يأتي رمضان هذا العام على غزة مثقلا بما هو أبعد من الجوع. يأتي على أجساد استنزفت طويلا، وعلى أرواح لم تمنح فرصة الترميم، وعلى علاقة بين الإنسان وجسده لم تعد طبيعية ولا متوازنة. فالصوم، الذي من المفترض أن يكون فعلا إراديا وطقسا روحيا قائما على الاختيار، يصل هنا وقد فقد أحد أركانه الأساس: القدرة على الامتناع لأن الطعام غير متاح أصلا.
في غزة، لم يعد الجوع ممارسة مؤقتة تختبر في ساعات النهار ثم تكسر عند الغروب، بل صار حالة ممتدة، ذاكرة يومية، وشرطا مفروضا على الجسد قبل أن يكون شعيرة دينية. الجسد الذي يطلب منه أن يصوم هذا الشهر، هو ذاته الجسد الذي جوِّع قسرا في إبادة استمرت لأكثر من عامين، وأنهك بالحصار، وحمل أوزان الفقد والخوف والنجاة. هنا يختل المعنى والمغزى من فكرة الصوم كطقس، وعليه نتساءل: كيف يمكن الصوم أن يؤدي وظيفته الروحية حين يصبح مطابقا لواقع قسري لا خيار فيه؟
الصوم حين يناقض فكرته
يفترض شهر الصيام، في سياقه التقليدي، علاقة خاصة بالجسد: تهذيب الشهوة، ضبط الرغبة، وإعادة ترتيب الأولويات بين المادي والروحي. لكنه يفترض أيضا جسدا قادرا، حيا، يمتلك الحد الأدنى من الطاقة والطمأنينة التي تساعده في فعل ذلك. لكن حين يصل الشهر الكريم إلى إنسان مستنزف فعليا، منهك، محاط بالموت، ومطالب يوميا بالنجاة لا بالتأمل، فإن العلاقة بالجسد لا تعود علاقة تهذيب، بل علاقة مواجهة: مواجهة حدود الاحتمال، وحدود الصبر، وحدود المعنى نفسه.
يصبح الصوم في مكان يناقض فكرته ويطرح سؤالا بنيويا: ماذا يعني الصوم حين يفقد الجسد سيادته على حاجاته الأساس؟ وماذا يبقى من الطقس حين يتحول الجوع من خيار تعبدي إلى أداة قسرية، ومن تمرين روحي إلى أثر من آثار العنف؟
رمضان هذا العام ليس امتدادا لما كان، ولا يمكن التعامل معه كفصل روحي معزول عن الواقع. إنه شهر يأتي محملا أسئلة أخلاقية وفلسفية قاسية حول الجسد والاختيار والمعاناة، وحول الحدود الدقيقة بين الصبر كقيمة روحية، والصبر كعبء يفرض على من لم يعد يملك ترف الاحتمال.
الجوع من ممارسة دينية إلى تجربة صدمة متراكمة
اعتاد الجوع في السياق الرمضاني أن يقدم بوصفه طقسا تطهيريا، حالة مؤقتة من الحرمان المقصود تفضي إلى التخفيف، وإلى إعادة ترتيب العلاقة مع الرغبة والمادة. جوع يمر، يحتمل، ثم يكافأ بلحظة الإفطار التي تعيد الى الجسد توازنه وتؤكد له أن الامتناع كان خيارا، وأن الوفرة -ولو المؤقتة- لا تزال ممكنة. غير أن هذا التصور ينهار حين يصبح الجوع محملا ذاكرة مختلفة، ذاكرة لا تعرف الصفاء، بل تستدعي الخوف والذل والفقد.



