ضربات مصر في السودان تشي بهجوم إقليمي مضاد

جهود القاهرة الديبلوماسية لم تسفر عن نجاح مستدام

أ.ف.ب
أ.ف.ب
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس أركان الجيش السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان في القاهرة، 18 ديسمبر 2025

ضربات مصر في السودان تشي بهجوم إقليمي مضاد

تشير الضربات الجوية التي نُسبت إلى مصر ضد قافلة إمداد عسكرية تابعة لـ"قوات الدعم السريع" في 9 يناير/كانون الثاني إلى تحول مفصلي يرسم حدا فاصلا بين أشهر من الدبلوماسية الحذرة وبداية مرحلة جديدة من الحسم لفرض الخطوط الحمراء المعلنة منذ زمن.

وبحسب تقارير إعلامية عدة، استهدفت الضربات القافلة في المثلث الحدودي النائي الذي يربط مصر والسودان وليبيا، حيث قيل إن عربات مدرعة وإمدادات أخرى كانت في طريقها من ليبيا لتعزيز "قوات الدعم السريع". وتشير هذه العملية إلى انتقال القاهرة من سياسة توازن دقيق اعتمدتها منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل/نيسان 2023 إلى إجراءات أكثر حزما.

دعمت مصر بشكل ثابت القوات المسلحة السودانية دبلوماسياً حفاظاً على وحدة السودان وسلامة أراضيه ومؤسسات الدولة، وانتهجت ضبط النفس تجنبا لاستفزاز الداعمين الإقليميين الرئيسين لـ"قوات الدعم السريع".

وخلال مجريات الصراع انتهجت القاهرة جميع المسارات الدبلوماسية، بما في ذلك جولات متعددة من المحادثات ضمن رباعية السودان، أملا في كبح تقدم القوة شبه العسكرية ووقف التدخلات الخارجية، غير أن تلك الجهود لم تسفر عن نجاح مستدام.

ومع تعثر المفاوضات وتصاعد التهديدات على حدودها، تتجه مصر إلى فرض أولوياتها مباشرة بدل إطالة سياسة التحفظ في نزاع يواصل زعزعة استقرار الإقليم.

تضييق الخناق

دخلت الحرب في السودان عامها الثالث وتجاوزت حدود البلد الجنوبي بكثير، فأضحت تهديدا وجوديا لأمن مصر القومي وشرايينها الحيوية. ولم تُفلح المبادرات الدبلوماسية في وقف النزاع أو كبح التدخلات الخارجية، ما تسبب في تصاعد العنف وهدد بدفع السودان نحو تجزئة إلى كيانات أصغر وأكثر هشاشة.

تبدو ارتدادات الصراع جلية. فقد عبر إلى مصر أكثر من مليون لاجئ سوداني، أرهقوا الموارد والحدود المشتركة والخدمات الاجتماعية في ظل ضغوط اقتصادية قائمة.

وعلى الصعيد الاقتصادي تراجع التبادل الثنائي، المقدّر سابقا بنحو 1.4 مليار دولار سنويا، بصورة حادة، وخسرت الأسواق مئات الملايين نتيجة اضطراب تدفقات السلع والوقود والمواد الأساسية.

وعلى المستوى الجيو-استراتيجي، يحمل تفكك السودان احتمال خسارة حليف رئيس لمصر في حماية حصتها من مياه النيل، الذي يزوّد البلاد بأكثر من 90 في المئة من احتياجاتها من المياه العذبة.

لا يصح فصل حرب السودان عن دوامة الاضطراب الواسع التي تبتلع الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

ويضعف ذلك موقع القاهرة في المواجهة الجارية مع إثيوبيا حول سد النهضة. إذ ترفض أديس أبابا إبرام اتفاق ملزم يحدّد التصريفات في فترات الجفاف، بينما يعمل السد بكامل طاقته منذ أواخر 2025، بما ينذر بتقليص ملموس للتدفقات إلى دول المصب.

كما يفرض الصراع في السودان تهديدا لشريان حياة آخر لمصر، قناة السويس، التي تشكل ركنا أساسيا من مصادر الإيرادات الوطنية.

ومع هجمات الحوثيين التي تدفع حركة الشحن العالمية إلى تغيير مساراتها واستمرار الاضطراب في البحر الأحمر، يبدو أن بعض الفاعلين الدوليين مستعدون لدعم القوات المسلحة السودانية مقابل الحصول على نفوذ على الساحل السوداني المطل على البحر الأحمر، بما قد يمس أمن الملاحة.

وإلى جانب هواجس التطويق في القاهرة، زاد اعتراف إسرائيل بأرض الصومال أواخر ديسمبر/كانون الأول 2025 القلق من محور يتشكل يضم إسرائيل وإثيوبيا الساعية إلى منفذ على البحر الأحمر وآخرين، وقد يثبت موطئ قدم بحريا في خليج عدن ويضاعف التحدي أمام النفوذ البحري المصري.

أ.ف.ب
مقاتلون من قوات الدعم السريع يحملون أسلحة ويحتفلون في شوارع الفاشر بدارفور السودانية، في 26 أكتوبر 2025

لذلك لا يجوز اعتبار تفكك السودان أزمة بعيدة، فهو نزاع يضغط مباشرة على مكامن الضعف المائية والاقتصادية والاستراتيجية في مصر.

مخطط لاستراتيجية التفتيت

لا يصح فصل حرب السودان عن دوامة الاضطراب الواسع التي تبتلع الشرق الأوسط والقرن الأفريقي.

فالتشابه الواضح في أنماط القتال وتكرار تورط الجهات الخارجية ذاتها يدل على أن الحرب الأهلية في السودان حلقة ضمن نظام جيو-استراتيجي آخذ في التشكل يضعف دولا هشة أصلا ويعمق تجزئتها ويحولها إلى ساحات تُستَخدم لخدمة مصالح لاعبين خارجيين.

ويغدو هذا النمط جليا عند التأمل في بؤر التوتر المتوازية عبر الإقليم. إذ تتقاسم سوريا مناطق نفوذ بحكم الأمر الواقع، ويواجه اليمن مساعي انفصال متكررة في الجنوب، ويعاني الصومال من اندفاع أرض الصومال نحو الاستقلال، فيما تغرق ليبيا في انقسام عميق بين فصائل متنازعة.

وفي السودان نفسه تبرز مكاسب "قوات الدعم السريع" الميدانية الواسعة، خصوصا في غرب البلاد مثل دارفور، كأنها تمهد لانقسام إلى شطرين متنافرين: غرب تهيمن عليه "قوات الدعم السريع"، وشرق تسيطر عليه القوات المسلحة السودانية ويضم الساحل الحيوي على البحر الأحمر حول بورتسودان، التي اتخذتها القوات المسلحة منذ أشهر عاصمة أمر واقع وبوابة السودان الدولية الرئيسة.

وإذا انتقلت الاشتباكات إلى شرق البلاد أو تصاعد التنافس على السيطرة على الساحل، فقد يحدث تفتيت إضافي يفتح منافذ أوسع أمام القوى الخارجية لتوسيع نفوذها على موانئ السودان على البحر الأحمر.

في بيان رسمي أعقب المحادثات، أحالت القاهرة صراحة إلى اتفاقية الدفاع المشترك لعام 1976، وأكدت "حقها الكامل" في اتخاذ كل الإجراءات اللازمة وفق القانون الدولي لحماية الخطوط الحمراء الحرجة

يتسع هذا الخطر عند البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، خصوصا مع طموحات المجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن نحو الانفصال رغم الانتكاسات الأخيرة، إذ قد يبدل ذلك ميزان القوى في تلك المنطقة.

وزاد اعتراف إسرائيل بأرض الصومال، وما تبعه من اتصالات رفيعة شملت زيارة وزير الخارجية جدعون ساعر إلى هرجيسا مطلع هذا الشهر والحديث عن توسيع التعاون بما قد يتضمن ترتيبات أمنية، قلق القاهرة بصورة حادة.

تعزز هذه التطورات هواجس من حضور إسرائيلي متنام قرب خليج عدن، بما قد يوفّر موطئ قدم بحريا أو ينسج شبكة تحالفات قادرة على تطويق المصالح البحرية لمصر.

رويترز
مخيم زمزم للنازحين، بالقرب من الفاشر في شمال دارفور، السودان، في يناير 2024

وحين تُضاف هجمات الحوثيين المتواصلة التي تُربك الملاحة في البحر الأحمر، مع مساعي إثيوبيا الحثيثة لانتزاع منفذ مباشر على البحر، ومناورات فاعلين من خارج الدول المشاطئة، يشتد الخناق الاستراتيجي على مصر بما يهدد حرية الملاحة وشرايين الاقتصاد مثل قناة السويس وأركان الأمن القومي للبلاد.

بداية النهج الحازم

توقع كثيرون أن يتعمق دور مصر في الحرب الأهلية السودانية في ضوء تشدد خطاب القاهرة حيال جارها الجنوبي منذ اندلاع الصراع في أبريل/نيسان 2023.

وشكّل منتصف ديسمبر 2025 الإشارة الأوضح إلى هذا التعاظم خلال لقاء في القاهرة جمع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بقائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان.

وفي بيان رسمي أعقب المحادثات، أحالت القاهرة صراحة إلى اتفاقية الدفاع المشترك لعام 1976، وأكدت "حقها الكامل" في اتخاذ كل الإجراءات اللازمة وفق القانون الدولي لحماية الخطوط الحمراء الحرجة، بما في ذلك وحدة السودان وسلامة أراضيه ومؤسسات دولته، وعدّت أي تهديد لها خطرا مباشرا على الأمن القومي المصري.

وأعقب هذا التصعيد في النبرة سريعا ما نُسب إلى القاهرة من تحرك ميداني عبر الضربات الجوية في 9 يناير/كانون الثاني.

قدمت الرياض دعما عسكريا لقوات الحكومة اليمنية، شمل ضربات جوية قلبت موازين القوة وانتزعت من "المجلس الانتقالي" ما حققه في حضرموت ومناطق أخرى

وجاءت الضربات قبل يومين فقط من استدعاء نائب قائد الجيش الوطني الليبي صدام حفتر إلى القاهرة لإجراء محادثات عاجلة مع وزير الدفاع ورئيس الأركان المصريين، تركزت على التعاون العسكري وأمن الحدود وكبح تدفق السلاح عبر جنوب ليبيا، وهو مصدر توتر مزمن بين القاهرة وقيادة الشرق الليبي.

وبعد أشهر من تحذيرات متكررة للجهات الداعمة لـ"قوات الدعم السريع"، ولا سيما بشأن مسارات الإمداد من ليبيا، بدا أن مصر انتقلت نهائيا إلى نهج يغلّب صون مصالح أمنها القومي.

تعزز هذا الموقف في 14 يناير/كانون الثاني حين التقى السيسي في القاهرة كبير مستشاري الولايات المتحدة لشؤون الشرق العربي وأفريقيا مسعد بولس. إذ صرح الرئيس المصري بوضوح لبولس بأن مصر لن تسمح بنجاح محاولات تقويض أمن السودان واستقراره، وشدد على الارتباط الوجودي بين الأمن القومي للبلدين.

رويترز
تصاعد الدخان والنيران من مستودع وقود، عقب هجوم شنته قوات الدعم السريع بطائرات مسيرة في بورتسودان، السودان، استهدف مرافق تخزين الوقود، في 5 مايو 2025

لكن تحركات مصر تتجاوز السودان، إذ تدخل ضمن استراتيجية مضادة أوسع تتبناها ركائز إقليمية، بينها السعودية التي مضت في تدخل حاسم بجنوب اليمن لكبح اندفاعة "المجلس الانتقالي الجنوبي" نحو الانفصال.

حيث قدمت الرياض دعما عسكريا لقوات الحكومة اليمنية، شمل ضربات جوية قلبت موازين القوة وانتزعت من "المجلس الانتقالي" ما حققه في حضرموت ومناطق أخرى، على نحو يعكس مسعى القاهرة إلى منع التفتيت في السودان.

وتوحي هذه التحركات مجتمعة باندفاعة منسقة لقوى عربية محورية تستهدف استعادة التوازن الإقليمي، وصون كيان الدولة، وإحباط أجندة التفتيت التي تستغل هشاشة الدول لخدمة مصالح قوى خارجية.

ورغم وعورة الطريق في مواجهة خصوم ماضين في أهدافهم، يجسّد انخراط مصر في السودان، وانخراط السعودية في اليمن، بداية مسعى حازم يرمي إلى تفادي مزيد من الانهيار في أرجاء المنطقة.

font change

مقالات ذات صلة