دور الإعلام الاقتصادي في اطار هندسة الاصلاحات السعودية

تعزيز صدقية المحتوى وترسيخ ثقة المستثمرين نحو شراكة استراتيجية مع "إكسبو 2030"

"المجلة"
"المجلة"

دور الإعلام الاقتصادي في اطار هندسة الاصلاحات السعودية

في أبريل/نيسان 2016، شهدت إطلاق "رؤية السعودية 2030"، الحدث الذي شكّل بداية مسار تحوّل وطني شامل امتد إلى البنية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للمملكة. خلال هذا الإعلان التاريخي، ما لفت انتباهي في تلك اللحظة، ولا يزال يحمل دلالته حتى اليوم، كان وضوح ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في حديثه عن دور الإعلام في مشروع الإصلاح.

حمل هذا التصور دلالات اقتصادية مميزة، إذ وضع إدراج الإعلام ضمن منظومة التقييم والرقابة في صميم مشروع الإصلاح. وأسهم ذلك في تقليص فجوة المعلومات، وتعزيز الانضباط المؤسسي، وترسيخ الثقة لدى الأسواق والمستثمرين والمجتمع على حد سواء. وقد وصلت الرسالة بشكل علني ورسمي، مؤكدة أن الشفافية والحوكمة ليستا تفصيلين هامشيين، بل ركيزتين أساسيتين لضمان نجاح الإصلاح الاقتصادي واستدامة التحول الذي تشهده المملكة.

يعكس المنتدى السعودي للإعلام كيف صار تمكين الإعلام عبر الشفافية ركنا أساسيا في هندسة الإصلاح داخل السعودية.

تطور المنتدى ليصبح منصة استراتيجية تعكس نضج المنظومة الإعلامية في المملكة واندماجها العميق في إصلاحات "رؤية السعودية 2030" الاقتصادية والاجتماعية والثقافية

وعلى مدى العقد المنصرم، ترسخ هذا المسار مؤسسيًا من خلال دورات متعاقبة للمنتدى، إذ جاءت كل دورة امتدادًا مدروسًا لما سبقها. ففي المراحل الأولى، انصب التركيز على ترسيخ المعايير المهنية، وبناء القدرات الإعلامية الوطنية، ومواءمة القطاع مع أجندة التحول الشامل. فيما توسع الاهتمام لاحقًا ليشمل التحول الرقمي، واقتصادات المحتوى، وتعزيز الانخراط الدولي.

مع الدورة الخامسة، التي انعقدت تحت شعار "الإعلام في عالم يتشكل"، بمشاركة أكثر من 300 متحدث في عشرات الجلسات المتخصصة، وحضور عربي وغربي واسع، تطور المنتدى ليصبح منصة استراتيجية تعكس نضج المنظومة الإعلامية في المملكة واندماجها العميق في إصلاحات "رؤية السعودية 2030" الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. ولم يعد المنتدى مجرد مساحة للحوار، بل انتقل من الاكتفاء بتشخيص تحديات القطاع إلى المشاركة الفاعلة في صياغة نماذج إعلامية مواكبة لمتطلبات المرحلة المقبلة، وأصبح يؤدي وظيفة تشغيلية واضحة، تتمثل في مواءمة السياسات، وإرسال إشارات دقيقة إلى السوق المالي، وتعزيز الحضور الدولي، بما يوضح كيف انتقل تمكين الإعلام من فكرة إصلاحية مبكرة إلى ركيزة عملية داخل بنية التحول في السعودية.

الإعلام والأسواق

لم تكتف "رؤية السعودية 2030" بطرح مبادرات لتنويع الاقتصاد وإعادة هيكلة المؤسسات، بل وضعت الشفافية وقياس الأداء في قلب هندسة الإصلاح. فقد جرى تحديد أهداف واضحة، وإتاحة المؤشرات للمتابعة، وأصبح مسار التقدم خاضعا لتقييم دوري ضمن إطار تنفيذ منضبط.

واس
الحفل الختامي للمنتدى السعودي الإعلامي، في الرياض 4 فبراير 2026

وفي هذا الإطار، مُنح الإعلام مساحة مشروعة لمواكبة الإصلاحات عن كثب، وشرح التحولات في السياسات للرأي العام، وتقييم المخرجات، والمساهمة في نقاش مهني مستنير عند الحاجة. وقد عكس هذا المسار نموذجا للحوكمة قائما على الانفتاح والوضوح والمساءلة، أسهم في ترسيخ الصدقية، حيث جرى توثيق تقدم الإصلاح وقياسه عبر نتائج ملموسة قابلة للتقييم، بدل الاكتفاء بالتصريحات والشعارات العامة.

خلال العقد المنصرم، جرت الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في السعودية بشكل علني، مترافقة مع تحولات هيكلية في أسواق رأس المال، وأطر العمل، وأنظمة الاستثمار، والقطاعات الثقافية، ومجالات المشاركة الاجتماعية، وسط متابعة مستمرة وتحليل معمق عبر مختلف منصات الإعلام.

تميّزت مقاربة المنتدى للتكنولوجيا بوصفها ممكّنا استراتيجيا للجودة والكفاءة والاستدامة في القطاع الإعلامي

وأدى الإعلام دورا محوريا في تبسيط هذه التحولات أمام الرأي العام، ورصد تحديات التنفيذ.

بعد عقد على إطلاق "رؤية السعودية 2030"، تبرز خلاصة واضحة: الإصلاحات القابلة للاستمرار هي تلك التي تقوم على تقييم شفاف ومستمر. فقد باتت التغطية الإعلامية، بما تحمله من مهنية وتنوع وتطور متصاعد، جزءا أصيلا من المنظومة الحديثة. وأدى هذا الحضور الإعلامي المتواصل دورا ملموسا في تعزيز ثقة المواطنين والمستثمرين في مشروع الإصلاح، وتحسين الفهم الدولي لمسار التحول الاقتصادي للسعودية.

واس
حضور لافت للمنتدى السعودي للإعلام يتجاوز 65 ألف زائر بتسجيل موسوعة غينتس كأكبر حضور لحدث إعلامي، الرياض 4 فبراير 2026

تميّزت مقاربة المنتدى للتكنولوجيا بوصفها ممكّنا استراتيجيا للجودة والكفاءة والاستدامة في القطاع الإعلامي، لا غاية قائمة بذاتها. فقد جرت مناقشة الذكاء الاصطناعي، وتحليلات البيانات، والمنصات الرقمية، والتقنيات التفاعلية والرقمية الحديثة من منظور عملي يركز على تعزيز موثوقية المحتوى، ورفع الإنتاجية التشغيلية، وتحسين الجدوى الاقتصادية على المدى الطويل، بدلا من التعامل معها كابتكارات معزولة.

وبالتوازي، برز التركيز على البعد الإنساني للتحول، إذ شددت النقاشات على أهمية الأخلاقيات والمسؤولية المهنية وثقة الجمهور، انطلاقا من القناعة بأن التنمية الإعلامية المستدامة تقوم على تحقيق توازن دقيق بين التقدم التقني والوعي الاجتماعي.كما أكد المنتدى السعودي للإعلام أن حماية الأجيال المقبلة لا تتحقق عبر التقييد، بل من خلال بناء بيئات إعلامية واعية ومستنيرة، قادرة على توجيه النقاش العام، مع الحفاظ على المصداقية والنزاهة والقيمة المجتمعية.

من منظور اقتصادي، تكتسب الشراكة الاستراتيجية التي أُعلن عنها خلال المنتدى السعودي للإعلام مع إكسبو الرياض 2030 أهمية خاصة، إذ تعكس إدماجا للإعلام في واحد من أكثر المشاريع الوطنية طموحا

من منظور اقتصادي، تكتسب الشراكة الاستراتيجية التي أُعلن عنها خلال المنتدى السعودي للإعلام مع إكسبو الرياض 2030 أهمية خاصة، إذ تعكس إدماجا للإعلام في واحد من أكثر المشاريع الوطنية طموحا في المملكة. فالإعلام هنا لا يُوضع في إطار ترويجي تقليدي، بل يُتعامل معه كمضاعف اقتصادي مندمج في تنفيذ المشروع نفسه. وتنسجم هذه الشراكة بشكل وثيق مع أهداف "رؤية السعودية 2030،" في صياغة الإرث الاقتصادي والتنموي طويل الأجل لـ"إكسبو 2030."

رويترز
احتفالات بفوز السعودية باستضافة إكسبو 2030 في الرياض، 28 نوفبمر 2023

ومن خلال إدماج الإعلام في التخطيط والاتصال وبناء الحضور العالمي لمشروع بهذا الحجم، تعزز السعودية قدرة السرد المهني على جذب الاستثمار، ودعم السياحة، وتسهيل نقل المعرفة، وتوسيع الأثر الاقتصادي المستدام للفعاليات الدولية. وبهذا المعنى، يتحول الإعلام إلى عنصر فاعل داخل التنفيذ الاقتصادي الوطني، يدعم أهداف التنويع ويسهم في تعظيم العائد من المبادرات التنموية الكبرى.

تمكين الإعلام  الاقتصادي

بالعودة إلى أبريل/نيسان 2016، تبدو الاستمرارية واضحة ولافتة. فقد تطور تمكين الإعلام، كما طُرح عند إطلاق "رؤية السعودية 2030،" تدريجيا إلى منظومة من المؤسسات والمنصات والممارسات المهنية التي تعمل اليوم على نطاق واسع وبامتداد دولي متزايد.

ومع انتقال السعودية إلى المرحلة التالية من "رؤية السعودية 2030،" تقدم تجربة العقد الماضي درسا واضحا: تكتسب الإصلاحات زخما أكبر حين تبنى على الشفافية والصدقية تجاه الرأي العام، وتدار بمعايير واضحة وقد جاء تمكين الإعلام الاقتصادي خيارا واعيا منذ البداية، ليظهر بعد عقد كامل أثره الاقتصادي والمؤسسي بوضوح ضمن مسار التحول الذي تمضي فيه المملكة. 

font change

مقالات ذات صلة