في الثاني والعشرين من نوفمبر/تشرين الثاني من العام الماضي، بلغ الارتباك داخل الصفوف العليا للحكومة الأميركية في شأن خطة واشنطن لإنهاء الحرب في أوكرانيا ذروة نادرة، لم أعرف لها مثيلا طوال خمسين عاما من متابعة السياسة الخارجية الأميركية. ففي العشرين من الشهر نفسه، مارس الرئيس دونالد ترمب ضغوطا مباشرة على الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لحمله على قبول خطة سلام من ثمانية وعشرين بندا، وجرى تقديمها بوصفها مخرجا للحرب. لكن أعضاء في الكونغرس من الحزبين، الديمقراطي والجمهوري، ما إن اطّلعوا على بنودها حتى رفضوها بقوة، معتبرين أنها أقرب إلى لائحة مطالب روسية مكتملة الصياغة.

ولم يطل الوقت قبل أن تكشف وسائل الإعلام أن الخطة ولدت في اجتماعات عقدت في منزل المبعوث الخاص لترمب ستيف ويتكوف، وبحضور صهره جاريد كوشنر، في ولاية فلوريدا، وبمشاركة مبعوث روسي خاص أرسله الرئيس فلاديمير بوتين.
وفي الثاني والعشرين من نوفمبر/تشرين الثاني، بادر وزير الخارجية ماركو روبيو إلى الاتصال بعدد من أعضاء مجلس الشيوخ في محاولة لاحتواء الغضب المتصاعد. وكان يعرفهم جيدا من سنوات العمل المشتركة تحت قبة المجلس. غير أن هؤلاء ما لبثوا، بعد محادثاتهم معه مباشرة، أن نقلوا إلى وسائل الإعلام ما قالوا إنه تأكيد من روبيو بأن الخطة روسية المنشأ، وأن واشنطن لا تفعل أكثر من تمريرها إلى كييف. لكن وزارة الخارجية سارعت إلى نفي هذه الرواية، مؤكدة أن أعضاء مجلس الشيوخ أساءوا فهم الوزير، وأن البنود الثمانية والعشرين أميركية وعلى أوكرانيا التعامل معها على هذا الأساس.
ومع اتساع دائرة الانتقادات في واشنطن وأوروبا، قال ترمب لصحافة البيت الأبيض مساء ذلك اليوم إنه منفتح على تعديل الخطة. وبعد هذا الارتباك الذي كشف هشاشة المسار، تحرك ويتكوف وكوشنر على عجل مع المسؤولين الأوكرانيين، وتمكنا من بلورة خطة جديدة من عشرين بندا، شكلت لاحقا قاعدة المفاوضات مع موسكو وكييف خلال ديسمبر/كانون الأول، ويناير/كانون الثاني.
مبادرات سريعة وقرارات خاطفة
هذا المشهد لا يندرج في السياق المألوف لصنع القرار الأميركي. ولتفسير طريقة إدارة ترمب لملفات السياسة الخارجية، ينبغي إدراك أن بعض النجاحات- كتقليص نطاق الحرب في غزة وحدتها– قد تتجاور مع لحظات ارتباك لا تقل حدة، كتلك التي أحاطت بالخطة الأولى ذات الثمانية والعشرين بندا في أوكرانيا. فالرئيس يعتمد على دائرة ضيقة تتولى إدارة ملفات الشرق الأوسط وأوكرانيا، تتقدمها أسماء وازنة مثل وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي ماركو روبيو، ونائب الرئيس فانس، وسوزان وايلز مديرة مكتب ترمب، إلى جانب ستيف ويتكوف، صديق ترمب القديم ورجل الأعمال الملياردير، وصهره جاريد كوشنر. وتتميز هذه الدائرة بقدرتها على اتخاذ القرار والتنفيذ بسرعة لافتة. وقربها المباشر من الرئيس يمنحها نافذة مفتوحة على كبار القادة حول العالم. ففي أكتوبر/تشرين الأول الماضي، استخدم ويتكوف وكوشنر ثقل ترمب للضغط على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، حتى وافق أخيرا على وقف إطلاق النار وخطة أميركية لإنهاء الحرب في غزة. وبحلول نهاية عام 2025، تمكن الفريق من زيادة تدفق المساعدات الإنسانية إلى غزة إلى ثلاثة أضعاف. كانت تلك خطوات ذات أثر ملموس، غير أن تثبيت وقف إطلاق النار يظل أسهل من صناعة سلام مستدام. فوقف النار في غزة بقي هشّا، ولم يجر احترامه بالكامل، بينما ظل وقف إطلاق النار في أوكرانيا أبعد منالا.
أخطاء وبطء في المتابعة
ليس من الغريب أن يعتمد الرؤساء الأميركيون على دائرة ضيقة في إدارة السياسة الخارجية، ولكن ما فعلته إدارة ترمب تجاوز ذلك، فأقالت في خطوة مفاجئة أكثر من نصف موظفي مجلس الأمن القومي. ومع هذا التقليص الحاد، تقلّص دور المجلس إلى حد بات فيه معزولا عن دوائر القرار العليا، وعاجزا عن متابعة تفاصيل القرارات الكبرى أو التحذير من تبعاتها قبل أن تتحول إلى أزمات. ولو سارت الأمور وفق المسار المؤسسي المعتاد في واشنطن، لكان المجلس قد نبّه ويتكوف وكوشنر وترمب إلى موجة الاعتراض التي أثارتها خطة البنود الثمانية والعشرين في أوكرانيا وأوروبا والكونغرس.

