حين قصفت الولايات المتحدة وإسرائيل إيران في فبراير/شباط، مضت طهران إلى تنفيذ تهديدها القديم، فأغلقت مضيق هرمز، ذلك الشريان البحري الضيق الذي يمر عبره عادة خمسة إمدادات النفط والغاز الطبيعي في العالم. دوت الصواريخ، وغاصت الألغام في قاع البحر، واستدارت الناقلات عائدة من حيث أتت.
لم يكن إغلاق المنفذ الوحيد للخليج حصارا فيزيائيا فحسب، بل كان حصارا ماليا أيضا. فبين عشية وضحاها، قفزت أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب على السفن العابرة لمضيق هرمز، بعدما أعاد مؤمنو القطاع الخاص تسعير التغطية إلى مستويات تعجز شركات الشحن عن تحملها، أو امتنعوا عن تقديمها من الأساس.
وجدت الصين نفسها بين الدول التي اشتد عليها هذا الخناق، رغم سنوات من التقارب مع طهران، وما تلقته من تطمينات بأن سفنها ستستثنى من أي حصار محتمل. فالشرق الأوسط يؤمن نحو نصف واردات الصين النفطية. وإذا كانت بكين عاجزة عن ضمان تدفق نفطها حين تتحكم قوة صديقة بممر حيوي بالغ الحساسية، فكيف سيكون حالها عندما يصبح الممر الحيوي التالي في قبضة خصم كالولايات المتحدة؟
ينبغي لهذا السؤال أن يؤرق الزعيم الصيني شي جينبينغ. فرغم أن الصين تملك أكبر منظومة صناعية في العالم للمركبات الكهربائية، والألواح الشمسية، وتوربينات الرياح، إلا أن مصانعها وشاحناتها وسفنها وطائراتها المقاتلة لا تزال تعتمد في تشغيلها على النفط. ومن أصل 15 إلى 16 مليون برميل تستهلكها يوميا، يصل نحو 11 مليون برميل بحرا عبر مياه لا تخضع لسيطرة بكين. ومع أن قرابة 40 في المئة من هذه الكمية تمر عبر مضيق هرمز، فإن هرمز ليس الممر الأشد حساسية.
الكلام هنا ينطبق على مضيق ملقا، ذلك الممر البحري الطويل والضيق الذي تتشارك ماليزيا وإندونيسيا وسنغافورة الإشراف عليه. وفي أضيق نقطة فيه، عند قناة فيليبس، لا يتجاوز عرضه ثلاثة كيلومترات، مقارنة بنحو أربعة كيلومترات لأضيق ممر ملاحي في هرمز. ويعبر ملقا يوميا نحو 23.2 مليون برميل من النفط، أي أكثر مما يتدفق عبر هرمز. أما الصين، فيمر نحو 80 في المئة من وارداتها النفطية عبر هذا المضيق على متن ناقلات بحرية.

تنظر بكين منذ زمن إلى اعتمادها الكبير على مضيق ملقا باعتباره مكمن ضعف استراتيجي. ففي عام 2003، حذر الزعيم الصيني آنذاك هو جينتاو من "معضلة ملقا"، أي من احتمال أن تتحول سيطرة قوة معادية على المضيق إلى وسيلة لابتزاز الصين عبر إمداداتها النفطية. كان هاجسه في ذلك الوقت حصارا بحريا مباشرا، تُرغم فيه ناقلات الصين على الرجوع بالقوة. غير أن أزمة إيران كشفت تهديدا أشد خطورة.



