وخلال تلك السنوات، لجأت مصر إلى طيف واسع من الوسطاء، من بينهم الاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة. وفي الآونة الأخيرة، دخل الرئيس الأميركي دونالد ترمب على خط المساعي الدبلوماسية في محاولة لكسر الجمود. ويبقى نجاحه، حيث أخفق غيره، مرهونا بتطورات الأشهر المقبلة.
ومهما تكن النتيجة، فقد تركت محاولات إثيوبيا التحكم في تدفق النيل أثرا عميقا في التفكير الاستراتيجي المصري. ويظل النهر في نظر القاهرة منبع البقاء الوطني، وأي تهديد له يترك تداعيات طويلة الأمد.
استراتيجية التفتيت
يضيف سعي إثيوبيا إلى الوصول للبحر الأحمر بعدا جديدا إلى علاقتها المتوترة أصلا مع مصر. وعلى الرغم من أن القاهرة ليست الدولة الوحيدة بين الدول المشاطئة للبحر الأحمر التي ترفض حضورا سياديا لإثيوبيا، فإنها تبقى الأكثر حساسية تجاه هذه المسألة، بسبب سدّ النهضة، الذي خلّف قدرا كبيرا من الشكوك، وأسهم في تشكيل نظرة مصر إلى الطموحات الإثيوبية على مدى أجيال مقبلة.
ولا يزال المسؤولون المصريون مقتنعين بأن حجم السد يتجاوز متطلبات توليد الكهرباء، ويعكس أهدافا استراتيجية أوسع ترمي إلى ممارسة الضغط على مصر عبر التحكم في مصدرها المائي الرئيس.
وتنظر القاهرة إلى المسعى الإثيوبي نحو تثبيت حضور على البحر الأحمر بعين الريبة نفسها. ويعتقد صناع القرار في مصر أن خطوة كهذه قد تؤسس لسابقة تستجلب قوى منافسة إلى منطقة تمثل أحد الأعمدة الحيوية للأمن الاقتصادي المصري.
وتتجاوز أبعاد القضية نطاق الاقتصاد. فالمسألة، في منظور القاهرة، تمس مستقبل التوازنات الإقليمية، وتثير تساؤلات حول ما إذا كانت الخرائط الراهنة ستخضع لإعادة تشكيل على نحو يخدم مصالح قوى بعينها.
ومن هذا المنطلق، باتت الطموحات الإثيوبية في البحر الأحمر تعكس اتجاها أوسع نحو التفكك الجيوسياسي الذي أخذت ملامحه تتبلور خلال السنوات الأخيرة. وقد أسهمت هذه الدينامية في استقطاب المنطقة إلى معسكرين متقابلين: أحدهما يرى في إضعاف الدول القائمة وتفكيكها مدخلا لتحقيق أهدافه، بينما يلتف المعسكر الآخر، الذي تتقارب ضمنه مصر والسعودية، حول هدف صون تماسك الدول والحفاظ على سلامة البنية الإقليمية.
نقطة الاحتكاك
عند النظر إلى الصورة في مجملها، يتبين أن الحرب في السودان، واعتراف إسرائيل بإقليم أرض الصومال المنفصل، ومساعي إثيوبيا للوصول إلى البحر الأحمر، والتوترات المتجددة بينها وبين إريتريا، والتطلعات الانفصالية في جنوب اليمن، تشكل جميعها ملامح مشهد مترابط تتداخل فيه الخيوط وتتقاطع فيه المصالح.
تعكس هذه التطورات تجليات متعاقبة لدينامية تفتيت آخذة في التشكل، تخدم طموحات أطراف إقليمية تسعى إلى بسط هيمنة شاملة. ووفق هذا التصور، يمر تحقيق هذه الهيمنة عبر إضعاف الدول القائمة، وعند الضرورة تفكيك تماسكها وتجريدها من قدرتها على الصمود.