عصر الدولار... الغدار والمنهار

على من يستثمرون في أصول أميركية أن يعتادوا ذلك

Shutterstock
Shutterstock
الدولار التجاري

عصر الدولار... الغدار والمنهار

خلال العام الماضي، لوح الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالتعريفات الجمركية في وجه حلفاء الولايات المتحدة، وزاد من ضغوطه على مجلس الاحتياطي الفيدرالي، وتعامل مع عجز الموازنة بوصفه مسألة ثانوية. ومع ذلك، تواصل معظم أسواق الأصول صعودها دون اكتراث يذكر، وكأن لا شيء يدعو للقلق.

فخلال الأشهر الاثني عشر الماضية، ارتفع مؤشر "ستاندرد آند بورز 500" بنسبة 14 في المئة، مدفوعا بإقبال المستثمرين على الذكاء الاصطناعي، فيما لا يزال نمو الاقتصاد الأميركي محل إعجاب عالمي. أما عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عشر سنوات، والذي يفترض أن يرتفع عادة مع تصاعد مخاطر التضخم أو التعثر، فيستقر عند 4.3 في المئة، وهو أقل مما كان عليه عندما أدى ترمب اليمين الدستورية.

غير أن نظرة متأنية تكشف واقعا أكثر قتامة وتعقيدا. فمنذ بلوغه ذروته في يناير/كانون الثاني 2025، فقد الدولار نحو عُشر قيمته أمام مجموعة واسعة من العملات. ونتيجة لذلك، بدا أداء الأصول الأميركية أضعف عند قياسه بالعملات الأجنبية. فعلى سبيل المثال، عند تسعير الأسهم الأميركية باليورو، يكاد ارتفاعها خلال العام الماضي لا يذكر.

(رويترز)
دونالد ترمب، والسيناتور تيم سكوت، ورئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول، خلال جولة في مبنى المجلس الذي يخضع لأعمال تجديد، واشنطن العاصمة، يوليو 2025

يعكس تراجع العملة جزئيا تقلص فجوات أسعار الفائدة بين الولايات المتحدة وبقية دول العالم. غير أن المؤسسات الأميركية نفسها غدت مصدرا متزايدا للقلق، كما نوضح هذا الأسبوع. وفي الوقت نفسه تصاعد ذعر المستثمرين، كما حدث في أبريل/نيسان 2025 حين أعلن دونالد ترمب تعريفاته التي وصفها بـ"يوم التحرير".

نظرة متأنية تكشف واقعا قاتما ومعقدا، حيث يبدو أن أداء الأصول الأميركية أضعف عند قياسه بالعملات الأجنبية

في تلك اللحظات ينسحب المستثمرون من الأصول الأميركية فتتراجع السندات والأسهم والعملة معا. ويرتبط هذا النمط عادة بالأسواق الناشئة لكنه ظهر خلال سبعة أسابيع من أصل 52 في العام الماضي، أي بما يقارب ثلاثة أضعاف وتيرته قياسا بالعقد السابق تقريبا.

وإذا تراجع السيد ترمب عن أكثر أفكاره تطرفا هدأت الأسواق وعادت إلى إيقاعها المعتاد. غير أن هذه الهزات تكشف لمحات عن واقع مقلوب قد يفقد فيه الدولار صفته كملاذ آمن. ويظل ذلك احتمالا مقلقا لأن الدولار يشكل عملة الاحتياط العالمية، ولأن الأجانب يملكون أصولا داخل الولايات المتحدة تفوق ما يملكه الأميركيون في الخارج بما يعادل 89 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي لبلاد العم سام. وفي الوقت نفسه قفز الذهب إلى نحو 5,000 دولار، بزيادة تقارب 75 في المئة خلال عام، مما أجج التكهنات بأن المستثمرين يتحوطون من تراجع قيمة الدولار ومن مخاطر أكبر كامنة في الأفق.

يُفترض أن يثير ذلك قدرا من الشك لدى من يعتقدون أن القوة المالية الأميركية عصية على الانكسار. وأحدث مثال على ما بدا أنه عودة إلى المسار الطبيعي جاء في 30 يناير/كانون الثاني، عندما أعلن السيد ترمب ترشيح كيفن وارش لرئاسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي. يوصف وارش بأنه مصرفي مركزي مخضرم، وساعدت علاقاته الواسعة في "وول ستريت" المجلس على التعامل مع الأزمة المالية العالمية بين 2007 و2009. وتوحي مواقفه في السياسة النقدية بنزعة تشدد واضحة لا بسعي متعمد إلى إضعاف العملة. لذلك قوبل ترشيحه بارتياح سريع في الأسواق فارتفع الدولار وتراجع الذهب. وبالمقارنة مع كيفن هاسيت يبدو وارش أكثر تكنوقراطية وأقل انخراطا في الحسابات الحزبية، فيما ظل هاسيت، مستشار البيت الأبيض المعروف بتملقه، المرشح الأبرز في مرحلة مبكرة.

(رويترز)
أوراق نقدية أميركية مزورة من فئة 100 دولار داخل مجمع استخدم لعمليات احتيال عند معبر تشونغ تشوم–أوسماك الحدودي، بعد اشتباكات بين تايلاند وكمبوديا على منطقة متنازع عليها، فبراير 2026

لكن الارتفاع المحدود الذي غذته موجة ارتياح عابرة لا يغير الاتجاه العام. ففي الشهر الماضي وحده، ومع تلويح السيد ترمب بالتصعيد بشأن غرينلاند، تراجع الدولار 1.5 في المئة فيما قفز الذهب 14 في المئة. ثم إنّ سجل السيد وارش- وإن كان يميل إلى التشدد- لا يلغي أن مواقفه الأخيرة اتجهت بوضوح نحو خفض أسعار الفائدة، بالتزامن مع بحث ترمب عن مرشح.

عندما لوح دونالد ترمب بالتصعيد بشأن غرينلاند تراجع الدولار 1.5 في المئة وقفز الذهب 14 في المئة

يقدم السيد وارش مبررين رئيسين لتيسير السياسة النقدية. أولهما أن الذكاء الاصطناعي قد يقود طفرة في الإنتاجية تسمح بنمو سريع مع تراجع التضخم. ومن حيث المبدأ، فإن زيادة الإنتاج، إذا استقرت العوامل الأخرى، تميل إلى الضغط على الأسعار. كما أن أحدث بيانات الإنتاجية تبدو مشجعة.

ولكن ارتفاع الإنتاجية يحفز أيضا موجات استثمارية جديدة، مثل الإنفاق على مراكز البيانات. كذلك تدفع أسواق الأسهم الصاعدة والتفاؤل بشأن الاقتصاد نحو مزيد من إنفاق المستهلكين. لذلك، إذا استمرت حمى الذكاء الاصطناعي، فمن الأرجح أن تفضي إلى أسعار فائدة أعلى لا أقل.

وليس هذا بمنأى عن سوابق التاريخ. فخلال فقاعة شركات الإنترنت في تسعينات القرن الماضي، اعتقد مجلس الاحتياطي الفيدرالي بدوره أن مكاسب الإنتاجية ستبقي أسعار الفائدة منخفضة، قبل أن يعيد النظر في ذلك مع نهاية العقد.

(رويترز)
كيفن وارش خلال مؤتمر للسياسة النقدية في معهد هوفر بجامعة ستانفورد، مايو 2025

كما يرى السيد وارش أن مجلس الاحتياطي الفيدرالي يستطيع تعويض أثر خفض أسعار الفائدة عبر تصفية الأصول طويلة الأجل، كمن يزيد السرعة ويشد المكابح في الوقت نفسه. وقد يستلزم ذلك تقليص الميزانية العمومية، لكنه يعني عمليا إعادة ضبط آلية انتقال السياسة النقدية داخل النظام المالي.

إذا استمرت حمى الذكاء الاصطناعي، فمن الأرجح أن تفضي إلى أسعار فائدة أعلى لا أقل

في مطلع العقد الثاني من الألفية أخطأ وارش عندما حذر من أن شراء الأصول سيطلق موجة تضخم مرتفعة. وهو يجادل اليوم بالعكس، أي إن تصفية تلك الأصول ستكبح التضخم. لكن الأرجح أن أثرها سيظل محدودا.

إذا تمكن الرئيس الجديد لمجلس الاحتياطي الفيدرالي، بعد تثبيته، من جر زملائه إلى خفض كبير لأسعار الفائدة، فالأرجح أن يحدث ذلك في توقيت غير مناسب. فما يزال التضخم في الولايات المتحدة عند 2.8 في المئة، أي أعلى من الهدف البالغ 2 في المئة. وفي الوقت نفسه، شهد هذا العام خفضا ضريبيا، على أن يتبعه قريبا رد ضريبي يوفر حافزا يناهز 0.3 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. ثم إن صدور حكم من المحكمة العليا بعدم قانونية جزء كبير من تعريفات ترمب، وهو ما يرجح، قد يفتح الباب أمام مبالغ مستحقة للرد تعادل نحو 0.5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. ومع تزامن هذا كله، قد يفضي الجمع بين تيسير نقدي وتحفيز مالي إلى تضخم أعلى، بما يوسع دائرة القلق من الأصول المقومة بالدولار.

إلى أي حد تستطيع الولايات المتحدة أن تواصل اللعب بالنار؟

حتى الآن يساعدها واقع أن المستثمرين لا يجدون بديلا فعليا عن الدولار. فالمعادن النفيسة لا تصلح بديلا لعملة صعبة، ولا توجد سوق سندات تضاهي سوق سندات الخزانة الأميركية حجما أو سيولة أو في مستوى الضمانات القانونية التي توفرها.

(رويترز)
متداولون في بورصة نيويورك يتابعون مؤتمرا صحافيا لرئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول عقب إعلان قرار الفائدة، نيويورك، يناير 2026

ويرجح أن يبدأ المستثمرون الأجانب بالانسحاب من الأسهم الأميركية مرتفعة التقييم قبل أن تمتد الموجة إلى سندات الخزانة. وتوضح تقلبات أسهم التكنولوجيا هذا الأسبوع مدى سرعة تبدل المزاج حين تتغير التوقعات.

من المرجح صدور حكم من المحكمة العليا بعدم قانونية جزء كبير من تعريفات ترمب، ما يفتح الباب أمام مبالغ مستحقة للرد تعادل نحو 0.5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي

ومع أن البنوك المركزية سعت إلى تنويع احتياطاتها، ما يزال الدولار هو العملة المهيمنة عالميا. حيث يتصدر التمويل المصرفي عبر الحدود، وفوترة التجارة العالمية، وتسعير جزء كبير من الديون الدولية، ومعظم معاملات الصرف الأجنبي.

 

تراجع الدولار

يشكل ذلك كله حاجزا يحول دون احتمال انهيار حاد للدولار. غير أن تقلب السياسات وتراجع سعر الصرف جعلا الاحتفاظ بالدولار أخطر مما كان عليه لعقود. وحتى لو صح تقدير السيد وارش لمسار التضخم، فإن خفض أسعار الفائدة سيزيد الضغط على العملة ويضعفها أكثر. ولا يزال أمام تراجع الدولار طريق طويل. فرغم انخفاضه الأخير، ما يزال أعلى من متوسطه التاريخي عند قياسه بالقيمة الحقيقية. كما يشير مؤشر "بيغ ماك" إلى أن الدولار يبدو أعلى من قيمته الحقيقية أمام معظم العملات.

(رويترز)
واجهة مبنى مجلس الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن العاصمة بينما تتواصل أعمال البناء، الولايات المتحدة، سبتمبر 2025

إن غياب بدائل حقيقية للدولار يكبد المستثمرين الأجانب خسائر فادحة، ويجب أن يشكل ناقوس خطر للمستثمرين الأميركيين بأن بديلا ما قد يظهر في المستقبل. ومن المؤسف أن ما عده المستثمرون يوما ما ملاذا آمنا، صار اليوم عبئا يتقاسمه العالم بأجمعه.

font change

مقالات ذات صلة