خط أنابيب الغاز العربي كمبادرة دبلوماسية إقليمية

تنطوي إعادة تفعيل وتوسيع خط أنابيب الغاز العربي على تحديات تقنية ومالية يمكن تجاوزها، في حين أن العقبات السياسية، على الرغم من واقعيتها، ليست مستعصية

رويترز
رويترز
منصة الغاز التابعة لحقل ليفياثان، أكبر حقول الغاز في إسرائيل، بالقرب من خليج حيفا، شمال إسرائيل، في 1 أغسطس 2023

خط أنابيب الغاز العربي كمبادرة دبلوماسية إقليمية

تعيد التحولات العميقة الجارية في الشرق الأوسط- ولا سيما في سوريا ولبنان- رسم المشهد السياسي في المنطقة وتنعكس آثارها على طيف واسع من الفاعلين الإقليميين والدوليين. ويبرز بشكل أكبر الاحتمال القائم لعودة سلطة مركزية في دمشق، رغم التحديات الجسيمة التي لا تزال ماثلة، إلى جانب اتساع نفوذ تركيا في توجيه مسار سوريا، والموقع الاستراتيجي المميز لإسرائيل، كلها عوامل تستدعي إعادة تقييم للديناميات الإقليمية المتحولة، خاصة في شرق المتوسط.

على مدى السنوات الخمس عشرة الماضية، شهدت البنية الإقليمية في شرق المتوسط تحولات عميقة تأثرت بثلاثة عوامل رئيسة: اكتشافات الغاز الطبيعي، والمخاوف المرتبطة بالسياسة الإقليمية التركية ذات الطابع الحازم، وتداعيات أحداث "الربيع العربي". وفي هذا السياق، رسّخت إسرائيل مكانتها كمصدّر رئيس للغاز، فيما عزّز المثلث الإسرائيلي–اليوناني–القبرصي مستويات التعاون السياسي والطاقوي، كما كرّست مصر دورها المحوري كمركز إقليمي للطاقة والدبلوماسية. في المقابل، تفرض مجموعة من المتغيرات الداخلية في كل من لبنان وسوريا– بما في ذلك تراجع نفوذ "حزب الله"، والتحولات السياسية في بيروت، وانهيار نظام الأسد في سوريا– ضرورة إعادة تقييم الخريطة الإقليمية. وعلى الرغم من أن سوريا ولبنان لا يزالان يمرّان بمراحل انتقالية حساسة، لا سيما فيما يتعلق بقدرة الدولة على بسط سيطرتها على الجماعات المسلحة وفرض الأمن، فإن المرحلة الراهنة تتيح فرصة مناسبة لطرح مبادرات عملية من شأنها الإسهام في دعم الاستقرار الإقليمي. ويُعد التعاون في مجال الطاقة إحدى هذه المبادرات.

أصبحت صادرات الغاز الإسرائيلية إلى كلٍّ من مصر والأردن ركيزة أساسية في دعم استقرار العلاقات الثنائية مع البلدين، ولا سيما خلال السنوات الأخيرة التي اتسمت بالصراع والتوترات السياسية. كما أضفى البعد الأوروبي- القائم على التعاون مع اليونان وقبرص- عمقا استراتيجيا إضافيا على هذه المعادلة، وإن كانت الافتراضات القائلة بأن التعاون في مجال الطاقة وحده قادر على تسوية النزاعات الإقليمية تنطوي على قدر من التفاؤل المفرط. وفي هذا السياق، يبرز السؤال السياسي الجوهري حول إمكانية دمج فاعلين جدد، أو عائدين إلى الساحة الإقليمية والدولية، مثل سوريا ولبنان وتركيا، ضمن هذا الإطار، والآليات الكفيلة بتحقيق ذلك بما يعزز الاستقرار الإقليمي بدلا من تأجيج التوترات.

من الضروري اعتماد مقاربة واقعية إزاء قدرات خط الأنابيب، إذ تظل طاقته الاستيعابية محدودة

يوفّر خط أنابيب الغاز العربي أداة عملية وقصيرة المدى لتحقيق هذا الهدف، ليس فقط على صعيد التعاون في مجال الطاقة، بل وربما- وهو الأهم- على مستوى الاستراتيجيات الإقليمية والدبلوماسية.

يمتد خط أنابيب الغاز العربي لمسافة تقارب 1300 كيلومتر، بما في ذلك جزء بحري قصير بين مصر والأردن. وقد صُمّم في الأصل لنقل الغاز الطبيعي المصري إلى الأردن وسوريا ولبنان، مع وجود خطط سابقة لتمديده لاحقا إلى تركيا. بدأ تنفيذ المشروع بإنشاء الخط المتجه إلى مدينة العقبة عام 1998، واكتمل العمل فيه عام 2003. وكان من المخطط أن يمتد الجزء السوري لمسافة تقارب 600 كيلومتر، انطلاقا من الحدود الأردنية مرورا بمدينة حمص وصولا إلى حلب، إلا أن مقطع حمص–حلب، البالغ طوله نحو 240 كيلومترا، لم يُستكمل. وعلى مدار السنوات اللاحقة، خضع الخط لأعمال صيانة وتأهيل متقطعة، وفي عام 2021 أفاد مسؤولون سوريون بأن المقطع الممتد بين الأردن وحمص أصبح جاهزا للتشغيل. ومع ذلك، لم يعمل خط الأنابيب يوما بكامل طاقته، نتيجة عوامل متعددة شملت القيود المتكررة على إمدادات الطاقة المحلية في مصر، والهجمات الأمنية المتكررة– ولا سيما في شبه جزيرة سيناء– إضافة إلى العقبات السياسية والمرتبطة بنظام العقوبات. وفي هذا السياق، أخفقت الجهود التي بُذلت عام 2021 لاستخدام خط الأنابيب في التخفيف من أزمة الطاقة في لبنان، ويُعزى ذلك إلى حد كبير إلى العقوبات الأميركية المفروضة على نظام الأسد.

أ.ف.ب
خلال حفل افتتاح خط أنابيب الغاز الطبيعي بين تركيا وسوريا وبدء إمداد أذربيجان سوريا بالغاز في مدينة كيليس التركية، في 2 أغسطس 2025

يتمثل التحدي التقني الرئيس في المرحلة الراهنة في استكمال الأجزاء السورية غير المنجزة من خط الأنابيب وإعادة ربطها، إلى جانب دمج النظام على نحو كامل مع كلٍّ من لبنان وتركيا. ومن اللافت أن خط الربط القائم بين حلب وكيليس داخل الأراضي التركية، بالقرب من الحدود السورية، موجود بالفعل، وقد استُخدم مؤخرا لنقل الغاز الأذربيجاني إلى سوريا في أعقاب التغييرات السياسية الأخيرة، الأمر الذي أسهم في التخفيف من حدة النقص الحاد في إمدادات الطاقة.

من الضروري اعتماد مقاربة واقعية إزاء قدرات خط الأنابيب، إذ تظل طاقته الاستيعابية محدودة، وحتى في حال تشغيله بكامل طاقته، فلن يكون قادرا على نقل كميات كافية لإحداث تحول جذري في أسواق الطاقة الإقليمية. وعليه، لا يُعد المشروع ثوريا من منظور الجدوى التجارية البحتة. ومن المرجح أن يتطلب تشغيله الفعّال تنفيذ أعمال صيانة إضافية وتوسعات محددة، ولا سيما لجهة ربطه على نحو موثوق بمحطات توليد الكهرباء في كل من سوريا ولبنان. ومع ذلك، تبقى الاستثمارات اللازمة متواضعة نسبيا وفق معايير مشاريع البنية التحتية الدولية، كما يُتوقع أن يكون المشروع مجديا ماليا في حال توافر دعم متعدد الأطراف.

يُعدّ مشروع خط أنابيب شرق المتوسط، الذي اتسم بطموح أكبر وتكلفة أعلى، نموذجا مفيدا للمقارنة، إذ كان يهدف إلى نقل الغاز من إسرائيل عبر قبرص واليونان إلى إيطاليا ومنها إلى الأسواق الأوروبية الأوسع

ولكن الأهمية الحقيقية للمشروع تكمن في مكان آخر تماما: في قيمته الدبلوماسية والاستراتيجية.

يُعدّ مشروع خط أنابيب شرق المتوسط، الذي اتسم بطموح أكبر وتكلفة أعلى، نموذجا مفيدا للمقارنة، إذ كان يهدف إلى نقل الغاز من إسرائيل عبر قبرص واليونان إلى إيطاليا ومنها إلى الأسواق الأوروبية الأوسع. وعلى الرغم من أن المشروع لم يُنفَّذ في نهاية المطاف، لأسباب مالية وأخرى تتعلق بحجم الإمدادات والجدوى الاقتصادية، فإنه أدّى دورا استراتيجيا مهماً في تعزيز الشراكات الإقليمية وإعادة تشكيل التحالفات الدبلوماسية. ويُظهر هذا المثال أن مبادرات البنية التحتية يمكن أن تُحدث أثرا سياسيا ملموسا حتى في الحالات التي تكون فيها نتائجها التجارية محدودة أو لم تتحقق بعد.

رويترز
خطوط أنابيب تنقل الغاز الطبيعي القادم من تركيا وأذربيجان، عقب بدء تصدير الغاز الطبيعي إلى سوريا، في حلب، سوريا، 2 أغسطس2025

تنطوي إعادة تفعيل وتوسيع خط أنابيب الغاز العربي على تحديات تقنية ومالية يمكن تجاوزها، في حين أن العقبات السياسية، على الرغم من واقعيتها، ليست مستعصية، ولا سيما في ظل الاهتمام الدولي المتزايد بتحقيق الاستقرار في سوريا والمنطقة ككل. ومن شأن هذه المبادرة أن ترسل رسالة إيجابية بشأن إمكانية التعاون الإقليمي العملي الذي يخدم المصالح المشتركة. وقد سبق التطرق إلى مسألة منشأ الغاز- سواء كان مصريا أم إسرائيليا- في مناقشات سياسية سابقة، ويجدر بالذكر أن الغاز لا يحمل أي انتماء وطني في مجال دبلوماسية الطاقة.

في منطقة تسعى إلى بناء أطر تعاون فعّالة، يمكن حتى للبنية التحتية المتواضعة أن تتحوّل إلى جسور استراتيجية مهمة. ومن هذا المنطلق، يمكن أن يصبح خط أنابيب الغاز العربي واحدا من هذه الجسور، إذا ما اختارت الجهات الفاعلة الإقليمية والدولية التعامل معه كفرصة دبلوماسية حقيقية، لا مجرد مصدر للطاقة.

font change

مقالات ذات صلة