في خطر تحول الإبادة إلى تمرين لغوي

تضخم مفاهيم الإبادة الرمزية

Eyad Baba / AFP
Eyad Baba / AFP
طفل فلسطيني نازح يلوّح بالعلم الفلسطيني وهو يسير فوق أنقاض مبنى مدمّر في مخيم البريج وسط قطاع غزة، 22 سبتمبر 2025

في خطر تحول الإبادة إلى تمرين لغوي

بعدما عُلق الغزي طويلا على مقصلة مفهومي الهزيمة والانتصار، يعاد اليوم تعليقه على مقصلة جديدة: الإبادة الثقافية، الإبادة العمرانية، إبادة الذاكرة، وغيرها من المصطلحات التي تتكاثر في فضاء لغوي معلق. هكذا يزاح الجسد الغزي مرة أخرى، لا هذه المرة بالقصف وحده، بل بإغراقه في طبقات مفهومية تعيد تعريف معاناته من خارجه.

لا يعرف الغزي الإبادة الجسدية بوصفها مفهوما نظريا، بل يعيشها كواقع يومي مباشر: جسد يصاب، أطراف تقطع، عائلات تسحق، إنسانية تمحى. جثث مفقودة أو مجزأة أو عارية، في الثلاجات أو تحت الركام. هذه ليست استعارات، ولا توصيفات بلاغية، بل تفاصيل حياة وموت تختبر ساعة بساعة. في مقابل هذا الواقع المادي الفج، يتكاثر إنتاج مفاهيم تحاول الإحاطة بالإبادة من زوايا رمزية: ثقافية، عمرانية، معرفية، خطابية. قد تبدو هذه التوسعة ضرورية لفهم أوسع، لكن الخطر يبدأ حين تتحول إلى بديل من المركز لا امتدادا له، حين يصبح النقاش حول توصيف الإبادة أهم من وقفها، وحين تتقدم اللغة على الدم.

النازح في خيمته أو تحت قصف متجدد، يجد نفسه محاصرا بخطاب أكاديمي مشبع بالبلاغة والاستعارات، بينما لغته الطارئة، لغة النجاة والبحث عن الماء والخبز، تتآكل أمامه. تقدم له مفاهيم جديدة بثقة باردة، في أطباق نخبوية، ويطلب منه أن يهضمها على معدة فارغة. لا يشعر بأن هذه المفاهيم خاطئة بالضرورة، ولا بأنه عاجز عن فهمها. لكنه يشعر أن تجربته يعاد صوغها أمامه، تجتزأ وتعقم، وتقدم أقل حدة وأقل فظاعة مما يعيشه، كأن الكارثة التي يختبرها يمكن تهذيبها لغويا أو احتواؤها ضمن إطار نظري أنيق.

ظهرت في بعض الأوراق البحثية تسميات من قبيل "الاقتدار باللملمة" (نادرة شلهوب كيفوركيان، تحدي الأشلاء والاقتدار باللم واللملمة، ورقة بحثية، مجلة الجنوب، المجلة الفلسطينية للدراسات التحررية، خريف/ شتاء 2025)، وهو مصطلح يبدو منزوع الحساسية الإنسانية. فلا يمكن جمع الأشلاء أن يصور كاقتدار، ولا يمكن لفعل اضطراري قهري أن يتحول إلى أفق مفاهيمي للمقاومة. حتى لو حملت التسمية رغبة في إنصاف الفعل الأخلاقي، فإن تحويل الضرورة الكارثية إلى إطار نظري يحمل خطرا خفيا: نسيان أن أصل هذا "الاقتدار" ليس إرادة اختيارية، بل انكشاف كامل أمام عنف مطلق.

تحويل الضرورة الكارثية إلى إطار نظري يحمل خطرا خفيا: نسيان أن أصل هذا "الاقتدار" ليس إرادة اختيارية، بل انكشاف كامل أمام عنف مطلق

"لملمة الأشلاء" ليست مفهوما أبيض، بل اضطرار معتم، وهي ليست مادة قابلة للإدراج في درس مسائي ضمن مدرسة فكرية. قد تقرأ كفعل سياسي غير واعٍ، أو كتكيف قسري مع الإبادة. وهنا تكمن خطورة المصطلحات حين تسبق الألم وتعيد ترتيبه داخل قوالب معرفية مريحة.

Omar Al-Qattaa / AFP
طفلة تبحث عن أشياء يمكن إنقاذها بين أنقاض برج السوسي الذي دمّرته غارة إسرائيلية في مدينة غزة، 6 سبتمبر 2025

بعض الأوساط الأكاديمية، وبعض النخب الثقافية، لا يحتمل إبادة مليئة بالدم والأشلاء والروائح والصراخ. يفضل إبادة قابلة للتداول: نظيفة، مصقولة، صالحة للنشر والتمويل والندوات. إبادة يمكن تقديمها في عرض تقديمي، وصوغها في تقرير، وإدراجها في ملف "وورد" دون أن تترك أثرا مزعجا على الضمير. إبادة أكثر رمزية، وأقل تكلفة سياسيا. وهنا يشعر الغزي أن مأساته تحولت إلى مادة تحليل، بينما الجريمة ذاتها لا تزال مستمرة حتى اللحظة.

يتحدث بعض الطروحات عن مفاهيم معرفية لا حصر لها والقائمة طويلة: إعادة إنتاج السيطرة، عولمة الحصار وتطبيع الإبادة ونظام التفتيت، و"التجويع الجسدي" و"التجويع النفسي المعرفي" (مارغريت الراعي، "التجويع الممنهج: كهندسة نفسية ومعرفية وتأثيرها على الفلسطينيين في قطاع غزة"، مجلة تقدم). الأول فعل قاتل ملموس، محصى بالأرقام والأسماء. أما الثاني، فرغم واقعيته، يدرج أحيانا بطريقة تخلق توازنا زائفا، كأن الجوع الذي يفتك بالأجساد يستكمل بإطار معرفي يخفف وطأته عبر تحويله إلى "أثر" يدرس. هكذا تصبح الفظائع قابلة للقياس الاجتماعي والنفسي، بدل أن تبقى صدمة أخلاقية غير قابلة للتلطيف.

Eyad Baba / AFP
طفل فلسطيني يحمل كتابا ويجلس بين أنقاض منزل في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة بعد غارات إسرائيلية، 29 أبريل 2025

مع استمرار الإبادة، ينزلق النقاش أكثر نحو أزمة المفهوم لا أزمة الجسد. كأننا أمام حدث نظري يحتاج إلى تأطير ضمن إرث "ما بعد الإبادة"، رغم أنه لم يدخل بعد في زمن "ما بعد". الجسد لا يزال يستهدف، ومع ذلك يؤجل حضوره في الخطاب لصالح تحليلات لغوية وتفكيكات مصطلحية.

الأولويات الأخلاقية لا اللغوية

الحديث عن الأبعاد الثقافية والعمرانية والمعرفية مهم وضروري، لكن لا ينبغي أن يكون على حساب مركزية الجسد الإنساني. فثمة أولويات أخلاقية لا يجوز قلبها أو تأجيلها لصالح تأطيرات مفهومية أوسع. لا يمكن أن يتصدر خطاب الذاكرة والعمران المشهد التحليلي بينما يزاح الجسد إلى الهامش، كأنه تفصيل مأسوي داخل سردية أشمل.

فتحويل قصف الجسد وبتره إلى محصلة "طبيعية" ضمن سياق تاريخي، أو إدراجه بوصفه مرثية داخل بنية روائية، لا يمثل توسعا معرفيا بقدر ما يكشف عن خلل في ترتيب القيم. فالمعرفة التي تفصل الجسد عن مركز الحدث، أو تؤجله لصالح مفاهيم أكثر تجريدا، تخاطر بإعادة إنتاج نزع الإنسانية الذي يفترض أن تكشفه أو تنتقده. بذلك، لا يعود الإشكال في غياب التحليل، بل في كيفية توزيعه أخلاقيا داخل النص.

ليس من الأخلاقي أن يتعامل البعيدون عن النار، المحميون بالوظائف والمشاريع والمساحات الآمنة، مع غزة كحالة دراسية. ولا أن يكون خطابهم الوطني بلا مخاطرة، والإنساني بلا ثمن. فالتفكيك اللغوي لعبارات مثل "حق الدفاع عن النفس" و"حماية المدنيين" ضروري، لكنه لا يكفي. إذ يمكن أن يتحول بدوره إلى اشتباك رمزي يمنح وهم المشاركة في المعركة، بينما يبقى الدم خارج التحليل.

مع استمرار الإبادة، ينزلق النقاش أكثر نحو أزمة المفهوم لا أزمة الجسد. كأننا أمام حدث نظري يحتاج إلى تأطير ضمن إرث "ما بعد الإبادة"، رغم أنه لم يدخل بعد في زمن "ما بعد"

حين تتحول اللغة إلى مركز الفعل، قد تصبح أداة تخفيف لا كشف. تزاح الدماء من الصدارة إلى الهامش، ويستبدل الوقع الأخلاقي بنقاش تقني حول حدود المصطلح. وهنا يتحول الاشتغال على المفهوم إلى شكل من أشكال التعزية النظرية.

من يقرأ أدب الناس في الخيام، أو يسمع شهاداتهم، يلمس تعبا واضحا من هذا "الصيد اللغوي". ليس رفضا للفكر، بل رفض للبدائل الأخلاقية التي تخفف فظاعة الواقع بدل مواجهته. فهم يواجهون المصطلحات بقدر ما يواجهون الحصار. كلاهما يفرض عليهم إعادة تعريف أنفسهم داخل قوالب ليست من صنعهم.

هذا النوع من الخطاب، وإن صدر من زاوية بعيدة، قد يقترب من منطق استعماري قديم: إشغال الضحايا بلغة "التحديث" و"التحضر" و"العمران"، بينما يمارس عنف مادي مروع، فيتحول الجدل الأكاديمي البارد إلى غطاء غير مباشر للعنف، ويستدرج الضحايا أنفسهم إلى معارك لغوية جانبية.

كذلك، فإن الانغماس في الجدل القانوني حول تعريف الإبادة قد يقود إلى انزلاق تقني طويل، بينما الجريمة مستمرة. التركيز المفرط على حدود المفهوم قد يجرد المعاناة من كثافتها، ويحولها إلى مادة نقاش معزولة، بدل أن تبقى صرخة أخلاقية مفتوحة يشارك فيها الضحية بصوته وجسده.

كيف تتحول الكلمات الأكاديمية إلى جدار عازل؟

لم يفقد الناس ثقتهم بالمفاهيم من فراغ، بل فقدوا الثقة بمن يستخدمها. خلال هذه الإبادة، راقب الناس الأكاديميين عن قرب. كثيرون تحولوا إلى محللين دائمين، يشغلون مواقع مهنية بعيدة عن الميدان. لم يكونوا في الشارع، لم ينظموا، لم يضعوا أجسادهم، أو حتى أصواتهم، في المواجهة. بقي حضورهم محصورا في اللغة.

في المقابل، ازداد إنتاج المفاهيم، وازدادت معها المسافة. هنا بدأت الكلمات تتحول إلى جدار عازل يفصل بين من يدفن تحت الركام ومن يختصر التجربة في ورقة بحث. بين من يبحث عن ماء ودواء، ومن يبحث عن إطار نظري مناسب.

Omar Al-Qattaa / AFP
أطفال فلسطينيون يحضرون حصة دراسية في مدرسة "الكمالية العثمانية" التاريخية في البلدة القديمة من غزة ضمن مبادرة تعليمية تطوعية، 2 نوفمبر 2025

حين تختزل الأزمة في "بنية هزيمة" أو "أفق إدراكي مغلق"، أو تؤول الهزيمة الساحقة بوصفها "رغبة في الهزيمة"، فإننا نكون أمام طبقة معرفية تضاف فوق واقع الانكشاف الكامل. لا حاجة لمن يعيش المحو إلى مزيد من التأويل الفلسفي لشرح عجزه، فهو لا يفتقر إلى المفهوم، بل إلى النجاة.

الجدل القانوني حول تعريف الإبادة قد يقود إلى انزلاق تقني طويل، بينما الجريمة مستمرة. التركيز المفرط على حدود المفهوم قد يجرد المعاناة من كثافتها، ويحولها إلى مادة نقاش معزولة

المفاهيم، التي كان يفترض أن تكشف، أصبحت في كثير من الأحيان تنظم المسافة فقط. تنظر من علٍ، وتعيد ترتيب المشهد دون أن تمسه. ولهذا لم يعد الناس يؤمنون بها، بل يقاومونها أحيانا. لا لأنهم ضد التفكير، بل لأنهم اختبروا كيف يمكن الكلمات أن ترتد فارغة حين تصطدم بجسد مهدد.

Omar Al-Qattaa / AFP
أطفال ينظرون من داخل ملجأ للنازحين في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، 22 ديسمبر 2025

الغزي لا يباد كمفهوم، بل ككائن حي. وهو لا يحتاج إلى من يؤطر تجربته بقدر ما يحتاج إلى من ينقلها كما هي، دون تجميل أو تهذيب.

المعجم الفلسطيني والتحذيرات الأكاديمية

كثير من التوصيفات الأكاديمية لم يستقبل بوصفه اجتهادا معرفيا، بل بوصفه خيانة صامتة ليوميات الناس، لكتاباتهم وشهاداتهم، ولأدبيات الإبادة التي يكتبونها بأجسادهم. خلال هذه الكارثة نشأ معجم جديد بالكامل: معجم للنزوح، ولصناعة الخيمة، ولتدبير الماء تحت القصف، ولإعادة تعريف البيت والجغرافيا والزمن. هذا المعجم لم تصنعه الجامعات ولا المؤتمرات، بل صاغه الناس وهم يجرون حياتهم من مكان إلى آخر.

حين تستبدل هذه اللغة الطارئة بمفاهيم جاهزة، يشعر الناس أن تجربتهم يعاد تشكيلها لتناسب قوالب مسبقة، ليس رفضا للتفكير، بل رفض لأن يتحول التفكير إلى بديل من الإحساس. فالمعاناة لا تحتاج إلى تحسين لغوي كي تصبح قابلة للنشر.

يشتد هذا الشعور حين لا يستدعى الناس إلى هذه المساحات أصلا، ولا ينظر إليهم كمنتجين للمعرفة، بل كموضوعات تحليل. هكذا يكتب تاريخ مستبق للأحداث، وتؤرشف الإبادة وهي لم تنته بعد.

Omar Al-Qattaa / AFP
رجال يسيرون في ممر موحل داخل مخيم مؤقت للنازحين بعد أمطار غزيرة في حي الزيتون بمدينة غزة، 11 ديسمبر 2025

وكان بيام أخافان أستاذ القانون الدولي في جامعة ماكغيل في مونتريال، في مقالته المنشورة عام 2016، "مفهوم الإبادة الثقافية من منظور القانون الدولي والإنساني"، حذر من خطر التركيز المفرط على نقاش الإبادة الثقافية باعتباره مجرد مفهوم قانوني أو اصطلاح، لأن ذلك يمكن أن يؤدي إلى التجريد من عمق المعاناة الإنسانية الحقيقي. ويرى أخافان أن "مصطلح الإبادة الثقافية غالبا ما يعمل كعلامة حداد أو استعارة للشفاء".

وفي نقد عكسي للحالة الغزية، يذكر بأن إدوارد سعيد حذر من أن الغرب غالبا ما يصور الشرق "كموضوع دراسة" بدل أن يكون فاعلا حقيقيا في روايته وخالقا لصورته الذي يريد تسويقها أو التعريف بها، وهو ما يعيد بعض النخب الأكاديمية والمؤسساتية الفلسطينية وحتى"الأدواردية" الى  إنتاج هذا المنطق داخل السياق المحلي.

حين تتحول غزة إلى مادة خام للتحليل، لا إلى شريك معرفي، يعاد إنتاج منطق استشراقي داخل سياق محلي. تبتر التجربة لتناسب شروط النشر، ويزاح الدم من المعادلة لصالح خطاب أكثر أناقة.

لهذا، لا يمكن أخلاقيا ولا تاريخيا تقديم الإبادة العمرانية أو الثقافية أو إبادة الذاكرة بوصفها بديلا من الإبادة الجسدية. هذه كلها أبعاد حقيقية ومهمة، لكن الجسد هو الأولوية الأولى. الدم، والمشهد القاسي، والإنسان الذي يحتمل ما لا يحتمل، كل ذلك أكثر واقعية وأعمق دلالة من أي توصيف "أنظف".

ليست المشكلة في الاعتراف بتعدد مستويات الإبادة، بل في قلب الترتيب. حين يدفع الجسد إلى الهامش، ويستبدل بمركزية خطابية، نكون أمام انزياح أخلاقي فاضح. الجسد هنا ليس تفصيلا، هو الحقيقة العارية، وهو نقطة البدء التي لا يجوز تجاوزها.

لا يجوز أن تتحول الإبادة إلى تمرين لغوي. الأولوية ليست لإنتاج المصطلح، بل لحماية الإنسان الذي لا يزال يقتل باسمه

النتيجة المؤلمة أن ما يقدم عن غزة في كثير من الأحيان ليس سوى عنوان: الغزي هو الدراسة، وتجربته خلفية تحليل. بينما يكتسب الخطاب الأكاديمي من معاناته صقله الرمزي وشرعيته الأخلاقية، بعيدا من النار التي يعيشها الناس فعليا. السؤال ليس: هل نحتاج إلى مفاهيم جديدة؟ بل: متى، وكيف، وبأي ترتيب أخلاقي؟

Eyad Baba / AFP
أطفال فلسطينيون يصطفون للحصول على وجبة طعام ساخنة يوزعها مطبخ خيري في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، 15 يوليو 2025

لا اعتراض على التفكير، ولا على توسيع المعنى، ولا على مساءلة اللغة. لكن ثمة لحظات تاريخية يطلب فيها من الخطاب أن يتواضع أمام الجسد، لا أن يعلوه. أن يشهد، لا أن ينظر فقط. أن ينقل، لا أن يعيد صوغ الألم وفق شروطه.

في زمن تباد فيه الأجساد يوميا، لا يجوز أن تتحول الإبادة إلى تمرين لغوي. الأولوية ليست لإنتاج المصطلح، بل لحماية الإنسان الذي لا يزال يقتل باسمه.

font change