الحوار مع الصين وإيران عبر باكستان... قراءة من منظور قوة متوسطة

مع بداية رئاسة ترمب، ساد قدر كبير من عدم اليقين في باكستان، في ضوء علاقة ترمب الوثيقة السابقة مع الهند

أ.ف.ب
أ.ف.ب
وزير الخارجية الباكستاني إسحق دار ونظيره الإيراني عباس عراقجي خلال اجتماع في وزارة الخارجية بإسلام آباد، في 2 أغسطس 2025

الحوار مع الصين وإيران عبر باكستان... قراءة من منظور قوة متوسطة

كتبت صحيفة "فايننشيال تايمز"، ضمن سلسلة مراجعاتها السنوية لنهاية العام، أن 2026 يبدأ بأكبر قدر من عدم اليقين منذ الحرب العالمية الثانية، وأن القوى المتوسطة قد تكون العامل الحاسم في ترسيخ النظام العالمي أو تقويضه في المرحلة المقبلة. ووفقا للتقرير، فقد ورد ذكر باكستان على نحو مفاجئ بوصفها أكبر الرابحين حتى الآن في "عقيدة دونرو" للهيمنة الأميركية. ونجحت باكستان بوضوح في حجز مقعد متقدم في دائرة دونالد ترمب، من زيارات البيت الأبيض إلى خطة السلام في غزة.

غير أن باكستان، إلى جانب انخراطها في دورها التقليدي مزودا عسكريا وأمنيا للشرق الأوسط، عادت لتبرز أيضا كدولة قوة متوسطة تحتاج إلى أن تعمل كجسر في صراعات شاقة مثل إيران، وأن تقرّب بين قوى أكبر مثل الصين والولايات المتحدة. وسبق لباكستان أن توسطت في أول لقاء دبلوماسي للولايات المتحدة مع الصين خلال حقبة نيكسون. واليوم، وبعد عقد من الفراغ الدبلوماسي، عادت باكستان لتظهر بوصفها قوة قادرة على إدارة محادثات خلفية مع إيران، وإعادة ضبط التوازن العسكري في المنطقة عبر شراكتها مع الصين.

اعتماد ترمب على باكستان لإنهاء ملف إيران

مع بداية رئاسة ترمب، ساد قدر كبير من عدم اليقين في باكستان، في ضوء علاقة ترمب الوثيقة السابقة مع الهند خلال مرحلة "كيف حالك يا مودي"، واعتبار الهند الشريك الاستراتيجي المفضل لمواجهة الصين. غير أنه بعد السنة الأولى في المنصب، برزت باكستان ليس بوصفها من المفضلين لدى ترمب في المنطقة فحسب، بل على مستوى عالمي أيضا. وخلال الصراع الصيفي الذي استمر 12 يوما بين إسرائيل وإيران، لم يكن وجود المشير عاصم منير طوال ما يقارب الأسبوع بين ممرات النفوذ في واشنطن العاصمة ولانغلي مصادفة، كما أن دفاع قائد القيادة المركزية الأميركية آنذاك، الجنرال مايكل إريك كوريلا، عن باكستان بوصفها شريكا لواشنطن في مكافحة الإرهاب أثار مفاجأة كثيرين. وناقض ذلك الدفع الذي استمر عقدا في مقر الكونغرس في كابيتول هيل، عندما ظل أعضاء بارزون في الكونغرس ومجلس الشيوخ والجنرالات يصفون باكستان بأنها داعمة للإرهاب. فما الذي تغير؟

أولا، أعاد كوريلا إحياء اعتماد قديم من زمن الحرب الباردة على قدرة باكستان على التواصل مع أنظمة تعدها واشنطن غير مرغوب فيها، ولا تستطيع الولايات المتحدة الانخراط معها مباشرة، على الأقل علنا. وخلال صراع إسرائيل وإيران، ومع ضرب الولايات المتحدة مواقع إيران النووية، أدت باكستان دورا هادئا خلف الكواليس للحد من تداعيات تصعيد واسع النطاق. ولم تكتف باكستان بنقل الرسائل ذهابا وإيابا بين طهران وواشنطن، بل وقدمت لترمب نصائح مباشرة بشأن كيفية التعامل مع إيران. وأعلن ترمب علنا أن "باكستان تعرف إيران أفضل من معظم الدول"، وذلك بعد لقائه بعاصم منير، الذي نوقشت خلاله استراتيجية لاحتواء تداعيات الضربات الأميركية على إيران. وجاء ذلك منسجما مع الضربة السابقة التي نفذها ترمب في ولايته الأولى عندما اغتال قاسم سليماني في العراق. وكان أول اتصال أجراه حينها، في عام 2020، مع رئيس أركان الجيش الباكستاني آنذاك، الجنرال قمر جاويد باجوا.

لا تثق باكستان- مثل الولايات المتحدة ودول الخليج- بنوايا إيران في المنطقة، غير أنها- إلى جانب المملكة العربية السعودية وتركيا- لا ترغب في تغيير النظام

ويكمن عنصر أساسي لفهم ذلك في أن باكستان، بخلاف سويسرا وقطر وعُمان وبعض الوسطاء الآخرين في محادثات إيران، تمتلك حدودا طويلة مع إيران وتعيش توترات مستمرة معها، بحيث يفهم الإيرانيون أن باكستان تشكل تهديدا فعليا لهم إذا اندلع صراع شامل، وأن دول الخليج كلها تقف خلف باكستان. وكتبت سابقا في "المجلة" أن إيران وباكستان تخوضان حرب استخبارات ووكلاء غير معلنة، رغم الروابط الدينية والثقافية واللغوية التي تحول دون انفجار صراع مفتوح وشامل. وهدد سليماني كثيرا بحرب علنية مع باكستان، وإلى جانب إسرائيل والولايات المتحدة، تُعد باكستان الدولة الأخرى الوحيدة التي ضربت إيران عبر هجمات جوية. ويجعل ذلك من باكستان بابا خلفيا ضروريا لاستخدام مقاربة العصا والجزرة مع إيران.

وبينما لا نعرف إلى أين ستقود محادثات مسقط الحالية، سواء هاجم ترمب إيران أم خفف التوترات، يظل دور باكستان مهماً. وتستطيع الولايات المتحدة إيصال الرسائل مع إدراكها أنه عند اشتداد المواجهة قد تجد إيران نفسها أيضا على خلاف مع باكستان بسبب تاريخ الحدود البلوشية وبسبب توظيف الشيعة الباكستانيين ضد الدولة. كما شكرت إيران باكستان علنا في الآونة الأخيرة على دورها في تخفيف التوتر خلال حرب الاثني عشر يوما في الصيف، وكذلك خلال التوترات الأخيرة منذ بداية الاحتجاجات.

أ.ف.ب
صورة جماعية لوزراء دفاع الدول الأعضاء في منظمة شنغهاي للتعاون في تشينغداو، بمقاطعة شاندونغ شرقي الصين، في 26 يونيو 2025

ولا تثق باكستان- مثل الولايات المتحدة ودول الخليج- بنوايا إيران في المنطقة، غير أنها- إلى جانب المملكة العربية السعودية وتركيا- لا ترغب أيضا في تغيير النظام. ويجعل ذلك منها طرفا مهماً في ردم الفجوة. وخاضت باكستان نفسها مسار التحول إلى قوة نووية، وتعرف كيف تتفاوض بنجاح بشأن الملف النووي، وهي تدرك حدود المحادثات إذا غابت القدرة على الاستناد إلى قدراتها العسكرية. وتمتلك باكستان أيضا ميزة إضافية تتمثل في كونها أقرب حليف دبلوماسي وعسكري للصين في العالم.

الصين وفن توظيف النفوذ

أتاحت محادثات وزيارات وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر والرئيس ريتشارد نيكسون إلى الصين، التي أدارتها باكستان، أن ترسخ باكستان جسرا محوريا ظل خبراء الأمن القومي الأميركيون من المدرسة القديمة ممتنين له طويلا. وحتى حقبة برويز مشرف، حافظت باكستان على موقع الند في عملية الموازنة بين الصين والولايات المتحدة داخل نطاقات النفوذ. واعتمد الجيش الباكستاني، حتى حقبة مشرف، على تجهيزات عسكرية أميركية المصدر على نحو شبه حصري، من مقاتلات "إف-16" إلى المروحية الهجومية "بيل إيه إتش-1 كوبرا" (Bell AH-1 Cobra).

النفوذ الصيني هو الذي جعل إسلام آباد صانعة جسور لكثير من القوى التي وجدت نفسها في وقت ما على الجانب الخطأ من بكين

غير أن التحول طرأ لاحقا، فأصبحت باكستان الجيش الوحيد في العالم الذي تتقاسم معه الصين أحدث مقاتلاتها وتقنياتها الصاروخية، ما ساعد في التفوق على الهند في الحرب القصيرة العام الماضي. وراحت الصين تستخدم باكستان لاختبار أحدث معداتها في مواجهة القوات الهندية، وكذلك في مناوشات باكستان الحدودية القليلة مع إيران. ويجعل ذلك من باكستان، مرة أخرى، شريكا لا غنى عنه للولايات المتحدة لفهم كيفية تفكير الصين وكيف تستعد لحروب المستقبل. ولا يوجد جيش آخر في العالم يجمع، من جهة، القدرة على الاتصال المباشر والسريع بترمب، ومن جهة أخرى، التحالف العسكري الأقرب إلى الصين. وربطت باكستان تاريخيا أيضا علاقة الصين بكل من تركيا والسعودية.

غيتي
الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون وهنري كيسنجر، مستشار الأمن القومي ووزير الخارجية، في البيت الأبيض، في 1 أكتوبر 1973

ورأى الأدميرال التركي جهاد يايجي، وهو من أبرز المفكرين الاستراتيجيين العسكريين في تركيا ويعد من المقربين الرئيسين من أردوغان، أن باكستان لعبت دورا محوريا في صعود الصين خلال الحرب الباردة، وبأنها وظفت علاقاتها مع الولايات المتحدة وتركيا والسعودية عبر تقريب هذه الأطراف من الصين خلال ثمانينات القرن الماضي. وقال يايجي أيضا إنه، بصفته من كبار الضباط العسكريين في تركيا، عاين مباشرة كيف وصفت الصين نفسها بأنها أقرب حليف لباكستان، وكيف دفع ذلك أنقرة إلى انفراج مع بكين عندما تصاعدت التوترات مع تركيا بسبب قضية الإيغور. وهذا النفوذ الصيني هو الذي جعل إسلام آباد صانعة جسور لكثير من القوى التي وجدت نفسها في وقت ما على الجانب الخطأ من بكين. وطرح معهد هادسون أخيرا العامل نفسه، أي كيفية استخدام الصين لباكستان لإعادة توجيه موازين القوة بين الغرب وأوراسيا.

وبالطبع، تواجه باكستان حدودا لقدرتها، إذ يقوم اقتصادها الضعيف على الاعتماد على عدد من الرعاة الدوليين مثل السعودية والصين والإمارات والولايات المتحدة. ويجعلها وجود هذا العدد الكبير من الممولين جسرا قادرا على الموازنة بينهم، ومناورة بعضهم في مواجهة بعض، من دون الوقوع في فخ الاصطفاف. وفي وقت عجز فيه كثيرون في الاتحاد الأوروبي وأميركا اللاتينية عن تحقيق توازن في صراع الصين والولايات المتحدة عندما يضغط ترمب عليهم للاختيار، سلكت باكستان، على نحو ما، الاتجاه المعاكس، إذ صارت جسرا يستخدمه الآخرون بدل أن تنحصر في منطق المحصلة الصفرية. ويجعل ذلك منها محاورا مناسبا للتحدث إلى إيران والصين معا.

font change