تعيد التحولات العميقة الجارية في الشرق الأوسط- ولا سيما في سوريا ولبنان- رسم المشهد السياسي في المنطقة وتنعكس آثارها على طيف واسع من الفاعلين الإقليميين والدوليين. ويبرز بشكل أكبر الاحتمال القائم لعودة سلطة مركزية في دمشق، رغم التحديات الجسيمة التي لا تزال ماثلة، إلى جانب اتساع نفوذ تركيا في توجيه مسار سوريا، والموقع الاستراتيجي المميز لإسرائيل، كلها عوامل تستدعي إعادة تقييم للديناميات الإقليمية المتحولة، خاصة في شرق المتوسط.
على مدى السنوات الخمس عشرة الماضية، شهدت البنية الإقليمية في شرق المتوسط تحولات عميقة تأثرت بثلاثة عوامل رئيسة: اكتشافات الغاز الطبيعي، والمخاوف المرتبطة بالسياسة الإقليمية التركية ذات الطابع الحازم، وتداعيات أحداث "الربيع العربي". وفي هذا السياق، رسّخت إسرائيل مكانتها كمصدّر رئيس للغاز، فيما عزّز المثلث الإسرائيلي–اليوناني–القبرصي مستويات التعاون السياسي والطاقوي، كما كرّست مصر دورها المحوري كمركز إقليمي للطاقة والدبلوماسية. في المقابل، تفرض مجموعة من المتغيرات الداخلية في كل من لبنان وسوريا– بما في ذلك تراجع نفوذ "حزب الله"، والتحولات السياسية في بيروت، وانهيار نظام الأسد في سوريا– ضرورة إعادة تقييم الخريطة الإقليمية. وعلى الرغم من أن سوريا ولبنان لا يزالان يمرّان بمراحل انتقالية حساسة، لا سيما فيما يتعلق بقدرة الدولة على بسط سيطرتها على الجماعات المسلحة وفرض الأمن، فإن المرحلة الراهنة تتيح فرصة مناسبة لطرح مبادرات عملية من شأنها الإسهام في دعم الاستقرار الإقليمي. ويُعد التعاون في مجال الطاقة إحدى هذه المبادرات.
أصبحت صادرات الغاز الإسرائيلية إلى كلٍّ من مصر والأردن ركيزة أساسية في دعم استقرار العلاقات الثنائية مع البلدين، ولا سيما خلال السنوات الأخيرة التي اتسمت بالصراع والتوترات السياسية. كما أضفى البعد الأوروبي- القائم على التعاون مع اليونان وقبرص- عمقا استراتيجيا إضافيا على هذه المعادلة، وإن كانت الافتراضات القائلة بأن التعاون في مجال الطاقة وحده قادر على تسوية النزاعات الإقليمية تنطوي على قدر من التفاؤل المفرط. وفي هذا السياق، يبرز السؤال السياسي الجوهري حول إمكانية دمج فاعلين جدد، أو عائدين إلى الساحة الإقليمية والدولية، مثل سوريا ولبنان وتركيا، ضمن هذا الإطار، والآليات الكفيلة بتحقيق ذلك بما يعزز الاستقرار الإقليمي بدلا من تأجيج التوترات.

