العقار السعودي يدخل مرحلة جديدة بعد الإصلاحات والتشريعات

الانفتاح على تملك الأجانب يقود ديناميكية مختلفة ويعزز المنافسة والنوعية

أ.ف.ب.
أ.ف.ب.
صورة جوية تظهر العاصمة السعودية الرياض 11يناير 2020

العقار السعودي يدخل مرحلة جديدة بعد الإصلاحات والتشريعات

يعود المسار المتصاعد لنمو القطاع العقاري في المملكة العربية السعودية الى ما يزيد على ثلاث سنوات، ليشكل رافعة رئيسة للتنويع الاقتصادي وتعزيز مصادر الدخل. وقد شهد العام المنصرم صدور حزمة من التشريعات والقرارات الاصلاحية لتثبيت مكانة القطاع بوصفه نافذة رئيسة لجذب الاستثمارات في شتى القطاعات، ولا سيما السياحة والثقافة والترفيه والتجارة والأعمال، وذلك في ضوء مستهدفات رؤية المملكة 2030.

وكان اللافت في القرارات، مراعاة تنوع شرائح المجتمع واحتياجاتها، سواء في مجال التملك السكني للأفراد أو في إتاحة فرص استثمارية أوسع لمختلف الفئات من مستثمرين وشركات.

يحتل القطاع العقاري موقعا محوريا ضمن خريطة القطاعات غير النفطية، كونه أحد أبرز المساهمين في الناتج المحلي الإجمالي. وقد ارتفعت نسبة إسهاماته، بما في ذلك مشاريع البناء والتشييد، نحو 13.8 في المئة وفقا لبيانات رسمية. وتظهر المؤشرات استمرار هذا النمو بوتيرة متصاعدة، لا سيما بعد صدور قرار السماح بالاستثمار الأجنبي في أربع مدن رئيسة هي: الرياض وجدة والمدينة المنورة ومكة المكرمة، اعتبارا من 22 يناير/كانون الثاني الجاري، عبر منصة "عقارات السعودية".

يأتي هذا القرار استكمالا لرفع الحظر عن الأجانب في تملك حصص من أسهم الشركات العقارية في مكة المكرمة والمدينة المنورة، مطلع العام المنصرم. وقد شهد هذا التوجه تطورا لافتا مع توسيع نطاق التملك ليشمل حصص الغالبية، بما يتيح للمستثمرين الأجانب رفع ملكيتهم إلى ما يزيد على 49 في المئة، في مؤشر واضح الى انفتاح السوق العقارية وتعزيز جاذبيتها الاستثمارية لرؤوس الأموال.

سيتم الترميز خلال مراحل رئيسة ثلاث، ومن المتوقع في يونيو المقبل أن تصدر لائحة تضمن حقوق المتعاملين، وستكون المملكة من أولى الدول التي تضع معايير الترميز العقاري

ماجد الحقيل، وزير الإسكان والبلديات السعودي

في نسخته الخامسة قبل يومين، كشفت فعاليات "منتدى مستقبل العقار" عن فصل جديد ينتظره العاملون في القطاع، وذلك باستقطاب خبراء شركات ومستثمرين من 140 دولة ونحو 300 خبير ومتحدث، شاركوا في أكثر 40 جلسة.

ومن المتوقع أن تتجاوز الاتفاقات التي ابرمت أو ستبرم في ما بعد، مجموع ما تحقق في النسخ السابقة، التي احتضنت مشاريع شركات تجاوزت قيمتها 50 مليار دولار، حسبما قال الرئيس التنفيذي للهيئة السعودية للعقار المهندس عبد الله حماد.

تباين إيجابي في أسواق العقار

بالتزامن مع انعقاد المؤتمر، يشهد القطاع العقاري تباينا إيجابيا، مع استمرار تراجع أسعار العقارات في الربع الأخير من عام 2025 إثر إجراءات حكومية هدفت إلى السيطرة على تضخم الأسواق. وهذه هي المرة الأولى منذ أربع سنوات التي يحصل فيها ذلك، خصوصا في العاصمة الرياض. وانتعشت في الوقت نفسه، أسهم الشركات العقارية في مؤشر "تاسي" مع مطلع السنة الجديدة بسبب إتاحة الاستثمار للأجانب. أنتجت هذه المعادلة بيئة تكاد تناسب الفئات الاستثمارية كافة، سواء المستثمرين من السوق المحلية أم الأجنبية.

الهيئة السعودية العامة للعقار

وكشف وزير الإسكان والبلديات السعودي ماجد الحقيل خلال فعاليات المنتدى، أن "نسبة تملك الأسر السعودية للمساكن تجاوزت 66 في المئة في عام 2025، مقتربة من المستهدف الحكومي البالغ 70 في المئة، مدعومة بارتفاع التمويل العقاري إلى 900 مليار ريال نحو (240 مليار دولار) ، مقارنة بـ280 مليار ريال (74مليار دولار ) في 2017، ليشكل نحو 27 في المئة من محافظ البنوك السعودية".

الترميز العقاري يفتح بوابة رقمية عقارية

وتحدث الحقيل عن مسار "الترميز العقاري" الذي تم العمل به وتجربته خلال معرض "سيتي سكيب" من العام الماضي قائلا: "سيتم [الترميز] خلال مراحل رئيسة ثلاث، ومن المتوقع في يونيو/حزيران المقبل أن تصدر لائحة تضمن حقوق المتعاملين. وستكون المملكة من أولى الدول التي تضع معايير الترميز العقاري".

يعد الترميز العقاري أداة فاعلة في الاستثمار العقاري، إذ يتيح فرصة المشاركة في التملك بجزء من المبنى أو البرج، بالاعتماد على "البلوك تشين"، لتكون كل حصة رقمية قابلة للتداول.

وقال عبد العزيز العارضي، مالك ومؤسس شركة "مداك" التي انضمت الى الترميز العقاري خلال المنتدى، لـ"المجلة"، "سيسهم الترميز في جذب مزيد من رؤوس الأموال إلى السوق من فئات المستثمرين كافة مهما بلغت كمية السيولة، سواء ابتداء من ألف ريال أو أكثر".

لا يقاس انفتاح السوق العقارية بحجم رؤوس الأموال الداخلة فقط، بل بقدرتها على إعادة تشكيل سلوك المستثمر المحلي

من جهته، أكد وزير الاستثمار خالد الفالح أثناء جلسات المنتدى أن الهدف الاستثماري لرؤية 2030 في استقطاب مقرات إقليمية، يسهم بشكل أساس في نمو السوق العقارية، وقال "يظل العقار هو الملاذ الآمن بالنسبة الى المستثمرين. وإتاحة الاستثمار في هذه المرحلة يعد الوقت المناسب للتوسع في القطاع الخاص العقاري". وقد وصل عدد الشركات التي تموضعت في الرياض حتى الآن إلى أكثر 700، متجاوزة هدف خطط الرؤية بجذب 500 مقر أقليمي إليها.

الانفتاح على تملك للأجانب ودور المستثمر المحلي

أثارت خطوة إتاحة المجال للأجانب في التملك العقاري في المملكة حفيظة بعض المستثمرين السعوديين خوفا من المنافسة وعلى حصصهم في السوق، وعن ذلك أوضح المتحدث الرسمي لهيئة العقار، تيسير المفرج لـ"المجلة"، بالنسبة إلى دور المستثمر المحلي في المرحلة المقبلة، قائلا إن هذه الخطوة تحفز المستثمر على الاستعداد للمنافسة في تطوير أعمال التشييد والبناء المتوقعة. وأضاف: "تحفز هذه المبادرة المستثمرين على بناء شراكات في ما بينهم مما يسهم في رفع مستوى المشاريع العقارية عموما."

أ.ف.ب.
مجمع يضم وحدات سكنية بطراز حديث، في العاصمة الرياض 22 يونيو 2022

شهد المؤتمر عقد عشرات الصفقات بين مطورين محليين ومستثمرين من الخارج، أبرزها اتفاقية "شركة آل سعيدان العقارية" مع "سيربانتين لايك كابيتال" (Serpentine Lake Capital) من المملكة المتحدة و"أس جي آي ريل إستايت" (SGI Real Estate) من كندا.

وتهدف الاتفاقية إلى تأسيس منصة تطوير واستثمار مشتركة تحت اسم "أس. أل. بروبرتي" (SL Property)، تعنى بتطوير مشاريع تجارية وسكنية وضيافة، إلى جانب مشاريع البنية التحتية ومراكز البيانات في مدن عدة حول المملكة. تستهدف المنصة استثمارات مشتركة أولية بقيمة مليار ونصف ريال سعودي (نحو 400 مليون دولار) بالشراكة مع شركة آل سعيدان للعقارات.

نعتقد أن إتاحة الاستثمار لغير السعوديين سيجلب مزيدا من الفرص، ويحسن أداء وجودة السوق

تايلور جيكوبسون، المدير العالم للتواصل المؤسسي لمجموعة "روشن"

تعتزم "أس. أل. بروبرتي" الاستثمار في ما بين 6 و8 مشاريع في مجالي العقارات والبنية التحتية ومراكز البيانات، مع توقع إتاحة فرص إضافية بتوسع نطاق أعمال المنصة مستقبلا.

المنافسة الأجنبية تحسن الأداء والنوعية

استطلعت المجلة آراء الخبراء والمستثمرين الأجانب المشاركين في المنتدى حول أداء وفرص سوق العقار السعودية.

وفي مقابلة خاصة مع "المجلة" قال جوزيه ميغل، مالك ومؤسس مجموعة "جي أف إيه" البرتغالية: "منذ أربع سنوات، قررنا الاستثمار في السعودية لما تمثل الفرص فيها من أهمية بالنسبة إلينا، ونسعى بالتأكيد أن نوسع حضورنا في السنوات الـ15 المقبلة، نظرا الى التغيير الجاري في ضوء "رؤية 2030". لقد حفزتنا الأجواء لأن نكون جزءا من مشاريع الرؤية سواء في الضيافة أو تطوير العقارات، أو تشييد الملاعب".

وعبر المستشار لدى شركة "ديلويت" الاستشارية، دورينان لويس، في حديثه مع "المجلة" أنه "من الرائع أن تضع خطط السعودية الطويلة الأجل تطوير البنية التحتية في مقدمة أولوياتها، وهذا مهم جدا وهو أكثر ما يسعى إليه المستثمر الأجنبي اليوم".

وقال تايلور جيكوبسون، المدير العام للتواصل المؤسسي لمجموعة "روشن"، وهي كبرى شركات التطوير العقاري في المنطقة، وتابعة لصندوق الاستثمارات العامة السعودي، في حديث الى "المجلة": "شاركنا في المنتدى في السنوات الخمس الماضية، ونعتقد أن إتاحة الاستثمار لغير السعوديين سيجلب مزيدا من الفرص، ويحسن أداء وجودة السوق."

وأضاف: "تحرص روشن في مشاريعها على الاستدامة، ونتعاون منذ سنوات مع عدد من الشركات الأجنبية في أعمال البناء وتشييد الوحدات السكنية كمدينة سدرة التي يقطن فيها نحو 300 شخص، ونتطلع في ظل التحول الذي يشهده القطاع إلى العمل مع المطورين والمستثمرين للمشاركة في مشاريعنا".

الاستثمار العقاري في السياحة والثقافة والازياء

يلعب العقار دورا غير مباشر في تحفيز نمو قطاعات حيوية عدة، وهذا يرجع إلى حضوره في النقاشات التي تسعى إلى تطوير السياحة خصوصا. فالمملكة وجهة لأكثر من 100 مليون سائح سنويا، يبحثون عن فنادق وشقق وبنية تحتية متكاملة، لاسيما أن الرياض على موعد مع استضافة "إكسبو" في عام 2030، وكأس العالم في 2034.

وقعت "هيئة الأزياء" السعودية مذكرة تفاهم مع شركة "الجهات الأربع" للتطوير العقاري، لإطلاق مشروع "حي الأزياء" كوجهة حضرية متكاملة تُعنى بقطاع الأزياء، وتسهم في تمكين الصناعات الإبداعية.

ومن بين الاعمال العقارية تبرز مدينة الدرعية، حيث يشيد نحو 35 فندقا و11 متحفا وعدد من مرافق التسوق والترفيه، لتلبية احتياجات السكان والزوار. ولا شك، أن تأثير القطاع يتجلى في ملف جودة الحياة الذي يتسق ومستهدفات رؤية 2030، لا سيما لجهة "أنسنة" المدن وتطوير البنية التحتية وتشييد مرافق تلائم المعايير الحديثة، وتكون قادرة على استيعاب مختلف البيئات والجنسيات. ومن المتوقع أن تمثل مدينة "نيوم" و"ذا لاين" فرصة ذهبية للمستثمرين في غضون السنوات المقبلة.

واس
جانب من جلسات مؤتمر الاستثمار الثقافي بحضور وزير الإقتصاد والتخطيط فيصل الإبراهيم، بجانب وزير الاستتمار خالد الفالح، في الرياض 30 سبتمبر 2025

كما يحضر القطاع العقاري في الميدان الثقافي، من طريق استضافة المعارض وتشييد المسارح والمتاحف وافتتاح صالات العرض السينمائية والمنشآت الترفيهية. ويبرز أيضا في الحفاظ على التراث، وذلك في إتاحة الفرصة لشركات التشييد في ترميم المناطق الأثرية القديمة وهو ما يجري حاليا في مدينة الدرعية، وجدة القديمة، ومدينة الأحساء ،وغيرها. هذا كله لا يمكن أن يحدث، دون تحديث القطاع العقاري لضمان مرونته في الاستثمار في هذه المجالات. وخلال منتدى مستقبل العقار وقعت "هيئة الأزياء" السعودية مذكرة تفاهم مع شركة "الجهات الأربع" للتطوير العقاري، لإطلاق مشروع "حي الأزياء" كوجهة حضرية متكاملة تُعنى بقطاع الأزياء، وتسهم في تمكين الصناعات الإبداعية.

محطات في مسار إعادة هيكلة العقار السعودي

يأتتي هذا التطور المتسارع في القطاع العقاري، ثمرة لجهود الحكومة السعودية، وعلى رأسها رئيس مجلس الوزراء، وولي العهد الأمير محمد بن سلمان، إلى أخذ زمام المبادرة في إعادة هيكلة القطاع، سواء على مستوى الأفراد أو المستوى العام في منتصف العام المنصرم. وتقوم القرارات التي استهدفت السوق العقارية على مسارات عدة، أبرزها:

1- رفع حظر البيع المفروض على أراض بمساحة تتجاوز 81 كيلومترا، وتخصيص ما بين 10 آلاف إلى 40 وحدة سكنية بسعر لا يتجاوز 1500 ريال للمتر، وذلك ضمن مسار التوازن العقاري للمواطنين. بالإضافة إلى تقديم منحة بمبلغ مليار ريال من ولي العهد لدعم مشاريع مؤسسة الإسكان التنموية.

2- فرض رسوم سنوية على الأراضي البيضاء داخل النطاق العمراني للمدن التي ظلت دون أعمال تشييد بنسبة تصل إلى 10 في المئة من قيمتها، وتقسيمها فئات عدة، تصل الأولى إلى 10 في المئة، والثانية 7.5 في المئة، والثالثة 5 في المئة، والرابعة 2.5 في المئة.

3- تنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر في العاصمة الرياض بسبب تضخم الأسعار فيها، من خلال تجميد الزيادة في قيمة عقود الإيجارات السكنية والتجارية السنوية وفق آخر عقد لخمس سنوات مقبلة، وفرض غرامات تضاهي ما تم دفعه على مدار سنة كاملة على المخالفين للائحة الجديدة.

4 - تعديل نظام تملك العقار لتمكين غير السعوديين ضمن نطاقات جغرافية محددة كمرحلة أولية تشمل الرياض وجدة تضاف إليها مكة والمدينة باشتراطات خاصة بسبب خصوصية المنطقة.

في الخلاصة، يمضي القطاع العقاري السعودي في مسار أكثر توازنا ومرونة، جامعا بين ضبط السوق وتحفيز الاستثمار الاجنبيي، وترسيخ دوره كأحد أعمدة التحول الاقتصادي في المملكة.

font change

مقالات ذات صلة