رمضان في غزة... حيث الجوع ليس اختياريا وصلة الرحم جرح مفتوح

ذاكرة تستدعي الخوف والذل والفقد

Bashar Taleb / AFP
Bashar Taleb / AFP
فلسطينيون ينتظرون الحصول على الطعام أمام مطبخ خيري في خان يونس جنوب قطاع غزة، 26 فبراير 2026، في ظل استمرار نقص الإمدادات واعتماد كثير من السكان على المساعدات الإنسانية

رمضان في غزة... حيث الجوع ليس اختياريا وصلة الرحم جرح مفتوح

يأتي رمضان هذا العام على غزة مثقلا بما هو أبعد من الجوع. يأتي على أجساد استنزفت طويلا، وعلى أرواح لم تمنح فرصة الترميم، وعلى علاقة بين الإنسان وجسده لم تعد طبيعية ولا متوازنة. فالصوم، الذي من المفترض أن يكون فعلا إراديا وطقسا روحيا قائما على الاختيار، يصل هنا وقد فقد أحد أركانه الأساس: القدرة على الامتناع لأن الطعام غير متاح أصلا.

في غزة، لم يعد الجوع ممارسة مؤقتة تختبر في ساعات النهار ثم تكسر عند الغروب، بل صار حالة ممتدة، ذاكرة يومية، وشرطا مفروضا على الجسد قبل أن يكون شعيرة دينية. الجسد الذي يطلب منه أن يصوم هذا الشهر، هو ذاته الجسد الذي جوِّع قسرا في إبادة استمرت لأكثر من عامين، وأنهك بالحصار، وحمل أوزان الفقد والخوف والنجاة. هنا يختل المعنى والمغزى من فكرة الصوم كطقس، وعليه نتساءل: كيف يمكن الصوم أن يؤدي وظيفته الروحية حين يصبح مطابقا لواقع قسري لا خيار فيه؟

الصوم حين يناقض فكرته

يفترض شهر الصيام، في سياقه التقليدي، علاقة خاصة بالجسد: تهذيب الشهوة، ضبط الرغبة، وإعادة ترتيب الأولويات بين المادي والروحي. لكنه يفترض أيضا جسدا قادرا، حيا، يمتلك الحد الأدنى من الطاقة والطمأنينة التي تساعده في فعل ذلك. لكن حين يصل الشهر الكريم إلى إنسان مستنزف فعليا، منهك، محاط بالموت، ومطالب يوميا بالنجاة لا بالتأمل، فإن العلاقة بالجسد لا تعود علاقة تهذيب، بل علاقة مواجهة: مواجهة حدود الاحتمال، وحدود الصبر، وحدود المعنى نفسه.

يصبح الصوم في مكان يناقض فكرته ويطرح سؤالا بنيويا: ماذا يعني الصوم حين يفقد الجسد سيادته على حاجاته الأساس؟ وماذا يبقى من الطقس حين يتحول الجوع من خيار تعبدي إلى أداة قسرية، ومن تمرين روحي إلى أثر من آثار العنف؟

رمضان هذا العام ليس امتدادا لما كان، ولا يمكن التعامل معه كفصل روحي معزول عن الواقع. إنه شهر يأتي محملا أسئلة أخلاقية وفلسفية قاسية حول الجسد والاختيار والمعاناة، وحول الحدود الدقيقة بين الصبر كقيمة روحية، والصبر كعبء يفرض على من لم يعد يملك ترف الاحتمال.

الجوع من ممارسة دينية إلى تجربة صدمة متراكمة

اعتاد الجوع في السياق الرمضاني أن يقدم بوصفه طقسا تطهيريا، حالة مؤقتة من الحرمان المقصود تفضي إلى التخفيف، وإلى إعادة ترتيب العلاقة مع الرغبة والمادة. جوع يمر، يحتمل، ثم يكافأ بلحظة الإفطار التي تعيد الى الجسد توازنه وتؤكد له أن الامتناع كان خيارا، وأن الوفرة -ولو المؤقتة- لا تزال ممكنة. غير أن هذا التصور ينهار حين يصبح الجوع محملا ذاكرة مختلفة، ذاكرة لا تعرف الصفاء، بل تستدعي الخوف والذل والفقد.

في غزة، لا يأتي الجوع نظيفا ولا مؤقتا. إنه جوع مشوب بالرعب، مرتبط بأسماء غائبة، وبأطفال ينهكهم الجوع دون الوصول إلى لحظة الإفطار

في غزة، لا يأتي الجوع نظيفا ولا مؤقتا. إنه جوع مشوب بالرعب، مرتبط بأسماء غائبة، وبأطفال ينهكهم الجوع دون الوصول إلى لحظة الإفطار، وببيوت انطفأت فيها مواقد الطعام قبل أن ينطفئ الضوء. الجسد هنا لا يختبر الجوع كمرحلة روحية عابرة، بل كأثر متراكم لصدمة لم تغلق، وكامتداد لليال لم تنته عند الأذان. يصبح الجوع ذاكرة عضوية، محفورة في المعدة، في ارتجاف اليد، وفي نظرة العين التي تتعلم التوقع الدائم للأسوأ.

Eyad Baba / AFP
متطوعون فلسطينيون يوزعون مساعدات على عائلات محتاجة في مخيم البريج للنازحين وسط قطاع غزة خلال شهر رمضان، 23 فبراير 2026

كيف يواجه الإنسان رمضان حين يعود الجوع لا بوصفه تمرينا على الزهد، بل كتذكير قاس بما فقد وبمن قد لا يأتي؟ حين يتقدم الجسد كل يوم نحو لحظة الإفطار وهو مثقل بتجربة سابقة مريرة، لا يعرف إن كان الطعام سيتوفر، ولا إن كانت هذه اللحظة ستكتمل أصلا.

تفكيك الرموز حين تصطدم بواقع العنف

في شهر رمضان، لا تعمل الطقوس الدينية فقط بوصفها ممارسات إيمانية، بل كمنظومة رمزية متكاملة تنظم الزمن، وتعيد ترتيب العلاقة بين الجسد والمعنى. الأذان ليس مجرد إعلان لوقت الإفطار، بل وعد بالسكينة، وإشارة إلى نهاية مشقة اليوم وبداية الطمأنينة. مائدة الإفطار ليست مجرد طعام، بل رمز للاجتماع، وللاستعادة، ولتأكيد استمرارية الحياة رغم التعب. غير أن هذه الرموز، حين تلقى في سياق عنف ممتد وتجويع ممنهج، لا تبقى على حالها، بل تتصدع، وتفقد قدرتها على أداء وظائفها الرمزية.

في غزة، لا ينكسر الرمز لأنه فقد معناه الديني، بل لأنه يحمل بما يفوق طاقته. الأذان، الذي يفترض أن يطمئن الجسد، قد يتحول إلى لحظة توتر: هل سيكون هناك طعام أصلا؟ هل ستكتمل هذه اللحظة أم ستنقطع تحت القصف أو الخوف؟ مائدة الإفطار، حين توجد، لا تعود مساحة فرح، بل مساحة قلق وندرة، تدار فيها اللقمة بعدالة موجعة، وتحسب فيها الأنفاس، وتخفى فيها خيبة الكبار وعجزهم وقلة حيلتهم عن أعين الأطفال. هكذا، لا يعود الرمز حاملا للطمأنينة، بل يصبح شاهدا على هشاشتها.

حتى الزمن الرمضاني نفسه يختل. النهار، الذي يفترض أن يكون زمن الامتناع المؤقت، يمتد كحالة استنزاف لا نهاية واضحة لها، بينما الليل، الذي يفترض أن يكون زمن السكينة والتراحم، يتحول إلى امتداد للترقب والخوف. تختلط لحظة العبادة بلحظة النجاة، ويصبح الدعاء فعلا دفاعيا أكثر منه تأمليا، استغاثة أكثر منه تسبيحا. لا لأن الإيمان ضعف، بل لأن الجسد أجبر على إعادة ترتيب أولوياته تحت الضغط.

هذا التفكك في الرموز لا يعني فشل الطقس، بل انكشاف حدود قدرته حين يترك وحيدا في مواجهة العنف. فالدين، كمنظومة معنى، يفترض حدا أدنى من الأمان ليؤدي وظائفه الرمزية الكاملة. وحين ينزع هذا الحد الأدنى، لا يبقى للرمز سوى أن يعكس المأساة بدل أن يداويها.

صلة الرحم في مواجهة الغياب

في رمضان، لا تقتصر الرموز على الطقوس الدينية والزمنية، بل تمتد إلى البنية الاجتماعية ذاتها. صلة الرحم، التي تشكل أحد أعمدة هذا الشهر، كانت دائما فعل حضور: زيارات متبادلة، موائد عامرة، بيوت تفتح، ولقاءات تؤكد الاستمرار والانتماء. غير أن هذا الرمز الاجتماعي، هو الآخر، يصطدم اليوم بواقع العنف والاقتلاع، فيفقد شكله المعتاد ويعاد تحميله بمعنى موجع جديد.

في غزة، لم يعد لدى كثيرين بيوت يستقبلون فيها الأحبة، ولا مساحات تتسع للمة، ولا موائد تحضر للاجتماع. عائلات كاملة تعيش في خيام لا تحتمل الاكتظاظ، أو تقيم فوق ركام بيوتها، حيث يصبح استقبال الآخرين فعلا مستحيلا لا اختيارا. الأجساد متقاربة بحكم الضرورة، لكنها متباعدة بحكم الفقد، وكل محاولة للمة تصطدم بحدود المكان وبثقل الذاكرة.

Eyad Baba / AFP
امرأة فلسطينية نازحة تنشر الغسيل قبل موعد الإفطار خلال شهر رمضان، وسط الدمار في مخيم البريج للاجئين في وسط قطاع غزة، 25 فبراير 2026

الأكثر قسوة أن صلة الرحم لم تعد دائما فعل لقاء، بل فعل استحضار للغياب. عائلات مسحت من السجل المدني، بيوت فقدت أعمدة وجودها، وأسماء لم يعد لها مكان حول المائدة. يصبح الحضور نفسه تذكيرا بالنقص، واللقاء مناسبة لاسترجاع الألم بدل التخفيف عنه. في هذه اللحظات، لا تستدعى الألفة فقط، بل يستدعى معها سؤال ثقيل: كيف نحتفل بالصلة حين صار الغياب هو القاعدة؟

الأكثر قسوة أن صلة الرحم لم تعد دائما فعل لقاء، بل فعل استحضار للغياب. عائلات مسحت من السجل المدني، بيوت فقدت أعمدة وجودها، وأسماء لم يعد لها مكان حول المائدة

هكذا، يتحول رمضان من شهر اجتماع إلى شهر مواجهة مع الفراغ، ومن زمن للمة إلى زمن يعاد فيه تعداد المفقودين بصمت. لا لأن الناس هجرت قيم التراحم، بل لأن هذه القيم وضعت في سياق يستحيل فيه ممارستها كما كانت. التراحم هنا لا يختفي، لكنه يتخذ شكلا مختلفا: نظرة صامتة، مشاركة لقمة شحيحة، أو الامتناع عن السؤال كي لا يفتح جرح جديد. وفي هذا التحول، لا تنكسر القيم، بل تنكشف حدودها حين يطلب منها أن تعمل في عالم لم يترك لها مساحة كافية للحياة.

رمضان كاختبار أخلاقي: من يمتحن فعلا؟

ربما لم يعد السؤال الأخلاقي في هذا السياق موجها إلى الإنسان الغزي بقدر ما هو موجه إلى العالم. فالصوم، حين يفرغ من شرطه الأساس، أي الاختيار، يتحول من اختبار فردي للإرادة إلى محاكمة جماعية للضمير. رمضان هذا العام لا يختبر صبر الغزي ولا قدرته على الاحتمال، فقد استنفدت هذه القدرة منذ زمن، بل يختبر معنى الرحمة كما يمارس خارج الخطاب، ومعنى التكافل حين لا يعود شعارا موسميا، بل يصبح التزاما فعليا، ومعنى "الشهر الكريم" حين يقاس بمدى حماية الأجساد لا بالاكتفاء بالنيات.

Bashar Taleb / AFP
فلسطينيون ينتظرون الحصول على الطعام أمام مطبخ خيري في خان يونس جنوب قطاع غزة، 26 فبراير 2026، في ظل استمرار نقص الإمدادات

ماذا يعني أن يترك شعب يصوم قسرا، لا اختيارا، بينما يحتفل العالم بطقوس الصوم في مساحات آمنة ومشبعة؟ ماذا يعني أن تستعاد خطابات الجوع الطوعي والزهد الروحي في أماكن لا يهدد فيها الجسد، بينما يدار الجوع في غزة كسياسة، وكأداة ضغط؟ هنا تنكشف فجوة أخلاقية عميقة بين صيام يمارس بوصفه عبادة، وصيام يفرض بوصفه قدرا ومصيرا سياسيا، بين جسد يدرب على الامتناع، وجسد يستنزف حتى العدم.

في هذا السياق، يصبح الجسد الفلسطيني نقطة التقاء فاضحة بين الصيام العالمي والصمت السياسي. الجسد الذي يفترض أن يكون موضوع الرحمة في هذا الشهر، يتحول إلى دليل إدانة على فشل هذه الرحمة حين تفصل عن الفعل. فبينما ترفع الأدعية وتتداول خطابات التضامن، يترك الجوع يعمل بصمت، ويترك الجسد ينهار خارج الحسابات الأخلاقية الفعلية. رمضان هنا يفضح العالم الذي يستطيع أن يرى، وأن يسمع، وأن يصوم طوعا، ثم يختار ألا يتحرك، ويعري العالم الذي يمارس روحانية زائفة بصوم منقوص الفكرة والمعنى والأثر.

الصبر... من فضيلة روحية إلى عبء أخلاقي

يقدم الصبر، في الخطاب الديني والصوفي، بوصفه فضيلة سامية، حالة من الرضا العميق، وقوة داخلية تمكن الإنسان من تحمل الشدائد دون أن يفقد إنسانيته. الصبر في هذا المعنى ليس خضوعا، بل اختيار واع، وموقف أخلاقي ينبع من القدرة على الاحتمال لا من انعدامه. غير أن هذا المفهوم ينقلب حين ينتزع من سياقه الروحي، ويعاد توظيفه كطلب قسري موجه إلى من لم يعد يملك خيارا آخر سوى الاحتمال.

Omar Al-Qattaa / AFP
فلسطينيون نازحون يتجمعون حول مائدة الإفطار بين أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا شمال قطاع غزة خلال شهر رمضان، 23 فبراير 2026

في غزة، يستدعى الصبر بكثرة، لا بوصفه مسارا ذاتيا للخلاص، إنما كشرط أخلاقي يفرض على الناس باسم الإيمان والاحتساب، وباسم الكرامة، وباسم التحمل. وهذا يستدعي السؤال الملح: هل ما يطلب من الغزي اليوم هو صبر إيماني نابع من الداخل، أم صبر سياسي قسري يفرض عليه ليبقي الواقع كما هو، وليخفف وطأة المطالبة بالفعل؟

حين يستخدم الصبر لتبرير استمرار الألم، أو لتأجيل الغضب المشروع، أو لإسكات السؤال الأخلاقي عن المسؤولية، فإنه يفقد معناه الروحي ويتحول إلى عبء إضافي يلقى على جسد منهك أصلا وسياسة قسرية نحوه.

الصبر الذي يفرض بالقوة، أو يستدعى لتبرير الجوع والتجويع، لا يرقى إلى مقام الفضيلة، بل يتحول إلى ظلم أخلاقي جديد

رمضان، هنا، لا يعود شهر تدريب على الصبر، بل مساحة مكشوفة لمساءلته. متى يصبح الصبر فضيلة، ومتى ينقلب إلى أداة ضبط اجتماعي وأخلاقي تستخدم لتطبيع المعاناة؟ ومتى يتحول الامتناع عن الشكوى إلى شكل من أشكال الإكراه الرمزي، يطلب فيه من الإنسان أن يكون قويا أكثر مما يحتمل، وصامتا أكثر مما يجب؟ إن الصبر الذي يفرض بالقوة، أو يستدعى لتبرير الجوع والتجويع، لا يرقى إلى مقام الفضيلة، بل يتحول إلى ظلم أخلاقي جديد، يضاف إلى سلسلة طويلة من الأثقال التي يطلب من الغزي أن يحملها دون أن يسأل عمن وضعها على كتفيه.

font change