لماذا لن تسمح مصر لأديس أبابا بالوصول إلى البحر الأحمر؟

القاهرة لا تنوي الوقوف موقف المتفرج

أ ف ب
أ ف ب
مجموعة من الصبية يراقبون بفضول أفراس النهر وهي تقترب من شواطئ بحيرة ديمبل، إحدى بحيرات وادي الصدع الأوسط في إثيوبيا التي تأثرت لفترة طويلة بالاستخدام المفرط والتلوث، في باتو في 22 مايو 2025.

لماذا لن تسمح مصر لأديس أبابا بالوصول إلى البحر الأحمر؟

يحمل سعي إثيوبيا إلى تأمين منفذ على البحر الأحمر تداعيات تتجاوز حدود القرن الأفريقي وتمتد إلى آفاق أوسع. ويعود ذلك في جانب كبير منه إلى الرفض الراسخ لدى الدول المشاطئة للبحر الأحمر لأي موطئ قدم إثيوبي على هذا الشريان الحيوي للتجارة العالمية.

ينبع هذا الرفض من قناعة عميقة بأن مثل هذا التطور يطلق موجات متواصلة من عدم الاستقرار. وعلى مدى أشهر، صعّد رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد من حدة خطابه بشأن هذه القضية. ففي كلمته أمام القمة التاسعة والثلاثين للاتحاد الأفريقي في أديس أبابا يوم 14 فبراير/شباط، قدم الوصول إلى البحر الأحمر بوصفه ضرورة لاستقرار منطقة القرن الأفريقي. وبعد ثلاثة أيام، عاد ليؤكد هذا التوجه خلال محادثاته مع الرئيس التركي الزائر رجب طيب أردوغان.

يرى آبي أحمد أن حرمان إثيوبيا من منفذ إلى البحر الأحمر يشكل إجحافا بحق دولة يبلغ عدد سكانها 130 مليون نسمة. ويشدد مسؤولون إثيوبيون على أن الموقع الجغرافي الحبيس لبلادهم يحرمها من فرص اقتصادية حيوية ويقيد مسار تنميتها.

يثير إصرار إثيوبيا على إيجاد موطئ قدم لها على البحر الأحمر شبح مواجهة محتملة مع الدول المشاطئة، وفي مقدمتها مصر

غير أن الرواية الإثيوبية تتجاوز مسألة البحث عن ممر تجاري إلى البحر، إذ تتركز على تأمين حضور سيادي على شواطئه، رغم أن إثيوبيا، ضمن حدودها الراهنة، لا تطل عليه. وهنا يتجلى مصدر القلق المتزايد.

فمثل هذا الحضور السيادي يعيد رسم الخريطة الإقليمية ويمس السلامة الإقليمية للدول المجاورة، كما يفتح الباب أمام صراعات طويلة الأمد في منطقة ترزح تحت وطأة خصومات تاريخية عميقة وتقف على حافة انفجار جديد.

أ ف ب
حضر رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي اجتماع مجلس السلام والأمن التابع للاتحاد الأفريقي، بشأن الوضع في السودان وجمهورية الكونغو الديمقراطية، في مقر الاتحاد الأفريقي في أديس أبابا في 14 فبراير 2025.

جروح قديمة

يثير إصرار إثيوبيا على إيجاد موطئ قدم لها على البحر الأحمر شبح مواجهة محتملة مع الدول المشاطئة، وفي مقدمتها مصر. ويعكس الخلاف بين القاهرة وأديس أبابا تعقيدا عميقا وتشابكا متعدد المستويات.

تقع مصر في المصب النهائي لنهر النيل، الذي ينبع نحو 85 في المئة من مياهه من الأراضي الإثيوبية. ويثير أي تهديد لهذا الشريان الحيوي قلقا عميقا في القاهرة، ولا سيما في ظل مساعي إثيوبيا إلى إقامة سدود على أطول أنهار أفريقيا. ويحتجز سد النهضة الإثيوبي الكبير، المقام على النيل الأزرق، الرافد الرئيس للنهر، كميات هائلة من المياه داخل خزانه الضخم. ويخشى مسؤولون مصريون أن يؤدي ذلك إلى حرمان البلاد من مصدرها الأساسي للمياه العذبة وتعريضها لمخاطر جفاف قاس.

وعلى مدى أكثر من عقد، سعت القاهرة إلى إبرام اتفاق ملزم يحفظ حصتها السنوية من مياه النيل، غير أن هذه الجهود لم تفض إلى نتيجة، ما أبقى 110 ملايين مصري عرضة لقرارات دول المنبع. واستند موقف أديس أبابا باستمرار إلى اعتبار مياه النيل موردا سياديا وطنيا، لا ضرورة مشتركة تقوم عليها حياة دول أخرى، وهو ما شكل عائقا متكررا أمام المفاوضات.

تتجاوز أبعاد القضية نطاق الاقتصاد. فالمسألة، في منظور القاهرة، تمس مستقبل التوازنات الإقليمية، وتثير تساؤلات حول ما إذا كانت الخرائط الراهنة ستخضع لإعادة تشكيل على نحو يخدم مصالح قوى بعينها

وخلال تلك السنوات، لجأت مصر إلى طيف واسع من الوسطاء، من بينهم الاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة. وفي الآونة الأخيرة، دخل الرئيس الأميركي دونالد ترمب على خط المساعي الدبلوماسية في محاولة لكسر الجمود. ويبقى نجاحه، حيث أخفق غيره، مرهونا بتطورات الأشهر المقبلة.

ومهما تكن النتيجة، فقد تركت محاولات إثيوبيا التحكم في تدفق النيل أثرا عميقا في التفكير الاستراتيجي المصري. ويظل النهر في نظر القاهرة منبع البقاء الوطني، وأي تهديد له يترك تداعيات طويلة الأمد.

استراتيجية التفتيت

يضيف سعي إثيوبيا إلى الوصول للبحر الأحمر بعدا جديدا إلى علاقتها المتوترة أصلا مع مصر. وعلى الرغم من أن القاهرة ليست الدولة الوحيدة بين الدول المشاطئة للبحر الأحمر التي ترفض حضورا سياديا لإثيوبيا، فإنها تبقى الأكثر حساسية تجاه هذه المسألة، بسبب سدّ النهضة، الذي خلّف قدرا كبيرا من الشكوك، وأسهم في تشكيل نظرة مصر إلى الطموحات الإثيوبية على مدى أجيال مقبلة.

ولا يزال المسؤولون المصريون مقتنعين بأن حجم السد يتجاوز متطلبات توليد الكهرباء، ويعكس أهدافا استراتيجية أوسع ترمي إلى ممارسة الضغط على مصر عبر التحكم في مصدرها المائي الرئيس.

وتنظر القاهرة إلى المسعى الإثيوبي نحو تثبيت حضور على البحر الأحمر بعين الريبة نفسها. ويعتقد صناع القرار في مصر أن خطوة كهذه قد تؤسس لسابقة تستجلب قوى منافسة إلى منطقة تمثل أحد الأعمدة الحيوية للأمن الاقتصادي المصري.

وتتجاوز أبعاد القضية نطاق الاقتصاد. فالمسألة، في منظور القاهرة، تمس مستقبل التوازنات الإقليمية، وتثير تساؤلات حول ما إذا كانت الخرائط الراهنة ستخضع لإعادة تشكيل على نحو يخدم مصالح قوى بعينها.

ومن هذا المنطلق، باتت الطموحات الإثيوبية في البحر الأحمر تعكس اتجاها أوسع نحو التفكك الجيوسياسي الذي أخذت ملامحه تتبلور خلال السنوات الأخيرة. وقد أسهمت هذه الدينامية في استقطاب المنطقة إلى معسكرين متقابلين: أحدهما يرى في إضعاف الدول القائمة وتفكيكها مدخلا لتحقيق أهدافه، بينما يلتف المعسكر الآخر، الذي تتقارب ضمنه مصر والسعودية، حول هدف صون تماسك الدول والحفاظ على سلامة البنية الإقليمية.

نقطة الاحتكاك

عند النظر إلى الصورة في مجملها، يتبين أن الحرب في السودان، واعتراف إسرائيل بإقليم أرض الصومال المنفصل، ومساعي إثيوبيا للوصول إلى البحر الأحمر، والتوترات المتجددة بينها وبين إريتريا، والتطلعات الانفصالية في جنوب اليمن، تشكل جميعها ملامح مشهد مترابط تتداخل فيه الخيوط وتتقاطع فيه المصالح.

تعكس هذه التطورات تجليات متعاقبة لدينامية تفتيت آخذة في التشكل، تخدم طموحات أطراف إقليمية تسعى إلى بسط هيمنة شاملة. ووفق هذا التصور، يمر تحقيق هذه الهيمنة عبر إضعاف الدول القائمة، وعند الضرورة تفكيك تماسكها وتجريدها من قدرتها على الصمود.

يقف القرن الأفريقي عند مفترق طرق حاسم، حيث تتقاطع مياه النيل مع الممرات البحرية الحيوية والتحالفات المتبدّلة

تسلط هذه المعادلة الضوء على الطابع الوجودي للمواجهة التي يخوضها معسكر الحفاظ على الوحدة وسلامة الأراضي في مواجهة معسكر التفتيت، الذي يضم إثيوبيا وأطرافا إقليمية أخرى إلى جانب إسرائيل.

تكشف تقارير إعلامية حديثة عن استضافة إثيوبيا معسكرات تدريب لـ"قوات الدعم السريع" شبه العسكرية، التي تخوض صراعا مع الجيش السوداني، ما يلقي مزيدا من الضوء على دور أديس أبابا في النزاع الداخلي السوداني.

أ ف ب
صورة التقطت في 21 فبراير 2022 تظهر قوارب صيد قبالة شاطئ على ساحل البحر الأحمر اليمني في منطقة خوخة التابعة لمحافظة الحديدة غرب البلاد التي مزقتها الحرب.

وتفسر خطورة هذا الصراع سبب تقديم مصر وشركائها دعما سياسيا واستراتيجيا قويا لكل من الصومال والسودان وإريتريا. فبالنسبة إليهم، تحول القرن الأفريقي إلى ساحة حاسمة يتقرر فيها ما إذا كان مشروع التفتيت سيترسخ أم يجري احتواؤه.

ويفسر هذا المنطق ذاته تصاعد النشاط الدبلوماسي والعسكري في أنحاء المنطقة. فقد أرسلت مصر قوات وقدمت معدات عسكرية، غير أنها لا تتحرك بمفردها. وتشير بيانات تتبع الرحلات الجوية إلى أن قوى إقليمية أخرى، من بينها إسرائيل، كثفت تحركاتها العسكرية أيضا، في وقت يبدو فيه القرن الأفريقي على أهبة مواجهة محتملة قد ترسم ملامح مستقبله لسنوات طويلة.

في موازاة ذلك، تحولت أديس أبابا إلى مركز لحراك دبلوماسي مكثف، مع توافد المبعوثين الأجانب تباعا لإجراء مشاورات عاجلة قبيل لحظة قد تكون فاصلة في مسار المنطقة.

سواء تطور التنافس المتصاعد حول القرن الأفريقي إلى صراع مفتوح أم بقي ضمن حدود الاحتواء، فإن موقف مصر بات واضحا. فالقاهرة لا تنوي الوقوف موقف المتفرج.

ويعكس حضور مصر العسكري المتنامي في الصومال انخراطا مصريا متواصلا في تشكيل ملامح المرحلة المقبلة. لقد رفضت القاهرة أي خطوات تمس وحدة الأراضي الصومالية، بما في ذلك الاعتراف بأرض الصومال، وعبرت أكثر من مرة عن تصميمها الاستراتيجي على صون مصالحها في البحر الأحمر وموازنة الطموحات الإثيوبية.

واليوم، يقف القرن الأفريقي عند مفترق طرق حاسم، حيث تتقاطع مياه النيل مع الممرات البحرية الحيوية والتحالفات المتبدّلة. وستكشف قادمات الأيام والأسابيع ما إذا كانت الدبلوماسية قادرة على صون الاستقرار أم إن المنطقة ستتجه نحو مواجهة أوسع. وفي كل الأحوال، سيظل طيف النيل يلقي بثقله على مستقبل البحر الأحمر.

font change

مقالات ذات صلة