اقتصاد مصر تحت الضغط... التقشف لاحتواء الصدمات المالية لحرب إيران

كيف تحاول القاهرة تحييد الآثار الاقتصادية والاجتماعية لارتفاع أسعار النفط والغاز؟

سارة بادوفان
سارة بادوفان

اقتصاد مصر تحت الضغط... التقشف لاحتواء الصدمات المالية لحرب إيران

في لحظة تتقاطع فيها الجغرافيا السياسية مع الاقتصاد في شكل حاد، وجدت مصر نفسها في قلب عاصفة إقليمية لا تشارك فيها مباشرة، لكنها تدفع تكلفتها كاملة. فالحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران لم تقتصر تداعياتها على ساحات المواجهة، بل امتدت لتضرب أمن الطاقة العالمي، وتعيد تشكيل حسابات الدول المستوردة، وفي مقدمتها مصر، التي باتت مضطرة إلى اتخاذ إجراءات تقشفية سريعة لاحتواء صدمة مزدوجة تتجلى في ارتفاع أسعار الطاقة وضغوط سعر صرف الجنيه.

دفعت هذه الصدمة الحكومة المصرية إلى التحرك بوتيرة متسارعة، مدفوعة بمخاوف من تفاقم المديونية واتساع عجز الموازنة. ومع ارتفاع أسعار النفط إلى ما يتجاوز 118 دولارا للبرميل في مقابل 72 دولارا في حسابات الموازنة، لم يعد أمام الدولة سوى خيارات خفض الاستهلاك وتقليص التكلفة بأي وسيلة ممكنة.

من هنا قرارات وقف الأعمال التجارية عند التاسعة مساء لمدة شهر، إلى جانب تفعيل العمل عن بعد في القطاعين العام والخاص، كخطوات تهدف إلى السيطرة على استهلاك الطاقة وتوفير الدولار. وتزامنت هذه الإجراءات مع ارتفاع سعر الدولار ليبلغ من 55 جنيها ويعاود الانخفاض في الأول من أبريل/نيسان الجاري ليسجل 54 جنيها، مما انعكس بدوره على أسعار الغذاء والسلع والخدمات والنقل، نتيجة الارتفاع المتسلسل في تكلفة المحروقات.

إلا أن الأزمة لا تقف عند حدود الأسعار، بل تمتد إلى بنية الاقتصاد نفسه. فالتوترات في مضيق هرمز، أحد أهم شرايين التجارة العالمية، تهدد سلاسل الإمداد وتزيد صعوبة حركة الشحن، مما يضغط على صادرات مصر الغذائية إلى دول الخليج والمنطقة العربية. كذلك تتصاعد المخاوف من تراجع إيرادات قناة السويس والصادرات، فضلا عن احتمال تراجع التحويلات وعودة العمالة المصرية من الخارج. في ظل هذه المعطيات، تبدو الأرقام الرسمية، ناتج محلي يبلغ 349.3 مليار دولار في 2025، وصادرات بقيمة 63.71 مليار دولار عام 2024، واحتياطي نقدي عند 52.7 مليار دولار في فبراير/شباط 2026، تحت اختبار حقيقي.

لم تقتصر الإجراءات على ترشيد الاستهلاك، بل شملت زيادات مباشرة في الأسعار. فقد رفعت الحكومة أسعار المحروقات بنحو ثلاثة جنيهات لليتر البنزين والسولار، كما زادت تذاكر المترو والقطارات

وعلى الرغم من امتلاك الحكومة احتياطيات من السلع والطاقة، سارعت إلى تغيير مصادر استيراد النفط، متجهة نحو الكويت وليبيا لتقليل تكلفة النقل وتسريع الإمدادات. غير أن الفجوة بين سعر النفط العالمي وسعره في الموازنة تدفع الدولة إلى تحميل الفارق للمواطن، الذي وجد نفسه يتحمل تكلفة حرب ليس طرفا فيها.

ترشيد الاستهلاك ورفع الأسعار

في هذا الإطار، لم تقتصر الإجراءات على ترشيد الاستهلاك، بل شملت زيادات مباشرة في الأسعار. فقد رفعت الحكومة أسعار المحروقات بنحو ثلاثة جنيهات لليتر البنزين والسولار (وقود الديزل)، كما أقرت زيادة تذاكر المترو والقطارات بنسبة تصل إلى 25 في المئة بدءا من 2026-2027، بهدف تحصيل ثلاثة مليارات جنيه إضافية. كذلك ارتفعت أسعار القطارات بنسبة 12.5 في المئة للخطوط الطويلة و25 في المئة للقصيرة، مع توقع وصول إيرادات السكك الحديد إلى 12 مليار جنيه (نحو 223.8 مليون دولار)، والأنفاق إلى 6.5 مليار جنيه ( نحو 121.2 مليار دولار).

.أ.ف.ب
محطة وقود في القاهرة، 10 مارس 2026

غير أن هذه الإجراءات، على الرغم من أهدافها المالية، تحمل تبعات اجتماعية واضحة، وخصوصا على العمالة غير المنتظمة في قطاع الخدمات، التي تعتمد على النشاط الليلي.

خمس مراحل تقشفية شهدتها مصر

شهدت مصر خلال العقد الأخير مسارا متدرجا من التقشف المالي، بدأ بإصلاحات صادمة ثم تحوّل إلى إدارة أكثر مرونة وهيكلية للضغوط الاقتصادية.

جاءت البداية في عام 2016 مع توقيع اتفاق تمويل مع صندوق النقد الدولي، إذ أقدمت الحكومة على تعويم الجنيه وتطبيق حزمة واسعة من الإجراءات شملت رفع دعم الطاقة وفرض ضريبة القيمة المضافة، في خطوة هدفت إلى معالجة اختلالات عميقة في المالية العامة واستعادة ثقة المستثمرين. ومع تحسن المؤشرات الكلية تدريجيا، انتقلت الدولة في 2019 إلى استكمال رفع الدعم، خاصة عن الوقود والكهرباء، وتطبيق آلية التسعير التلقائي، مما عزز هدف تحقيق فائض أولي وتقليص العجز.

وخلال "جائحة كوفيد-19" (2020–2021)، لم تتبن مصر تقشفا حادا بالمعنى التقليدي، بل حافظت على انضباط مالي مع تقديم حزم دعم محدودة لتفادي انكماش اقتصادي حاد، مستفيدة من استمرار برامجها مع صندوق النقد الدولي.

تتعاظم مخاوف خبراء الاقتصاد من تداعيات ارتفاع كلفة الطاقة، اضافة الى ضغوط ديون تبلغ 40 مليار دولار، واحتمال تراجع الاستثمارات الخليجية، و ترجيح رفع الفائدة بدل خفضها 

غير أن الضغوط عادت بقوة في 2022–2023 مع تداعيات الحرب في أوكرانيا وخروج رؤوس الأموال، مما دفع مصر إلى خفض جديد لقيمة العملة ورفع أسعار الفائدة والعودة إلى برنامج تمويلي جديد مع الصندوق، في سياق تقشف اضطراري لمواجهة أزمة العملة والتضخم.

أما في المرحلة الأحدث (2024–2025)، فقد اتجهت السياسات الاقتصادية المصرية نحو ما يمكن وصفه بـ"التقشف الهيكلي الذكي"، إذ ركزت الحكومة على بيع الأصول، وإبطاء بعض المشاريع، وجذب استثمارات خارجية كبرى مثل صفقة رأس الحكمة، بهدف تخفيف الضغط على العملة دون اللجوء إلى صدمات اجتماعية واسعة .

تحذيرات من ركود وضغوط اجتماعية

يرى السفير ماجد رفعت أن السياسات التقشفية الجديدة "ستؤدي إلى مكاسب في خفض استهلاك الكهرباء والوقود، ربما بنسبة تتراوح بين 15 و20 في المئة، نتيجة تقليل الحركة الليلية وإطفاء الإعلانات". لكنه يحذر في المقابل "من ركود مؤقت في قطاعات الأعمال الصغيرة والمتوسطة، مثل المتاجر والمقاهي وشركات الدعاية، مع ما يرافق ذلك من انخفاض في الاستهلاك وأرباح الشركات المرتبطة بها".

.أ.ف.ب
قوارب تعبر نهر النيل وسط الظلام في القاهرة بعد اجراءات ترشيد الطاقة، 24 مارس 2026

ويضيف رفعت في حديث إلى "المجلة" أن تراجع الجنيه وهبوط مؤشرات البورصة "يعكسان مخاوف حقيقية من ارتفاع تكلفة واردات الطاقة، خصوصا مع اللجوء إلى الشراء الفوري (spot market) بعد إلغاء التحوط". كذلك يلفت إلى التزامات ديون تصل إلى 40 مليار دولار حتى نهاية العام، وإلى احتمال تراجع الاستثمارات الخليجية. ولا يستبعد "أن يضطر المصرف المركزي إلى رفع الفائدة بدلا من خفضها، وأن تتخذ الحكومة إجراءات أكثر صرامة إذا استمرت أسعار النفط فوق الـ 100 دولار للبرميل لشهرين أو أكثر، بما في ذلك زيادة أسعار الكهرباء، إلى جانب ضرورة طرح حوافز للشركات مثل إلغاء الفوائد على الضرائب المتأخرة وتشجيع الطاقة الشمسية".

الحل الوحيد أمام الحكومة هو تمرير التكاليف إلى السوق بسرعة لتجنب تضخم أكبر في المستقبل، حتى لو أدى ذلك إلى زيادة معدل التضخم حالياً بنسبة اثنين إلى ثلاثة في المئة

محمد أنيس، خبير اقتصادي

من جهته، يرى الخبير الاقتصادي محمد فؤاد أن ما يجري "هو استجابة اضطرارية لصدمة مزدوجة، تنعكس مباشرة على الموازنة عبر ثلاثة مسارات هي: زيادة دعم الطاقة، تضخم خدمة الدين، وارتفاع فاتورة الاستيراد".

وقال لـ"المجلة" "أن الهدف ليس تحقيق وفر مالي كبير، بل منع انفلات العجز". لكنه يحذر من "أن هذه السياسات الانكماشية قد تؤدي إلى تباطؤ اقتصادي، وتآكل القوة الشرائية، وزيادة الضغوط على الطبقة المتوسطة، مما يجعل نجاحها مرهونا بقدرتها على استهداف الهدر الحقيقي وليس مجرد الضغط المؤقت".

بين التبرير الاقتصادي وخيارات السوق

في المقابل، يدافع الخبير المالي هاني جنينة عن الإجراءات الحكومية، معتبرا في حديث إلى "المجلة" "أنها ضرورية لتقليل الأعباء وتوفير الغاز"، مشيرا إلى أن الخطة تستهدف خفض الاستهلاك بنحو ثمانية آلاف ميغاوات من أصل 29.4 ألف ميغاوات يوميا. ويؤكد أن فاتورة استيراد الوقود "ارتفعت بنحو ضعفين ونصف الضعف، مما يبرر هذه السياسات، خصوصا في ظل استمرار تأمين النقد الأجنبي للواردات".

ويربط جنينة ما يحدث في مصر بما تشهده دول شرق آسيا، التي تعتمد بنسبة 60 في المئة على نفط الشرق الأوسط، مشيرا إلى "أن هذه الدول اتخذت إجراءات مماثلة، مثل رفع أسعار المحروقات والعمل عن بعد". ويستشهد بقرارات الصين التي رفعت أسعار الوقود بأعلى وتيرة تاريخية، وباكستان التي رفعت الأسعار بنسبة 20 في المئة، وصولا إلى دولار واحد لليتر، ورفعت أسعار البنزين للسيارات الفارهة إلى دولارين للتر.

رويترز
البنك المركزي المصري في العاصمة الإدارية الجديدة شرق القاهرة، 19 يناير 2026

ويؤكد جنينة أن تحرير سعر الصرف ورفع أسعار المحروقات "يمثلان تحولا اقتصاديا جوهريا، خصوصا بعد التخلي عن سياسة طباعة النقود لتمويل الدعم"، مشيرا إلى "أن الحكومة اقترضت نحو تريليون جنيه (حوالى 37 مليار دولار بأسعار اليوم) من المصرف المركزي في عام 2023، لكنها بدأت في السداد عام 2025 بنحو 200 مليون جنيه (نحو 3.7 مليون دولار)، مع خطة لإنهاء المستحقات في حلول عام 2029". كذلك يرى أن وصول الدولار إلى نحو 55 جنيها يعكس نقطة توازن بعد صدمة خروج الأموال الساخنة.

تمرير الصدمة إلى السوق... الخيار الوحيد؟

أما الخبير الاقتصادي محمد أنيس، فيقدم قراءة أكثر تفصيلا للتداعيات، مقسما إياها في حديث إلى "المجلة" إلى محورين هما: التدفقات النقدية والأسعار. في المحور الأول، يشير إلى "خروج نحو 10 مليارات دولار من الأموال الساخنة خلال شهر واحد من الحرب، مقارنة بـ20 مليارا خلال الحرب الروسية الأوكرانية في عام 2022، مع توقع تراجع التحويلات والسياحة والصادرات وإيرادات قناة السويس". وأوضح أنيس "أن مصر ستواجه زيادة في تكلفة كل الواردات، من النفط والغاز إلى القمح والزيوت والبقوليات، في ظل اضطراب سلاسل الإمداد وتحول سوق النفط من فائض مليوني برميل يوميا إلى عجز 10 ملايين برميل".

كذلك يشير إلى صعوبات استيراد النفط من الكويت بسبب إغلاق مضيق هرمز، مما يدفع مصر إلى البحث عن بدائل في ليبيا والجزائر، وربما المملكة العربية السعودية، في ظل طلب مرتفع من الصين والهند وكوريا الجنوبية واليابان، إضافة إلى التحول نحو استيراد الغاز من الولايات المتحدة بدلا من قطر، مع أخطار إضافية من تهديدات باب المندب.

ويرى أنيس "أن الحل الوحيد أمام الحكومة هو تمرير التكاليف إلى السوق بسرعة لتجنب تضخم أكبر في المستقبل، حتى لو أدى ذلك إلى زيادة معدل التضخم حالياً بنسبة اثنين إلى ثلاثة في المئة". ويشير إلى أن وفورات الكهرباء قد تكون محدودة، لكنها بلغت نحو 10 في المئة في اليوم الأول من تطبيق الإجراءات، وهي نسبة كبيرة، مع ضرورة انتظار ثلاثة أشهر لتقييم فاعلية السياسات.

font change

مقالات ذات صلة