ثلاثة أحداث هزّت العالم وغيّرت الشرق الأوسط

ليس ثمة صراع أيديولوجي في العالم اليوم، ولا صراع بين نظامين اقتصاديين، فالصراع يدور داخل النظام الرأسمالي ذاته

رويترز
رويترز
احتراق دبابة إسرائيلية بعد استهدافها برصاص مسلحين فلسطينيين تسللوا إلى مناطق جنوب إسرائيل، على الجانب الإسرائيلي من حدود إسرائيل وغزة، في 7 أكتوبر 2023

ثلاثة أحداث هزّت العالم وغيّرت الشرق الأوسط

ثلاثة أحداث كبيرة هزّت العالم، ولا سيما منطقة الشرق الأوسط، في الربع الأول من القرن الحادي والعشرين. أولها، تمثّل بالهجوم الإرهابي على نيويورك وواشنطن (2001)، الذي كان من تداعياته شنّ الحرب الدولية على الإرهاب، وقيام الولايات المتحدة بغزو أفغانستان (2001) والعراق (2003)، ما أدى إلى تغيير الخريطة السياسية والأمنية في الشرق الأوسط، وصعود إيران كقطب إقليمي فاعل، أو مقرر، طوال العقدين الماضيين بتعزيز نفوذها في بلدان المشرق العربي، من العراق إلى لبنان مرورا بسوريا. بيد أن ذلك لم يجر بالضد من إرادة الولايات المتحدة، وإنما بفضل تسهيلها ذلك، عبر تسليمها العراق لإيران، من خلال أذرعها الميليشياوية فيه، ثم بسماحها للميليشيات التابعة لإيران الدخول إلى سوريا دفاعا عن نظام الأسد.

أما الحدث الثاني فتمثّل بغزو روسيا لأوكرانيا (2022)، مع كل انعكاساته السياسية والأمنية والاقتصادية والتكنولوجية، على العالم، وعلى العلاقة بين الأقطاب الدوليين. والملاحظة هنا أن روسيا أخفقت في تلك الحرب المستمرة منذ أربعة أعوام، بغض النظر عما إذا كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين استدرج إلى تلك الحرب، أو سعى إليها وفقا لتقديرات قاصرة. ففي المحصلة، أدت تلك الحرب إلى استنزاف روسيا، بشريا واقتصاديا وعسكريا، والأخطر من ذلك، انكشاف تواضع إمكانياتها وقدراتها، في حرب ضد دولة صغيرة من حيث المساحة وعدد السكان والموارد، إضافة إلى خواء أطروحات بوتين بشأن إقامة عالم متعدد الأقطاب، باستعادة مكانة روسيا كدولة عظمى، وفرض احترامها كقطب دولي. والملاحظة هنا أن الولايات المتحدة هي التي لعبت الدور الرئيس في كبح جماح بوتين، وتوحيد وتصليب الموقف الأوروبي، لمواجهة التحدي الروسي، وإدارة الحرب بطريقة لا يخسر ولا يربح فيها أي من الطرفين، أي روسيا وأوكرانيا، وضمن ذلك في صرفه عن الاهتمام بالشرق الأوسط، أو إضعاف موقفه، فيه، ولا سيما في سوريا.

الأسلحة الروسية فلم تثبت أمام تفوق الأسلحة الأميركية أو الغربية، لا من حيث التطور التكنولوجي ولا من جهة قدرتها التدميرية، والأمر ذاته ينطبق على فشل إيجاد بدائل للعملة الأميركية

الحدث الثالث تمثل في عملية "طوفان الأقصى"، التي بادرت إليها حركة "حماس" (أكتوبر/تشرين الأول 2023) والتي اقتنصتها إسرائيل، كالفرصة السانحة التي تنتظرها، لشن حرب إبادة جماعية وحشية، ليس فقط للبطش بالفلسطينيين، وشطبهم من المعادلات السياسية، وإنما لتعزيز هيمنتها في الشرق الأوسط كله، أيضا، من لبنان إلى إيران، مع تقويض ما كان يعرف بمعسكر "المقاومة والممانعة"، الذي لم يثبت كمعسكر يشتغل وفق مفهوم "وحدة الساحات" الذي تبيّنت معظم شعاراته عن "توازن الرعب"، و"زلزلة الأقدام تحت أقدام إسرائيل"، واعتبارها "أوهن من بيت العنكبوت"، عن مجرد إدراكات، وأوهام، قاصرة وخاسرة. هكذا، فإن إسرائيل استطاعت استغلال ذلك الهجوم لشن حرب شاملة، متعددة الأطراف، بدعم لا محدود من الولايات المتحدة، نجم عنها تغيير الواقع السياسي بشكل جذري في بلدان المشرق العربي، والأهم من ذلك أنه نجم عنها إزاحة نفوذ إيران، في تلك البلدان، ودفعها إلى داخل حدودها، بل وتهديد النظام فيها، على ما نشهد هذه الأيام.

الولايات المتحدة التي لا تنهار

يلفت الانتباه في مجمل الأحداث المذكورة أن الولايات المتحدة هي الفاعل الرئيس، والمقرر، في كل تلك الأحوال، ورغم ذلك فإن إداراكات الأطراف المعارضة أو المعادية لها ظلت قاصرة، أو ذات طابع أيديولوجي أو رغبوي، أو تنطوي على المبالغة بالقدرات الذاتية.

رويترز
تصاعد الدخان عقب غارات إسرائيلية على غزة، 7 أكتوبر 2023

وفي الحقيقة فإن تلك الإدراكات كانت تنبني عند معظم الأطراف المعادية على فرضية تقول بقرب انهيار الولايات المتحدة (تماما مثل القول بقرب انهيار إسرائيل)، وأننا إزاء عالم متعددة الأقطاب، وأن محور دول "بريكس" بات يتقدم على الولايات المتحدة، ومنظومة الدول الغربية، اقتصاديا وتكنولوجياً وعسكريا، وأنه بصدد فرض نظام مبادلات مالية عالمية جديد، وفرض عملة دولية، ما يسهم بتقويض مركز الولايات المتحدة.

ومعلوم أن تلك التصورات والتحليلات عن صعود أو هبوط مكانة الولايات المتحدة ليست جديدة، فإبان مرحلة "الحرب الباردة" كان ثمة كلام كثير عن حتمية انهيار الإمبراطورية الأميركية، والعالم الرأسمالي، والانتصار المؤكّد لما يسمى "قوى الثورة العالمية"، التي تضمّ منظومة الدول الاشتراكية والأحزاب العمالية في البلدان الرأسمالية وحركات التحرر الوطني.

بيد أن كل تلك الادعاءات أو الرغبات لم تصمد، وتبينت هشاشتها وسطحيتها، إذ إن الصين، مثلا، وهي بمثابة مصنع العالم، تعتمد على الاستثمارات والأسواق الغربية، مع اعتماديتها على بعض قطاعات التكنولوجيا المتقدمة، أكثر من اعتمادية الغرب عليها.

أما الأسلحة الروسية فلم تثبت أمام تفوق الأسلحة الأميركية أو الغربية، لا من حيث التطور التكنولوجي ولا من جهة قدرتها التدميرية، والأمر ذاته ينطبق على فشل إيجاد بدائل للعملة الأميركية، أو لنظام المبادلات المصرفية الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة. 

بينما تستند دول "بريكس" إلى القوة الاقتصادية التي تمتلكها الصين فقط، فإن الدول الأخرى في ذلك المحور تنتمي للعالم الثالث، أما روسيا فباتت دولة تعتمد فقط على قوتها العسكرية

ويبقى أن دول "بريكس" لم تظهر أية فعالية في أي من الأزمات أو الصراعات الدولية، سوى في إصدار البيانات، فهي لم تشتغل كمحور، ولم تتحرك تبعا لما تريده روسيا في أوكرانيا، ولا وفقا لما تريده الصين بشأن تايوان، ولم يصدر عنها ما يفيد شيئا للفلسطينيين إزاء حرب الإبادة التي شنتها إسرائيل عليهم. إذ كانت الدول الغربية أكثر فعالية في ذلك، على الصعيدين المجتمعي أو الرسمي، وهذا يشمل عدم اتخاذها أي ردة فعل على قيام الولايات المتحدة بخطف الرئيس الفنزويلي، المفترض أنه محسوب عليها، باستثناء إصدارها بيانات أو مواقف إعلامية.

يستنتج من ذلك أن الولايات المتحدة التي لم تنهرْ لم تضعف أيضا، رغم الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تعشعش فيها، ورغم كل الملاحظات على سياساتها الخارجية، وبخاصة دعمها اللامحدود لإسرائيل، بسياساتها الاستعمارية والعنصرية والعدوانية.

مع ذلك، لا ينبغي أيضا أن يفهم من ذلك أن الولايات المتحدة هي بمثابة قطب وحيد في العالم، في حين أننا في عالم متعدد الأقطاب حقا، إلا أن التعددية لا تعني المساواة بين غير متساوين، إذ ثمة تفاوت بين قدرات وإمكانيات وفاعلية كل قطب، ما يعني أن مكانة الولايات المتحدة لا تتراجع أو لا تهبط، وإنما ثمة آخرون يصعدون.

أ ف ب
صورة مشوهة لبشار الأسد في اليوم التالي لسقوط نظامه، دمشق في 9 ديسمبر 2024

ولعل ما يفترض ملاحظته أن الولايات المتحدة لا تحتل موقع القيادة في العالم من كونها تخصص قرابة تريليون دولار لنفقات الدفاع والتسلح (ما يقارب نصف الإنفاق العالمي لعام 2025)، وهو نصف الناتج المحلي الإجمالي لروسيا (تريليوني دولار)، فإلى أهمية ذلك، ومع تفوق منظومات السلاح والإدارة لديها، وقوتها التصنيعية، فإن قوة الولايات المتحدة الأساسية أو نقطة تميزها، تتأتى من قوتها الناعمة، ومن كونها بمثابة القاطرة للتطورات العلمية والتكنولوجية في العالم (بما في ذلك في مجالات الفضاء والطب والطاقة والاتصالات).

عالم متعدد الأقطاب مع قطب مهيمن

وبلغة الأرقام، ووفقا لمعطيات صندوق النقد الدولي لعام 2024، فقد بلغ الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة 28.7 تريليون دولار، وألمانيا 4.59 تريليون دولار، واليابان 4.11 تريليون دولار، والمملكة المتحدة 3.49 تريليون دولار، وفرنسا 3.13 تريليون دولار، وإيطاليا 2.32 تريليون دولار، وكندا 2.24 تريليون دولار. في حين أن الناتج المحلي الإجمالي للصين بلغ 18.5 تريليون دولار، والهند 3.93 تريليون دولار، والبرازيل 2.33 تريليون دولار، وروسيا تريليوني دولار.

ويستنتج من المعطيات السابقة أن الولايات المتحدة وحدها تتفوق على دول "بريكس" مجتمعة، رغم الفارق الهائل في عدد السكان والمساحة لصالح تلك الدول، إضافة إلى احتلالها مكان القاطرة في التطورات التكنولوجية والعلمية، الأمر الذي يجعلها قوة ناعمة تمكنها من الهيمنة في العالم.

وبينما تستند دول "بريكس" إلى القوة الاقتصادية التي تمتلكها الصين فقط، فإن الدول الأخرى في ذلك المحور تنتمي للعالم الثالث، أما روسيا فباتت دولة تعتمد فقط على قوتها العسكرية، وغنى مواردها الطبيعية، مع هبوط قوتها الاقتصادية والتكنولوجية إلى مستوى إيطاليا وكندا والمكسيك وكوريا الجنوبية، رغم مساحتها الهائلة، ومواردها الطبيعية، إذ يبلغ الناتج الإجمالي لألمانيا أو اليابان ضعف ناتج روسيا المحلي.

في المقارنة بين الصين وكل من ألمانيا أو اليابان، فإن الصين (9.5 مليون كلم2) أكبر بثلاثين مرة من أي منهما (أقل من 400 ألف كلم2)، وعدد سكانها أكبر بـ17 أو 14 ضعفا. مع ذلك فإن الناتج الإجمالي لكل منهما على حدة، يساوي أكثر من ربع الناتج الإجمالي للصين، علما أن نصيب الفرد من الناتج الإجمالي في ألمانيا 51 ألف دولار (85 مليون نسمة)، وفي اليابان 39 ألف دولار (125 مليون نسمة)، أي أعلى بعدة أضعاف منه في الصين.

ليس ثمة صراع أيديولوجي في العالم اليوم، ولا صراع بين نظامين اقتصاديين، فالصراع يدور داخل النظام الرأسمالي ذاته

وللتذكير فإن الولايات المتحدة، التي تصرف قرابة تريليون دولار على الدفاع، كما قدمنا، تصرف قرابة تريليون دولار آخر على البحث العلمي، أي إن إنفاقها على البحث العلمي وعلى الدفاع، يساوي الناتج الإجمالي لروسيا تقريباً. وهذا ينطبق على كل من ألمانيا واليابان أيضاً، إذ إن قوة كل منهما لا تتأتى من قوة جيشيهما وصناعتهما، وإنما أيضاً من الطاقة الإنتاجية-الاقتصادية التي يمتلكها كل منهما، ومن تقدمهما في مجال العلوم والتكنولوجيا.

القصد مما تقدم أنه ليس ثمة صراع أيديولوجي في العالم اليوم، ولا صراع بين نظامين اقتصاديين، فالصراع يدور داخل النظام الرأسمالي ذاته، وعلى نمط العيش والقيم السياسية، بين دول رأسمالية تنتهج الديمقراطية الليبرالية وحقوق الإنسان (رغم كل الثغرات والنواقص)، ودول رأسمالية لا تبالي البتة بالديمقراطية والتمثيل وحقوق الإنسان، بل وتنتهج خطاً استبدادياً إزاء الداخل والخارج في آن معاً.

أيضا، كل ما تقدم لا يعني أن الولايات المتحدة أو أيا من الدول الأوروبية أو اليابان، هي بمثابة الدولة الفاضلة أو المثالية، لكنه يعني أن تلك الدول حتى الآن هي الأكثر قدرة على تطوير إمكانياتها، وتجديد أدواتها، وفرض قواعدها الخاصة، بفضل فاعليتها وقدراتها.

font change

مقالات ذات صلة