كتبت صحيفة "فايننشيال تايمز"، ضمن سلسلة مراجعاتها السنوية لنهاية العام، أن 2026 يبدأ بأكبر قدر من عدم اليقين منذ الحرب العالمية الثانية، وأن القوى المتوسطة قد تكون العامل الحاسم في ترسيخ النظام العالمي أو تقويضه في المرحلة المقبلة. ووفقا للتقرير، فقد ورد ذكر باكستان على نحو مفاجئ بوصفها أكبر الرابحين حتى الآن في "عقيدة دونرو" للهيمنة الأميركية. ونجحت باكستان بوضوح في حجز مقعد متقدم في دائرة دونالد ترمب، من زيارات البيت الأبيض إلى خطة السلام في غزة.
غير أن باكستان، إلى جانب انخراطها في دورها التقليدي مزودا عسكريا وأمنيا للشرق الأوسط، عادت لتبرز أيضا كدولة قوة متوسطة تحتاج إلى أن تعمل كجسر في صراعات شاقة مثل إيران، وأن تقرّب بين قوى أكبر مثل الصين والولايات المتحدة. وسبق لباكستان أن توسطت في أول لقاء دبلوماسي للولايات المتحدة مع الصين خلال حقبة نيكسون. واليوم، وبعد عقد من الفراغ الدبلوماسي، عادت باكستان لتظهر بوصفها قوة قادرة على إدارة محادثات خلفية مع إيران، وإعادة ضبط التوازن العسكري في المنطقة عبر شراكتها مع الصين.
اعتماد ترمب على باكستان لإنهاء ملف إيران
مع بداية رئاسة ترمب، ساد قدر كبير من عدم اليقين في باكستان، في ضوء علاقة ترمب الوثيقة السابقة مع الهند خلال مرحلة "كيف حالك يا مودي"، واعتبار الهند الشريك الاستراتيجي المفضل لمواجهة الصين. غير أنه بعد السنة الأولى في المنصب، برزت باكستان ليس بوصفها من المفضلين لدى ترمب في المنطقة فحسب، بل على مستوى عالمي أيضا. وخلال الصراع الصيفي الذي استمر 12 يوما بين إسرائيل وإيران، لم يكن وجود المشير عاصم منير طوال ما يقارب الأسبوع بين ممرات النفوذ في واشنطن العاصمة ولانغلي مصادفة، كما أن دفاع قائد القيادة المركزية الأميركية آنذاك، الجنرال مايكل إريك كوريلا، عن باكستان بوصفها شريكا لواشنطن في مكافحة الإرهاب أثار مفاجأة كثيرين. وناقض ذلك الدفع الذي استمر عقدا في مقر الكونغرس في كابيتول هيل، عندما ظل أعضاء بارزون في الكونغرس ومجلس الشيوخ والجنرالات يصفون باكستان بأنها داعمة للإرهاب. فما الذي تغير؟
أولا، أعاد كوريلا إحياء اعتماد قديم من زمن الحرب الباردة على قدرة باكستان على التواصل مع أنظمة تعدها واشنطن غير مرغوب فيها، ولا تستطيع الولايات المتحدة الانخراط معها مباشرة، على الأقل علنا. وخلال صراع إسرائيل وإيران، ومع ضرب الولايات المتحدة مواقع إيران النووية، أدت باكستان دورا هادئا خلف الكواليس للحد من تداعيات تصعيد واسع النطاق. ولم تكتف باكستان بنقل الرسائل ذهابا وإيابا بين طهران وواشنطن، بل وقدمت لترمب نصائح مباشرة بشأن كيفية التعامل مع إيران. وأعلن ترمب علنا أن "باكستان تعرف إيران أفضل من معظم الدول"، وذلك بعد لقائه بعاصم منير، الذي نوقشت خلاله استراتيجية لاحتواء تداعيات الضربات الأميركية على إيران. وجاء ذلك منسجما مع الضربة السابقة التي نفذها ترمب في ولايته الأولى عندما اغتال قاسم سليماني في العراق. وكان أول اتصال أجراه حينها، في عام 2020، مع رئيس أركان الجيش الباكستاني آنذاك، الجنرال قمر جاويد باجوا.

