في فصول العجائب التي دونتها الأقلام بحبر الدهشة، يطالعنا أبو الفلاح بن العماد الحنبلي في كتابه "شذرات الذهب في أخبار من ذهب" بواقعة جرت في السابع من رمضان عام 242 هـ، حين شهدت حلب حادثة تداخل فيها الواقع بالخيال. فقد روي أن طائرا أبيض هبط على الناس وصاح بصوت فصيح: "يا معشر الناس، اتقوا الله.. الله.. الله"، مكررا نداءه أربعين مرة قبل أن يغيب في الأفق، ليعود في اليوم التالي ويعيد النداء بالقوة والعدد نفسيهما.
في حادثة أخرى، يستحضر ابن عبد ربه في كتابه "العقد الفريد" مشهدا يصور ضيق صدور العلماء بأسئلة العامة المتكررة التي تفتقر أحيانا الى الكياسة. ففي ليلة الشك من رمضان، حين اختلط الأمر على الناس وازدحموا على "الأعمش" يستفتونه في الصيام، لجأ العالم إلى حيلة بليغة تغنيه عن الكلام وتختصر الجدل، إذ "بعث إلى بيته رمانة فشقها ووضعها بين يديه، فكان إذا نظر إلى رجل قد أقبل يريد أن يسأله تناول حبة فأكلها، فكفى الرجل السؤال، ونفسه الرد".
هذا الموقف يجسد ذكاء اجتماعيا، فبدلا من الدخول في دوامة من الفتاوى التي لا تنتهي في وقت يسود فيه الشك، اختار الأعمش أن يقدم إجابة "بصرية" حاسمة وجدا طريفة، فرمضان لا يتعلق فقط بالصيام، أو الغزوات والمعارك العظيمة، لكنه أيضا يتعلق بغرائب المواقف وطرائف الحوادث.
ترقب خلف الغمام: الهلال بين سطوة الحكم وبصيرة الشعب
نعرف من صفحات التاريخ، أن يوم استطلاع هلال رمضان وموكب الرؤية كان انعكاسا لطبيعة السلطة ذاتها، فالفاطميون في مصر مثلا لم يتركوا بداية الشهور العربية للاحتمالات أو لتقلبات الرؤية البصرية، بل استعاضوا عنها بالجداول الفلكية الدقيقة. وبموجب هذا الحساب الرياضي، استقرت الشهور لديهم في دورة ثابتة تتناوب بين تسعة وعشرين وثلاثين يوما، مما جعل شهر رمضان في عرفهم متمما دائما، وفرض هذا بالتالي على شهر شعبان أن يكون ناقصا أبدا.




