هل تستعيد مصر كفايتها من الغاز بدفع متأخرات شركات الطاقة؟

الأزمة تتحول إلى اختبار سياسي واقتصادي للقاهرة

رويترز
رويترز
منشأة غاز من طريق السويس الصحراوي خارج القاهرة، مصر، 1 سبتمبر 2020.

هل تستعيد مصر كفايتها من الغاز بدفع متأخرات شركات الطاقة؟

في أقل من عامين، خفضت مصر المتأخرات المستحقة لشركات الطاقة الدولية بنسبة تزيد عن 88 في المئة، وهو ما تأمل الحكومة أن يحفز الشركات للتوسع في أعمال التنقيب، في وقت تفاقم الحرب الإيرانية العجز في إمدادات الغاز.

وكانت الأزمة المالية في مصر تفاقمت بعد اندلاع الغزو الروسي لأوكرانيا في عام 2022 وما تلا ذلك من اضطرابات في سلاسل الإمداد، مما أسهم في تراكم مستحقات شركات الطاقة وتباطؤ استثماراتها في البلاد.

تحسنت الأوضاع عقب حصول مصر على حزمة تمويل ضخمة بلغت 57 مليار دولار، شملت صفقة بقيمة 35 مليار دولار، مع صندوق أبوظبي السيادي (ADQ) منح بموجبها حقوق تطوير منطقة تطل على البحر الأبيض المتوسط، في أوائل عام 2024، مما مكن مصر من الوفاء بالتزاماتها بشكل أفضل. وفي وقت لاحق من العام نفسه، طبقت الحكومة المصرية نظاما لسداد المتأخرات المستحقة لشركات الطاقة الأجنبية على أساس شهري.

وفي مارس/آذار الماضي، أعلنت وزارة النفط والثروة المعدنية المصرية، أن القاهرة تستهدف تسوية متأخرات مستحقة لشركات نفط عالمية بقيمة 1.3 مليار دولار في حلول يونيو/حزيران، في إطار خطة سداد بوتيرة أسرع، مقارنة بالجدول الزمني السابق. وكانت متأخرات مصر لصالح شركات النفط الأجنبية قد ارتفعت إلى نحو 6.1 مليارات دولار حتى 30 يونيو/حزيران 2024، بفعل أزمة شح العملات الأجنبية التي استمرت لفترة طويلة.

يستحوذ توليد الطاقة في مصر على 60 في المئة من استهلاك الغاز، وتتوقع وكالة "فيتش سوليوشنز" أن يرتفع إنتاج مصر السنوي من الغاز بنسبة 8 في المئة على أساس سنوي في 2026 ليصل إلى 46.6 مليار متر مكعب

وقال وزير النفط والثروة المعدنية المصري كريم بدوي في أوائل مايو/أيار الجاري إن المدفوعات المستحقة انخفضت بشكل ملحوظ لتبلغ 714 مليون دولار في نهاية شهر أبريل/نيسان. من شأن حفر المزيد من الآبار أن يوفر إمدادات غاز اضافية تشتد الحاجة إليها. ولكن لا يمكن الجزم بما إذا كانت الاكتشافات الجديدة البلاد إلى مصاف الدول المصدرة للغاز.

من جانبه، قال جي. بي. لاكوتور، المحلل الرئيس المتخصص في الغاز الطبيعي والغاز المسال في شركة "كبلر" لبيانات وتحليلات السلع، في تصريح لـ"المجلة: "من المرجح أن يكون استمرار مصر في سداد ديون المنتجين هو العامل الأكثر أهمية" لزيادة إنتاج الغاز من خلال المزيد من الاكتشافات.

استيراد قياسي للغاز المسال خلال 2025

تتوقع وكالة "فيتش سوليوشنز" أن يرتفع إنتاج مصر السنوي من الغاز بنسبة 8 في المئة على أساس سنوي في 2026 ليصل إلى 46.6 مليار متر مكعب. ولكن حتى مع تحقيق تلك الزيادة، فإن الكمية ستظل أقل بكثير من الاستهلاك المحلي للبلاد، الذي يقدر بأكثر من 60 مليار متر مكعب سنويا.

ويستحوذ توليد الطاقة على النصيب الأكبر من استهلاك الغاز بنسبة 60 في المئة تقريبا في مصر، على الرغم من جهود الحكومة للاعتماد بشكل أكبر على مصادر الطاقة المتجددة في السنوات الأخيرة. وإلى جانب التوسع الحضري والنمو السكاني، أدت موجات الحر ازدياد حاجة مصر للكهرباء خلال العقد الماضي، إذ وانعكست زيادة استخدام مكيفات الهواء في البلاد على فواتير استيراد الغاز.

رويترز
سيارات في محطة غازتك لتعبئة الغاز، في القاهرة 10 مارس 2026

نتيجة لذلك، طبقت الحكومة المصرية، بشكل متقطع، إجراءات تقنين استهلاك الطاقة في السنوات الأخيرة، بما في ذلك تخفيف الإنارة في بعض الشوارع وقطع الكهرباء بشكل دوري خلال فصل الصيف. 

وقالت موسسة "ستاندرد آند بورز غلوبال" في يناير/كانون الثاني: "استوردت مصر كمية قياسية من الغاز الطبيعي المسال في عام 2025، مما يسلط الضوء على احتياجاتها المتزايدة من الطاقة إذ واجهت انخفاضا في إنتاج الغاز المحلي وإمدادات أقل موثوقية من إسرائيل وسط توتراتها المستمرة مع حماس"، في إشارة إلى حرب غزة التي اندلعت في أكتوبر/تشرين الأول 2023.

رفعت الحكومة أسعار المحروقات بنسبة تصل إلى 17 في المئة، وكذلك أسعار الغاز لبعض الصناعات الكثيفة الاستهلاك للطاقة. وهذه الزيادة الأولى خلال السنة الجارية بعد زيادة العام المنصرم

وأضافت، "لقد استوردت البلاد ما مجموعه 9.01 ملايين طن متري من الغاز الطبيعي المسال العام الماضي المنصرم، أي ما يعادل 129 شحنة، حسبما أظهرت بيانات من "بلاتس"، لشركة "ستاندرد آند بورز للطاقة العالمية"، مع جاء 90.9 في المئة منها من الولايات المتحدة".

حرب إيران تفاقم التضخم وتضعف الجنيه المصري

تعرضت الحكومة المصرية لمزيد من الضغوط خلال حرب إيران الحالية، بعد الإغلاق شبه الكلي لمضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خمس استهلاك النفط وتجارة الغاز الطبيعي في العالم. وأدت الحرب، التي اندلعت في أواخر فبراير/شباط بعد هجوم الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، إلى ارتفاع أسعار الطاقة، وتسببت أيضا في انخفاض قيمة الجنيه المصري، مما زاد الضغوط المالية على البلاد. 

رويترز
بحّارة من البحرية الأميركية ضمن فريق مراقبة الزوارق الصغيرة على ممرّ جانبي في حاملة الطائرات "يو إس إس جيرالد آر. فورد" أثناء عبورها قناة السويس، في طريقها لدعم هجوم عملية "الغضب الملحمي"، 5 مارس 2026

وعلى مدى أسابيع بعد نشوب الحرب، نفذت مصر إغلاقا مبكرا للمتاجر والمقاهي والمطاعم ضمن إجراءات لترشيد استهلاك الطاقة، على الرغم من أن موسم الصيف لم يحل بعد. لكن السلطات عادت لاحقا وألغت القرار تدريجيا، وسط انتقادات واسعة من أصحاب الأعمال وتقارير أشارت إلى محدودية وفورات الطاقة المحققة مقارنةً بالأضرار الاقتصادية الناتجة منه.

ورفعت الحكومة أيضا أسعار المحروقات بنسبة تصل إلى 17 في المئة، وكذلك أسعار الغاز لبعض الصناعات الكثيفة الاستهلاك للطاقة. تُعد هذه الزيادة الأولى خلال السنة الجارية، وجاءت بعد زيادة سابقة تراوحت بين 10.5 و12.9 في المئة في أكتوبر/تشرين الأول الماضي. وكانت مصر قد أعلنت حينها تجميد أسعار الوقود المحلية لمدة لا تقل عن عام، مبررة القرار بالتطورات المحلية والإقليمية والعالمية.

ينظر إلى اجراءات توفير الطاقة على أنها سلاح ذو حدين: فبينما تخفف المشاكل المالية، فإنها تؤثر سلبا على الاقتصاد من خلال تسريع التضخم، وتباطؤ التصنيع واتساع العجز التجاري

وفي مطلع مايو/أيار الجاري، رفعت الحكومة المصرية أسعار ‌الغاز الطبيعي لعدد من الصناعات الكثيفة الاستهلاك للطاقة بما يقرب 20 في المئة.

أ.ف.ب.
منشأة غاز طبيعي في منطقة حلوان، مصر 6 فبراير 2023

وينظر إلى مثل هذه التدابير لتوفير الطاقة على نطاق واسع على أنها سلاح ذو حدين: ففي وقت تساهم في تخفيف الضغوط المالية، فإنها تؤثر سلبا على الاقتصاد من خلال تسارع ارتفاع التضخم، وتباطؤ التصنيع واتساع العجز التجاري، وإعاقة عمل الشركات في مختلف القطاعات.

تشجيع الشركات على الحفر والاستكشاف

وقال الوزير بدوي في بيان لوزارة النفط والثروة المعدنية، إن انتظام السداد الشهري لشركات الطاقة "يسهم في تعزيز ثقة الشركاء وتشجيعهم على زيادة استثماراتهم في أنشطة البحث والاستكشاف وتنمية الإنتاج، بما يدعم الإنتاج المحلي ويحد من فاتورة الاستيراد".

وتأمل الحكومة أن تسهم تسوية الدين في تحقيق تعهدات استثمارية تبلغ قيمتها 19 مليار دولار تقريبا من شركات مختلفة في مصر:

8 مليارات دولار من شركة "إيني" الإيطالية

5 مليارات دولار من شركة "بي بي" البريطانية

4 مليارات دولار من شركة "أباتشي" الأميركية

2 مليار دولار من شركة "أركيوس إنرجي" الإماراتية

وقال لاكوتور من شركة "كبلر" إن عدم قدرة مصر على سداد الديون "كانت عاملا مقيدا بشكل مستمر في جهودها لتعويض انخفاض الإنتاج على مدى السنوات القليلة الماضية".

صارت مصر مصدرا صافيا للغاز الطبيعي المسال في عام 2019 بعد اكتشاف حقل ظهر الضخم التابع لشركة "إيني"، مما أدى إلى التغلب على النقص المحلي الذي أوقف عمليات التسييل في محطاتها بدمياط وإدكو لسنوات

وأضاف، "ألغت "إيني" و"بي. بي." وشركات أخرى أو أجلت مشاريع حفر استجابة لتأخر المدفوعات واستأنفت نشاطاتها بمجرد استئناف السداد ". وأكمل، "بينما استمر الإنتاج في الانخفاض، فإن وضع الإمدادات في مصر كان سيكون بلا شك أسوأ لو لم تتم أعمال الحفر في خلال العام المنصرم".

مصر ما بين ضغوط استيراد الغاز وطموحات تصديره

شهدت مصر خلال السنوات المنصرمة تقلبا بين كونها مستوردة ومصدرة للغاز، وذلك نتيجة التغيرات المستمرة في إنتاجها واحتياجاتها المحلية.

وأصبحت البلاد مصدرا صافيا للغاز الطبيعي المسال في عام 2019 بعد اكتشاف "حقل ظهر" الضخم التابع لشركة "إيني"، ما سمح بالتغلب على النقص المحلي الذي أدى إلى وقف عمليات التسييل في محطاتها بدمياط وإدكو لسنوات.

أ.ف.ب.
قارب يعبر نهر النيل في الليل خلال ساعات ترشيد الكهرباء، بالقرب من الجيزة 24 مارس 2026

وقفزت صادرات مصر من الغاز في السنوات التالية، لتصل قيمتها إلى 8.4 مليارات دولار في عام 2022 – وهو ما يقارب المتوسط ​​السنوي لعائدات قناة السويس. وأحيت تلك الطفرة، لفترة من الوقت، طموح مصر في أن تصبح مركزا إقليميا لتصدير الغاز.

لكن إنتاج حقل ظهر انخفض بعد فترة وجيزة لينهي الدفعة الاقتصادية، وتحولت مصر مرة أخرى إلى مستورد صاف للغاز بعد عامين. ومنذ عام 2024، أنفقت الحكومة المصرية مليارات الدولارات لتأمين الغاز الطبيعي المسال حتى عام 2028.

تأمل الحكومة أن تؤدي صفقتها مع إسرائيل، التي تبلغ قيمتها 35 مليار دولار، الى تزويد مصر بالغاز الطبيعي من عام 2026 إلى عام 2040 

وتأمل الحكومة أن تؤدي صفقتها مع إسرائيل، والتي تبلغ قيمتها 35 مليار دولار لتزويد مصر بالغاز الطبيعي بين عامي 2026 و2040، والتي أعلن عنها في أواخر العام المنصرم، إلى الحد من اعتماد الدولة الأكبر من حيث عدد السكان في الشرق الاوسط على شحنات الغاز الطبيعي المسال وخفض تكاليف الطاقة.

هل يمكن لمصر أن تتحول إلى مصدر للطاقة؟

تعد بعض الاكتشافات المصرية الحديثة واعدة، بما في ذلك اكتشاف حقل "دينس" في شرق البحر الأبيض المتوسط ​، إذ كشفت "إيني" في أبريل/نيسان عن بئر استكشافية تحتوي على نحو 2 تريليون قدم مكعب من الغاز، وفقا للتقديرات الأولية.

أ.ف.ب.
منشأة غاز طبيعي في منطقة حلوان، جنوب القاهرة 6 فبراير 2023

علاوة على ذلك، وقعت الشركة المصرية القابضة للغاز الطبيعي التي تديرها الدولة في أبريل/نيسان صفقة مدتها 15 عاما لشراء كامل إنتاج حقل غاز "أفروديت" القبرصي عند بدء بتشغيله خلال نحو ست سنوات، مع إمكان تمديد الاتفاقية لمدة خمس سنوات أخرى. وسيربط مشروع آخر حقل غاز "كرونوس" القبرصي بمنشآت الغاز وتسييل الغاز في مصر.

وردا على سؤال عن احتمال أن تتحول مصر مرة أخرى إلى مصدر صاف للغاز، قال لاكوتور: "إنه أمر ممكن بالتأكيد، لكن احتمال حدوث ذلك في العقد الحالي ضئيل". وأضاف أن حتى بدايات العقد المقبل "من غير المتوقع دخول مشاريع كبيرة محتملة مثل أفروديت أو كرونوس في مرحلة الانتاج، ما لم تتخذ قرارات استثمارية نهائية"، وحتى ذلك الحين، "فإن معظم التطورات في مصر ستؤدي إلى إبطاء التدهور" من دون أن تشهد عودتها الى تصدير الغاز.

font change