السعودية توسّع أبوابها أمام المستثمر الأجنبي

رفع حدود الملكية الأجنبية للشركات المدرجة وجذب المزيد من الاستثمارات الدولية

"المجلة"
"المجلة"

السعودية توسّع أبوابها أمام المستثمر الأجنبي

يترقب المستثمرون أن تتبع المملكة العربية السعودية خطوة رفع القيود المفروضة على الأجانب بإجراءات إضافية تهدف إلى جذب رأس المال الدولي الذي باتت المملكة في حاجة ماسة إليه، وفي مقدمها رفع حدود الملكية الأجنبية للشركات المدرجة. وأفادت هيئة السوق المالية أنه ستلغى القيود على المستثمرين الأجانب اعتبارا من فبراير/شباط المقبل، بما في ذلك الحد الأدنى للأصول البالغ 500 مليون دولار. ومن شأن هذه التعديلات أن تتيح لعدد أكبر من المستثمرين الوصول إلى الأوراق المالية السعودية، ومن المتوقع أن تعزز جذب المزيد من الاستثمارات الدولية.

تهدف خطة السعودية إلغاء حدود الملكية الأجنبية في السوق، التي تبلغ قيمتها 2,3 تريليون دولار، إلى تحقيق الهدف نفسه، ولكن بطريقة أكثر استدامة وعلى نطاق أوسع. ولم تحدد المملكة بعد ما إذا كان الإلغاء سيتم تدريجيا أم دفعة واحدة، إلا أن هذه الخطوة تبدو حتمية.

"أكثر جاذبية للمستثمرين"

يسمح حاليا للأجانب بامتلاك حصة تصل إلى 49 في المئة فقط في أي شركة مدرجة في السعودية. ومن المتوقع أن يتيح إلغاء هذا الحد خلال السنة الجارية لهم امتلاك حصص غالبية للمرة الأولى في المملكة. وكانت الأسهم السعودية شهدت ارتفاعا فور إعلان "بلومبيرغ" هذه الخطوة في سبتمبر/أيلول الماضي، مما يشير إلى أن بدء تطبيقها قد يعزز النشاط في السوق بشكل ملحوظ.

يسمح حاليا للأجانب بامتلاك حصة تصل إلى 49 في المئة فقط في أي شركة مدرجة في السعودية. ومن المتوقع أن يتيح لهم إلغاء هذا الحد، امتلاك حصص غالبية للمرة الأولى في المملكة

وقال الباحث الزائر في معهد دول الخليج العربية في واشنطن ورئيس بعثة صندوق النقد الدولي السابق في السعودية، تيم كالين، لـ"المجلة": "من المؤكد أن هذه الخطوة ستجعل السوق السعودية أكثر جاذبية للمستثمرين". ومن بين التداعيات المتوقعة لهذه الخطوة، زيادة عدد الطروحات العامة الأولية، حيث شهدت السعودية 13 طرحا أوليا خلال العام المنصرم و14 طرحا في 2024.  

رويترز
المركز المالي وسط مدينة الرياض، 1 ديسمبر 2024

وأضاف كالين: "قد يجعل دخول المزيد من المستثمرين وتدفق السيولة السوق أكثر جاذبية لأصحاب الأعمال للمشاركة في الطروحات العامة الأولية".

ضغوط ومخاوف  

ومن المتوقع أن تمنح هذه الخطوة دفعة ليس فقط لسوق الأوراق المالية السعودي، بل أيضا لرؤية 2030، التي تهدف إلى تنويع الاقتصاد بعيدا من النفط، الذي يشكل حاليا نحو 40 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي للمملكة. وتشير التقديرات إلى أن عجز موازنة المملكة في العام المنصرم بلغ 5,3 في المئة، وهي فجوة تمويلية توسعت نتيجة الإنفاق على مشاريع السياحة والترفيه والبنية التحتية الضخمة وفقا للخطة الوطنية.

بالإضافة إلى التوترات الجيوسياسية الإقليمية والزيادات الأخيرة في إنتاج "أوبك+"، من المرجح أن يؤدي تدخل الولايات المتحدة في فنزويلا والاستيلاء على مواردها النفطية إلى إبقاء الأسعار منخفضة لفترة أطول.

 قُدرت استثمارات الرياض الأجنبية المباشرة بنحو 31,7 مليار دولار في عام 2024، مقتربة من المستوى القياسي البالغ 32,5 مليار دولار في عام 2021

وبقدر ما يقتضي الوضع الحالي جذب رأس المال الأجنبي إلى السعودية لموازنة التأثير السلبي لانخفاض أسعار النفط، التي بقي معظمها أقل من 70 دولارا للبرميل منذ النصف الثاني من العام المنصرم، ثمة مخاوف تتعلق بإلغاء حدود الملكية الأجنبية.

وقال كالين: "من الجوانب السلبية أن المستثمرين المحليين قد يفقدون السيطرة على بعض الشركات، وتصبح السوق أكثر اعتمادا على رأس المال الأجنبي الذي قد يكون أكثر تقلبا مقارنة برأس المال المحلي". وتجاوزت حيازات المستثمرين الأجانب في السوق المالية السعودية 590 مليار ريال (157,3 مليار دولار) في نهاية الربع الثالث من 2025، يشكل نحو 88 في المئة منها استثمارات في التداول، وفقا للأرقام الرسمية.

ما بعد الأوراق المالية 

ويعد إلغاء حدود الملكية الأجنبية أحد الإصلاحات التي أطلقها ولي العهد السعودي، رئيس مجلس الوزراء، الأمير محمد بن سلمان لجعل البورصة السعودية أكثر جاذبية عالميا، وقادرة على التفوق على الأسواق الأخرى في الخليج، التي تقدم بدورها حوافز لجذب المستثمرين الأجانب. ويسعى ولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى تحويل المملكة إلى مركز تجاري عالمي نابض بالأنشطة الصناعية، مدعوما بقطاع تكنولوجي قوي.  

.أ.ف.ب
تحسن في أداء البورصة السعودية بعد توافد الاستثمارات الأجنبية

في يناير/كانون الثاني من العام المنصرم، سمح للأجانب بالاستثمار في الشركات السعودية المدرجة التي تمتلك أصولا عقارية في مكة والمدينة. وفي ديسمبر/كانون الأول، ألغت الحكومة الضريبة المفروضة على العمال الأجانب في المؤسسات الصناعية. وقبل عام، اتخذت الحكومة إجراءات لحث الشركات الأجنبية على نقل مقارها في الشرق الأوسط إلى المملكة، وحظرت توقيع عقود مع الشركات التي لا تمتثل لهذه التوجيهات.   

وتتطلع السعودية أيضا إلى زيادة استثماراتها الأجنبية المباشرة في قطاعات متعددة من خلال حزمة من الإصلاحات والتعديلات القانونية. وقُدرت استثماراتها الأجنبية المباشرة بنحو 31,7 مليار دولار في عام 2024، مقتربة من المستوى القياسي البالغ 32,5 مليار دولار في عام 2021.  

تشهد سوق العقارات السكنية في الرياض طلبا قويا، لا سيما على مبيعات الأراضي

شركة "سي. بي. آر. إي." الأميركية

وعندما سئل عما إذا كان رفع حدود الملكية الأجنبية في الشركات المدرجة يمكن أن يعزز الاستثمار الأجنبي المباشر في السعودية، قال كالين: "إن القدرة على امتلاك حصص غالبية يمكن أن تكون جذابة للمستثمرين الأجانب، لذا نعم، على الرغم من أنني أظن أن الأمر سيستغرق بعض الوقت لتحقيق هذا التأثير".  

المزيد من التغيير لاستيعاب النمو  

بالتوازي مع الخطوات المتعددة الرامية إلى انفتاح الاقتصاد السعودي، يتسارع معدل النمو السكاني، مما يستدعي إجراء تغييرات لاستيعاب أعداد أكبر ومجتمع أكثر تنوعا.

ويتوقع أن يصل عدد سكان السعودية إلى ما بين 50 و60 مليون نسمة في حلول 2030، نصفهم من غير المواطنين. وبلغ عدد السكان في المملكة 35,3 مليون نسمة في 2024، بحسب البيانات الرسمية، ويشكل الأجانب أكثر من الثلث.

رويترز
صورة جوية لمباني وأبراج العاصمة الرياض، 1 يناير 2025

وفي سبتمبر/أيلول، أصدر ولي العهد الأمير محمد بن سلمان أمرا بتجميد زيادات الإيجارات في الرياض للسنوات الخمس المقبلة لكل من العقارات السكنية والتجارية، بعد فترة وجيزة من تحذيره في شأن ارتفاع أسعار العقارات. وشهدت الرياض انخفاضا في أسعار العقارات بنسبة 3 في المئة خلال الربع الأخير من العام المنصرم، مقارنة بارتفاع بنسبة 1 في المئة في الفصل الثالث من العام نفسه، على إثر هذه القرارات، وهو الانخفاض الأول الذي شهده القطاع منذ أربع سنوات.

وقالت شركة "سي. بي. آر. إي." الأميركية في يوليو/تموز الماضي: "تشهد سوق العقارات السكنية في الرياض طلبا قويا، لا سيما على مبيعات الأراضي". وأشارت إلى أن هناك "استثمارات كبيرة في القطاعين العام والخاص وإطلاق مشاريع جديدة تهدف إلى معالجة الفجوة الكبيرة في المعروض في سوق الإسكان". ومن المتوقع إضافة نحو 60 ألف منزل إلى السوق خلال العامين المقبلين، بحسب معلومات الشركة.  

كما تم إدخال إصلاحات اجتماعية تمهد الطريق أمام الرياض والمدن السعودية الأخرى لتصبح مهيأة أكثر للتعددية في السنوات المقبلة.

font change