" في صنع القرار خلال الأزمة، خصوصًا في قنوات التواصل غير المباشر مع الغرب. وفي لحظة يغيب فيها التوازن التقليدي بين رجال الدين والسياسيين، يبرز قاليباف بوصفه رجل المرحلة، القادر على مخاطبة العسكر، والتفاوض سياسيًا، وإدارة الخطاب الداخلي.

إنه، باختصار، كما يقول عنه عارفوه هو نموذج السياسي الأمني الذي يُعاد إنتاجه في لحظات الخطر ويعتقد أنه معتدل نسبيا رغم لغته الحادة على منصات السوشيال ميديا.

هناك شخصيتان مهمتان تحدثت عنهما "مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات".

غلام حسين محسني إيجئي، رجل القضاء اليوم والاستخبارات سابقاً

في النظام الإيراني، لا يكفي القمع الأمني؛ بل يحتاج أن يُمنح غطاءً قانونيًا. هنا يأتي دور غلام حسين إيجئي. فقد شغل إيجئي سابقًا منصب وزير الاستخبارات، قبل أن يتولى رئاسة السلطة القضائية. هذا الجمع بين الأمن والقضاء يجعله أحد أخطر الشخصيات في بنية النظام: الرجل الذي يحول القمع إلى شرعية قانونية.

رويترز
رئيس السلطة القضائية الإيرانية، غلام حسين محسني إيجئي، وقع على وثيقة أداء اليمين الدستورية للرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي، خلال مراسم تنصيبه في البرلمان الإيراني بطهران، في 5 أغسطس 2021

تشير "رويترز" إلى أن فترة رئاسته منذ2021  شهدت تصاعدًا في الإعدامات، بينما تؤكد عقوبات غربية منذ 2009 دوره في الاعتقالات التعسفية والتعذيب. في لحظة ما بعد مقتل علي خامنئي، يصبح القضاء أكثر من مجرد مؤسسة حيث يصبح أداة لإعادة فرض السيطرة عبر الخوف المنظم.

أحمد رضا رادان، صاحب القبضة اليومية للنظام

تعتقد "مؤسسة الدفاع" أنه من القيادات الخمس التي تحكم ايران. فإذا كان إيجئي يوقع الأحكام، فإن أحمد رضا رادان هو من ينفذها في الشارع. يقود رادان قوات إنفاذ القانون، وهي الخط الأول في مواجهة الاحتجاجات. وقد فرضت عليه الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي عقوبات منذ 2010  بسبب دوره في قمع مظاهرات 2009، واستمرت هذه العقوبات مع تصاعد الاحتجاجات لاحقًا.

لا يعني غياب القائد انهيار النظام، بل قد يعني العكس: تحرر المؤسسات من الحاجة إلى واجهة واحدة، وصعود حكم جماعي أكثر صرامة وأقل مرونة وربما في المستقبل تقع منافسة بين القادة

تشير المعطيات إلى أنه أشرف على اعتقالات واسعة خلال الأزمات الأخيرة، مع خطاب واضح يقوم على الردع المباشر. في تقديرات باحثين، يُعد رادان جزءًا أساسيًا من منظومة "القمع الوقائي" التي لا تنتظر التهديد بل تسعى إلى إحباطه مسبقًا. إنه يمثل ما يمكن تسميته: الدولة في الشارع.

نظام بلا رأس... لكنه ليس بلا سيطرة

ما تكشفه هذه الشخصيات الثلاث الرئيسة، أو الخمس، كما تعتقد بعض المؤسسات البحثية أننا لسنا أمام مجرد توزيع للسلطة، بل تحول في طبيعة الحكم. لم تعد إيران تُدار عبر توازن دقيق بين رجل دين واحد في الأعلى ومؤسسات الدولة، بل عبر تحالف مؤسسات متنافسة ومكملة.

في هذا النموذج، لا يعني غياب القائد انهيار النظام، بل قد يعني العكس: تحرر المؤسسات من الحاجة إلى واجهة واحدة، وصعود حكم جماعي أكثر صرامة وأقل مرونة وربما في المستقبل تقع منافسة بين القادة.

وهذا هو التحدي الحقيقي الذي يواجه خصوم إيران اليوم. ليس نظامًا هشًا ينتظر السقوط، بل نظام أعاد تشكيل نفسه حول أدوات البقاء الأكثر صلابة.

وفي الوقت نفسه، لا بد من القول  إنه يواجه تحديات داخلية خطيرة، حيث إن موارد البلاد المالية قد استنفدت والحرب تسببت في دمار مرافق خدمية مهمة من كهرباء وغاز وسكك حديدية وجسور مما قد يضع النظام في الأشهر التالية أمام مواجهة شعبية غاضبة لن تقبل الدعاية الرسمية التي تتحدث عن الانتصار وهي تعجز عن تقديم خدمات أساسية خاصة مع اقتراب موسم الصيف. ما بعد الحرب، هذا إذا انتهت الحرب قريبا، يبقى أخطر على النظام من مرحلة الحرب نفسها.

font change

مقالات ذات صلة