حرب إيران تختبر صمود الاقتصاد المصريhttps://www.majalla.com/node/330265/%D8%A7%D9%82%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%AF-%D9%88%D8%A3%D8%B9%D9%85%D8%A7%D9%84/%D8%AD%D8%B1%D8%A8-%D8%A5%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86-%D8%AA%D8%AE%D8%AA%D8%A8%D8%B1-%D8%B5%D9%85%D9%88%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%82%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B5%D8%B1%D9%8A
حين رفعت مصر أسعار الوقود محليا بنسبة بلغت 17 في المئة مطلع مارس/آذار، عزت السلطات ذلك إلى اضطراب أسواق الطاقة العالمية بفعل الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران. وبعد أسابيع قليلة، مضت الحكومة خطوة أبعد، فأمرت بإغلاق المتاجر والمقاهي ومراكز التسوق في وقت أبكر، وخفضت إنارة الشوارع، ووسعت إجراءات ترشيد استهلاك الكهرباء حفاظا على الوقود.
يكشف هذا الانتقال من رفع الأسعار إلى فرض قيود مباشرة على الاستهلاك، مدى السرعة التي نفذت بها آثار النزاع إلى الاقتصاد المصري. لكن مصر لا تكتفي بتلقي الصدمة. فبحكم تموضعها في قلب التجارة العالمية وتدفقات الطاقة الإقليمية، نجدها تنقل الأزمة أيضا إلى ما وراء حدودها.
لقد أعادت الحرب، التي اندلعت في 28 فبراير/شباط بضربات أميركية وإسرائيلية منسقة استهدفت مواقع إيرانية، تشكيل الأوضاع الاقتصادية بسرعة في مختلف أنحاء الشرق الأوسط. فقد قفزت أسعار النفط إلى أكثر من 100 دولار للبرميل في المرحلة الأولى من النزاع، وغدت طرق الشحن أكثر خطرا، فيما أخذ المستثمرون يسحبون رؤوس أموالهم من الأسواق الأشد تعرضا للخطر. وبشكل خاص، تراجعت تدفقات الاستثمار إلى سندات الأسواق الناشئة واستقرت في الأسهم بعد موجة صعود، مما دفع المستثمرين للابتعاد عن الأصول الأعلى مخاطرة. وعلى الرغم من قوة الأسس الاقتصادية لبعض هذه الأسواق، حوّل تصاعد المخاطر الجيوسياسية التوقعات من بيئة مؤاتية إلى مخاوف من ركود تضخمي قد يضغط على الأداء.
بسبب حرب إيران، غدت طرق الشحن أكثر خطرا، فيما أخذ المستثمرون يسحبون رؤوس أموالهم من الأسواق الأشد تعرضا للخطر
ونادرا ما يحمي الحياد الدول من الهزات الإقليمية. فالدول التي تبقى خارج الحروب غالبا ما تتحمل التبعات الاقتصادية من دون أن يكون لها تأثير يذكر في مسار تلك الصراعات. ويقوم الاقتصاد المصري على التجارة البحرية والطاقة المستوردة والاستثمار الأجنبي، مما يجعله شديد الانكشاف أمام الاضطراب الإقليمي. وحتى من دون الانخراط في الحرب، بدأت مصر بالفعل تلمس تكلفتها الاقتصادية، ولا تملك إلا أن تمرر جانبا من هذه التكلفة إلى غيرها.
عامل يملأ خزان دراجة نارية في محطة وقود في الجيزة، 10 مارس 2026
ترتبط أهمية مصر في التجارة العالمية بموقعها الجغرافي، وتلعب قناة السويس دورا كبيرا في هذا الموقع، إذا تعبرها ما بين 12 و15 في المئة من تجارة العالم، ونحو 25 إلى 30 في المئة من حركة الحاويات، مما يجعلها أحد أهم المسارات البحرية في الاقتصاد العالمي. غير أن هذه الجغرافيا نفسها تجعل مصر عرضة للاضطراب كلما امتد النزاع إلى ممرات الشحن الأخرى في المنطقة. فقد أسهم الرد الإيراني في زعزعة الاستقرار في مضيق هرمز، الذي يمر عبره عادة نحو خُمس نفط العالم، فيما رفعت الأزمة الأوسع منسوب المخاطر أمام السفن المبحرة عبر البحر الأحمر في اتجاه قناة السويس.
تراجع حركة السفن
ولا تحتاج مصر إلى أن تكون طرفا في الحرب لكي تطال تداعياتها أهم أصولها الاقتصادية. يقدّر محللون في القطاع البحري أن حركة السفن عبر القناة تراجعت بنحو 50 في المئة في الأسابيع التي أعقبت اندلاع الحرب مباشرة، بعدما أعادت شركات الشحن تقييم سلامة المسارات الإقليمية وتكلفتها. وينذر هذا التطور بخطر بالغ على المالية المصرية. فالقناة تعد من أكبر مصادر النقد الأجنبي للبلاد، وقد حققت إيرادات قياسية بلغت 9.4 مليارات دولار في السنة المالية 2022 - 2023. لكنها هبطت، في حلول عام 2024، بنحو 60 في المئة لتخسر 7 مليارات دولار، بعدما دفعت اضطرابات سابقة حركة الشحن بعيدا من هذا المسار. واليوم، تهدد أزمة مضيق هرمز بترسيخ هذا التراجع وتعميقه.
تعبر قناة السويس ما بين 12 و15 في المئة من تجارة العالم، ونحو 25 إلى 30 في المئة من حركة الحاويات
لكن التداعيات لا تقف عند حدود مصر. فقناة السويس أحد الشرايين الرئيسة للتجارة العالمية، تصل بين مصانع آسيا وأسواق أوروبا. واستمرار الاضطراب فيها لا يقلص الإيرادات المصرية فحسب، وإنما يرفع أيضا تكلفة الشحن، ويطيل آجال التسليم، ويغذي الضغوط التضخمية في اقتصادات عدة.
صورة جوية لتوسيع قناة السويس في الفردان، شمال الإسماعيلية، شمال شرق مصر، 23 مارس 2024
ويبدأ الاضطراب من الخليج نفسه. فمنذ اندلاع الحرب، تعرض ما لا يقل عن 20 سفينة تجارية لهجمات أو أضرار في مضيق هرمز والمياه المحيطة به. وقد أنذر مسؤولون إيرانيون أنهم سيبقون المضيق مغلقا في وجه ما يصفونه بـ"الملاحة المعادية"، تاركين السفن في مواجهة ألغام بحرية وطائرات مسيرة وضربات صاروخية تنطلق من الأراضي الإيرانية. وحتى مع الخطط الأميركية لمواكبة السفن التجارية والمساعدة في تغطية تكلفة التأمين، فإن البيئة غير الآمنة هذه تدفع معظم ناقلات النفط إلى الإحجام عن العبور.
وفي بعض الحالات، ارتفعت أقساط التأمين ضد أخطار الحرب على السفن العاملة في مياه الشرق الأوسط إلى أكثر من عشرة أضعاف، مما أضاف مئات آلاف الدولارات إلى تكلفة الرحلة الواحدة. وأمام هذه الأعباء، باتت شركات الشحن تميل أكثر فأكثر إلى اختيار طرق أطول، لكنها أكثر أمانا.
سفينة تبحر على طول قناة السويس في مصر بالقرب من الإسماعيلية، 16 أبريل 2025
وكلما قلّ عدد السفن الخارجة من الخليج، تراجع عدد السفن العابرة للبحر الأحمر، ثم لقناة السويس في نهاية المطاف. وإذا أضيف إلى ذلك، احتمال استئناف الحوثيين هجماتهم في البحر الأحمر، كانت النتيجة اضطرابا متراكما يمتد على طول هذا الممر بأكمله.
وفي هذا النظام، تؤدي مصر دور متلق للصدمات الاقتصادية وناقلها في آن. فالاضطرابات التي تبدأ في الخليج لا تتوقف عند حدودها، وإنما تمر عبر البنية التحتية المصرية ونظمها المالية إلى سلاسل الإمداد العالمية، فتضاعف أثرها على نحو يتجاوز المنطقة بكثير.
صدمة اقتصادية تضرب نظاما هشا
يأتي اضطراب التجارة البحرية في وقت يمر فيه الاقتصاد المصري أصلا في مرحلة هشة. ففي السنوات الأخيرة، واجهت البلاد معدلات تضخم مرتفعة من المتوقع أن تبلغ 11.8 في المئة في عام 2026 حسب تقديرات صندوق النقد، وتراجعا في قيمة الجنيه، وارتفاعا في الدين الخارجي. فقد فقد الجنيه المصري أكثر من نصف قيمته أمام الدولار الأميركي منذ عام 2022، بعد خفوضات عدة في قيمة العملة، فيما بات شح العملة الأجنبية تحديا مزمنا يواجه الشركات والحكومة على السواء.
ارتفاع الدولار في مقابل الجنيه، وتجاوز مستوى 50 جنيها، على خلفية اتساع الصراع الأميركي-الإسرائيلي مع إيران، القاهرة، 9 مارس 2026
وقد تجاوز الدين الخارجي الآن 160 مليار دولار، بينما لا تزال البلاد تعتمد على التمويل الدولي وبرامج صندوق النقد الدولي للحفاظ على الاستقرار. وتبلغ احتياطيات النقد الأجنبي نحو 53 مليار دولار، وهي لا توفر إلا هامشا محدودا للمناورة لبلد يستورد كميات كبيرة من الوقود والسلع الصناعية والغذاء.
خروج "الأموال الساخنة"
في هذا السياق، أربك النزاع الجديد الأسواق المالية. ويقدّر مصرفيون أن ما بين 5 و8 مليارات دولار من استثمارات المحافظ الأجنبية خرجت من مصر في الأسابيع التي أعقبت اندلاع الحرب، مع خروج المستثمرين من سوق أذون وسندات الخزانة المصرية نتيجة تصاعد المخاطر الإقليمية. ويعتمد النظام المالي المصري بدرجة كبيرة على هذه التدفقات القصيرة الأجل، التي توصف غالبا بأنها "أموال ساخنة"، وسرعان ما تنعكس وجهتها عند اشتداد الاضطرابات. وقد دفع هذا الضغط الجنيه المصري إلى تجاوز مستوى 52 جنيها للدولار الأميركي، بما يزيد تكلفة الواردات ويضيف مزيدا من الضغوط التضخمية.
وتتجلى أشد الضغوط إلحاحا اليوم في منظومة الطاقة المصرية. فقد أدى ارتفاع أسعار النفط العالمية إلى زيادة حادة في تكلفة الواردات على بلد لا يزال مستوردا صافيا للمشتقات النفطية. وقفزت فاتورة واردات مصر الشهرية من الغاز الطبيعي من نحو 560 مليون دولار قبل الحرب إلى ما يقارب 1.65 مليار دولار، أي ما يقارب ثلاثة أضعافها للكميات نفسها.
تلقي احتياطيات النقد الأجنبي المتراجعة بظلالها على الشارع المصري، في وقت تتجه الحكومة إلى توفير الطاقة من أجل التصدير
ودفعت هذه الضغوط الحكومة إلى أكثر من مجرد تعديل الأسعار. ففرض مواعيد إغلاق أبكر للأنشطة التجارية، وخفض إنارة الشوارع، واحتمال اللجوء إلى العمل عن بعد، كلها مؤشرات إلى انتقال من المعالجة المالية إلى ترشيد مادي مباشر لاستهلاك الطاقة.
وهذه خطوات شديدة الحساسية سياسيا. فمصر دولة طالما تحولت فيها الضغوط الاقتصادية إلى توتر اجتماعي، كما ترتبط إمدادات الكهرباء ارتباطا وثيقا بالاستقرار العام. ويعكس هذا القرار حجم الصدمة التي تواجهها الحكومة. كما يكشف ضغوطا لا تقتصر آثارها على الداخل المصري. فتراجع إمدادات الغاز وارتفاع تكلفة الوقود يحدان من قدرة مصر على تصدير الغاز الطبيعي المسال إلى الأسواق الأوروبية، في وقت لا يزال فيه أمن الطاقة يحتل موقعا محوريا.
قفزت فاتورة واردات مصر الشهرية من الغاز الطبيعي من نحو 560 مليون دولار قبل الحرب إلى ما يقارب 1.65 مليار دولار، أي ما يقارب ثلاثة أضعافها للكميات نفسها
في الوقت نفسه، تربك الحرب طموح مصر الأبعد مدى في ترسيخ موقعها مركزا إقليميا للغاز. فعلى مدى العقد الماضي، سعت القاهرة إلى توظيف بنيتها التحتية الخاصة بالغاز الطبيعي المسال، ولا سيما محطتا إدكو ودمياط، من أجل معالجة الغاز القادم من شرق المتوسط وإعادة تصديره. وقد اعتمدت هذه الاستراتيجيا إلى حد كبير على الغاز المستورد، وخصوصا من إسرائيل، على أن تعيد مصر تصدير الغاز الطبيعي المسال إلى أوروبا ضمن الجهود الرامية إلى تنويع مصادر الإمداد بعد حرب أوكرانيا.
غير أن مثل هذه الطموحات تقوم على سلاسل إمداد إقليمية مستقرة. ويبين النزاع الحالي مدى السرعة التي يمكن أن ينهار فيها هذا الاستقرار. فبعد اندلاع الأعمال القتالية في أواخر فبراير/شباط، علّقت إسرائيل صادرات الغاز وأوقفت العمل في مواقع إنتاج بحرية رئيسة، منها حقلا تمار وليفياثان. وأدى ذلك إلى توقف ما يراوح بين 1.0 و1.1 مليار قدم مكعبة يوميا من الغاز المنقول عبر الأنابيب إلى مصر. وتشكل الواردات الإسرائيلية عادة نحو 15 إلى 20 في المئة من مجمل استهلاك مصر من الغاز، مما يعني أن هذا الانقطاع يترك أثرا مباشرا في توليد الكهرباء وفي قدرة البلاد على تصدير الغاز الطبيعي المسال. ومع تراجع الإنتاج المحلي أساسا، من نحو 70 مليار متر مكعب في عام 2021 إلى قرابة 50 مليارا في حلول 2024، يغدو هامش المناورة محدودا.
بحّارة من البحرية الأميركية ضمن فريق مراقبة الزوارق الصغيرة على ممرّ جانبي في حاملة الطائرات "يو إس إس جيرالد آر. فورد" أثناء عبورها قناة السويس، في طريقها لدعم هجوم عملية "الغضب الملحمي"، 5 مارس 2026
وعليه، فإن انقطاع الغاز المستورد يدفع الحكومة إلى الاعتماد على أنواع وقود أعلى تكلفة، مثل الديزل وزيت الوقود، وهي قد تكلف ضعفين إلى ثلاثة أضعاف لكل وحدة كهرباء مولدة، من أجل إبقاء إنتاج الكهرباء. وهذا يرفع التكلفة المالية، ويزيد الضغط على احتياطات النقد الأجنبي، ويضاعف خطر حدوث نقص في الكهرباء، ولا سيما في ذروة الطلب الصيفي حين قد يتجاوز الاستهلاك 35 غيغاواط. وقد بلغ الحمل الأقصى اليومي 40 غيغاواط في عام 2025، بزيادة بلغت 8 في المئة عن العام الذي سبقه.
دعم خليجي تحت الضغط
تغدو مواطن الضعف هذه أشد خطورة في الظرف الراهن، لأن ما تحقق لمصر من استقرار اقتصادي في السنوات الأخيرة قام، إلى حد بعيد، على دعم مالي متصل من شركائها الخليجيين. وتشير التقديرات إلى أن دول الخليج، وفي مقدمتها الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، قدمت منذ عام 2013 أكثر من 100 مليار دولار في هيئة مساعدات وودائع واستثمارات مجتمعة.
وفي الآونة الأخيرة، عاد التمويل الخارجي ليلعب دورا حاسما في تجنيب البلاد أزمة أعمق. يشمل ذلك صفقة تطوير رأس الحكمة المدعومة إماراتيا بقيمة 35 مليار دولار، التي أُعلنت في عام 2024، إلى جانب توسيع برنامج صندوق النقد الدولي إلى 8 مليارات دولار، وحزمة أوروبية بقيمة 7.4 مليارات يورو، ودعم من البنك الدولي بقيمة 6 مليارات دولار.
قدّمت دول الخليج منذ عام 2013 أكثر من 100 مليار دولار في هيئة مساعدات وودائع واستثمارات مجتمعة إلى مصر
غير أن استدامة شريان التمويل هذا ليست مضمونة. فحرب طويلة أو متصاعدة مع إيران قد تفرض ضغوطا كبيرة على اقتصادات الخليج، التي لا تزال تعتمد بدرجة كبيرة على صادرات الهيدروكربون والتجارة البحرية. كما أن استمرار الاضطراب في حركة الشحن عبر مضيق هرمز من شأنه أن يزيد تقلب عائدات التصدير، ويرفع تكلفة النقل والتأمين، وربما يحد من الفوائض المالية.
وفي مثل هذا السيناريو، قد تعطي الحكومات الخليجية الأولوية لتثبيت أوضاعها الداخلية وتعزيز احتياطاتها الاستراتيجية على حساب الالتزامات المالية الخارجية. ومصر، التي تقدر احتياجاتها السنوية من التمويل الخارجي بنحو 25.9 مليار دولار في السنة المالية 2025/2026، على أن تتجاوز 30 مليار دولار في 2026/2027، لا تملك هامشا يذكر لتحمل أي تراجع في هذا الدعم.
أهمية استقرار مصر
ولا ريب في أن بلدا يتجاوز عدد سكانه 120 مليون نسمة، ويشرف على واحد من أهم الممرات التجارية في العالم، من شأن أي اضطراب فيه أن يخلّف أثرا مباشرا في سلاسل الإمداد العالمية والأمن الإقليمي، وأن يزيد أيضا الضغوط الاقتصادية وضغوط الهجرة على أوروبا.
فالقاهرة تلعب دورا محوريا في إدارة التوترات المتصلة بإسرائيل والفصائل الفلسطينية، وقد اضطلعت تاريخيا بدور الوسيط الرئيس في مفاوضات وقف إطلاق النار. كما تجاور مصر عددا من الساحات الهشة، وفي مقدمها السودان وليبيا، حيث شكل حضورها السياسي والأمني والاستخباراتي عاملا مهما في الحفاظ على قدر من الاستقرار.
وفي الوقت نفسه، تعد مصر شريكا أساسيا للحكومات الأوروبية في إدارة ملف الهجرة وفي التعاون في مكافحة الإرهاب. وقد لعبت السلطات المصرية دورا ملحوظا في الحد من تدفقات الهجرة غير النظامية المنطلقة من سواحلها. ووقّع الاتحاد الأوروبي ومصر في مارس/آذار 2024 شراكة استراتيجية شاملة مبنية على ستة محاور، من أبرزها الأمن والهجرة، مع تخصيص 200 مليون يورو لدعم إدارة الهجرة. ويستند هذا التعاون إلى اتفاقية الشراكة منذ 2004، حيث قدّم الاتحاد حتى الآن 171 مليون يورو لتعزيز ضبط الحدود ومكافحة الاتجار بالبشر وتشجيع العودة الطوعية. ويُعد التعاون مع مصر من الأكثر نجاحا مقارنة بدول أخرى، بفضل السياسات الصارمة التي حدّت من انطلاق قوارب الهجرة غير الشرعية، خاصة منذ إطلاق الاستراتيجيا الوطنية للفترة 2016–2026.
سوق شعبي للخضر في القاهرة، 12 مارس 2026
وأخيرا فإن ارتفاع التضخم والضغط على العملة، والبطالة التي بلغت 6.2 في المئة في الربع الرابع من 2025، ونقص الطاقة، وارتفاع التكلفة، كلها عوامل تنذر بتفاقم الضغوط الداخلية.
وفي أفضل السيناريوهات، قد تفضي هذه الضغوط إلى زيادة هجرة العمالة، وتعاظم الاعتماد على التحويلات المالية التي بلغت 41.5 مليار دولار عام 2025، وتشديد القيود المالية بما يحد من انخراط مصر الإقليمي. أما في أسوأ السيناريوهات، فقد تفضي إلى تقليص قدرة القاهرة على أداء دورها عامل استقرار في أزمات الجوار، وزيادة احتمالات امتداد التداعيات الإقليمية في صورة موجات هجرة أكبر، وتراجع في التعاون الأمني، وانحسار في القدرة على التوسط في النزاعات.
حدود الحياد واحتواء تداعيات الحرب
في مواجهة هذه الضغوط، تحركت مصر ديبلوماسيا، بالتعاون مع شركاء إقليميين ودوليين، سعيا إلى احتواء النزاع، غير أن قدرتها على التأثير في مآلاته لا تزال محدودة.
وهكذا تجد البلاد نفسها مرة أخرى في قلب معضلة مألوفة، حيث تتعرض لتداعيات أزمة لا تملك تأثيرا حاسما في دوافعها الأساس. وفي هذا الموقع، لا تقف مصر عند حد تلقي الصدمات، بل تصبح أيضا معبرا لانتقالها. وحين تتعرض هذه الأنظمة للاهتزاز، يغدو الحياد أضعف من أن يوفر حماية تذكر.