في 15 مايو/أيار، وبينما كانت إسرائيل تواصل غاراتها و"حزب الله" يمضي في هجماته بالطائرات المسيرة داخل لبنان، أعلنت واشنطن أن إسرائيل ولبنان اتفقا على تمديد وقف إطلاق النار 45 يوما. هذا التزامن، أكثر من أي بيان رسمي، يلخص المشهد كما هو: مسار دبلوماسي يتحرك، وحرب لم تضع أوزارها فعليا.
فقد واصلت إسرائيل شن غارات جوية داخل لبنان، أدت إحداها أخيرا إلى مقتل قائد في "وحدة الرضوان"، القوة التي تماثل القوات الخاصة في "حزب الله"، بالتزامن مع إصدار أوامر بإخلاء عدد من القرى القريبة من الحدود، ضمن نطاق أوسع يمتد من الشريط الحدودي حتى نهر الليطاني، على مسافة تقارب 30 كيلومترا شمالا. في المقابل، واصل "حزب الله" هجماته بالصواريخ والطائرات المسيرة ضد القوات الإسرائيلية داخل لبنان، وضد تجمعات سكنية حدودية داخل إسرائيل، مؤكدا أنه لن يلتزم بمحادثات يصفها بأنها "مؤامرة".
وإذا كانت المعارك حقيقة ماثلة، فإن المحادثات بدورها حقيقة لا يمكن تجاهلها، وهي تكتسب هذه المرة دلالة خاصة لأنها تشمل دولة لبنانية تبدو أكثر وضوحا في سعيها إلى إعادة تأكيد سيادتها. وقد وصف مسؤولون أميركيون الجولة الأخيرة بأنها "إيجابية ومثمرة"، فيما أدرجت بالفعل لقاءات عسكرية وسياسية لاحقة على جدول الأعمال، بينها محادثات في البنتاغون بشأن الترتيبات الأمنية، وأخرى في وزارة الخارجية الأميركية حول المسار السياسي الأوسع. لكن السؤال الأعمق يبقى: هل تفتح هذه المفاوضات بابا أمام نظام حدودي جديد، أم إنها لا تتجاوز كونها آلية لإدارة الواقع الهش في المنطقة؟
استراتيجية إسرائيل... "ديجا فو+"
تبدو الغاية المباشرة لإسرائيل واضحة، وهي أن تجعل حدودها الشمالية بمنأى عن تهديد تسلل "حزب الله"، وعن نيران الصواريخ المضادة للدروع والطائرات المسيرة والصواريخ. فقد أكد مسؤولون إسرائيليون أنهم لا يريدون العودة إلى ترتيبات ما قبل الحرب، حين كان "حزب الله" يحتفظ ببنية عسكرية قريبة من الحدود، في وقت لم تنجح الرقابة الدولية ولا قرارات الأمم المتحدة في منع ذلك أو الحد منه. ومن هنا، تقوم الفكرة العملياتية الإسرائيلية الراهنة على إنشاء ما يسميه بعضهم داخل إسرائيل "منطقة دفاع متقدمة"، أي منطقة عازلة تستند إلى القوة المباشرة لا إلى الثقة. ولم تكتف إسرائيل بالإبقاء على وجودها، بل أصدرت أيضا أوامر بإخلاء عدد من القرى على طول الحدود، وتحدث مسؤولون إسرائيليون عن تطبيق "نموذج غزة" في جنوب لبنان. وتبدو النية واضحة: لا يتعلق الأمر فقط بإبقاء التجمعات المدنية الإسرائيلية بمنأى عن نيران "حزب الله" المباشرة، بل أيضا بمواصلة الضغط عليه عبر تحميل القرى التي سمحت له بالعمل في محيطها كلفة هذا الخيار.

