حين شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات منسقة على إيران في فبراير/شباط 2026، فقتلتا "المرشد" علي خامنئي وألحقتا دمارا واسعا بالبنية التحتية العسكرية في طهران، دخل الشرق الأوسط مرحلة جديدة من إعادة ترتيب موازين القوة. وأوحى رد بكين العلني، الذي جمع إدانات أخلاقية محسوبة، والدعوة إلى عقد جلسة طارئة لمجلس الأمن الدولي، وإيفاد مبعوث خاص إلى الخليج، ورسالة تصالحية أرسلها وزير خارجيتها إلى واشنطن، رأت بكين أنها ضرورية للحفاظ على ترتيبات قمة ترمب وشي، في نهاية مارس/آذار، بأنها قوة عالمية مستقرة تدير بهدوء اضطرابا جيوسياسيا غير مرغوب فيه، ولا يمس إلا هامشيا مصلحتها المركزية في الأمن القومي، وهي علاقتها بالولايات المتحدة.
ورغم أن بكين بدت حريصة على معايرة ردها على عملية "الغضب الملحمي" بقدر كبير من الانضباط ورباطة الجأش، فإن القلق المستتر خلف هذا الهدوء لم يكن يوحي بأي طمأنينة حقيقية. فخلف هذه الكوريغرافيا الدبلوماسية المحسوبة، برزت أربعة مخاوف عميقة ومتشابكة رسمت حسابات بكين وقيّدت مقاربتها لحرب إيران: الخوف على أمن الطاقة، والخوف من هيمنة الولايات المتحدة على نقاط الاختناق في البنية التحتية للتجارة العالمية التي يقوم عليها الاقتصاد الصيني، والخوف من استمرار استعداد واشنطن لفرض تغيير الأنظمة بالقوة العسكرية وقطع رأس القيادة عبر استهداف قادة دول ذات سيادة معادية لأميركا، والخوف على الطموحات الشخصية والعالمية التي طرحها شي جينبينغ، والتي يقوم جوهرها على بناء نظام عالمي متعدد الأطراف يزيح "باكس أميركانا". وكل ما فعلته حرب إيران، ببساطة، أنها دفعت هذه المخاوف الأربعة دفعة واحدة إلى الواجهة.
الخوف الأول: فخ الطاقة
لفهم كيف أحدثت الحرب في إيران ارتدادات فورية في حسابات بكين الاستراتيجية، لا يصح الاكتفاء بعناوين الطاقة المتجددة، بل ينبغي النظر إلى السلعتين اللتين تقوم عليهما فعليا الصناعة الصينية وقطاعها البتروكيميائي، وهما النفط الخام والغاز الطبيعي المسال.


