كيف تكشف حرب إيران عن أربعة مخاوف صينية عميقة

السؤال الذي لا تستطيع بكين تجاهله، فهو ما إذا كانت هذه عمليات تغيير الانظمة تستهدف خصوما بعينهم، أم إنها جزء من مسعى أوسع لتفكيك مجال نفوذ الصين العالمي

Chiara Vercesi
Chiara Vercesi

كيف تكشف حرب إيران عن أربعة مخاوف صينية عميقة

حين شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات منسقة على إيران في فبراير/شباط 2026، فقتلتا "المرشد" علي خامنئي وألحقتا دمارا واسعا بالبنية التحتية العسكرية في طهران، دخل الشرق الأوسط مرحلة جديدة من إعادة ترتيب موازين القوة. وأوحى رد بكين العلني، الذي جمع إدانات أخلاقية محسوبة، والدعوة إلى عقد جلسة طارئة لمجلس الأمن الدولي، وإيفاد مبعوث خاص إلى الخليج، ورسالة تصالحية أرسلها وزير خارجيتها إلى واشنطن، رأت بكين أنها ضرورية للحفاظ على ترتيبات قمة ترمب وشي، في نهاية مارس/آذار، بأنها قوة عالمية مستقرة تدير بهدوء اضطرابا جيوسياسيا غير مرغوب فيه، ولا يمس إلا هامشيا مصلحتها المركزية في الأمن القومي، وهي علاقتها بالولايات المتحدة.

ورغم أن بكين بدت حريصة على معايرة ردها على عملية "الغضب الملحمي" بقدر كبير من الانضباط ورباطة الجأش، فإن القلق المستتر خلف هذا الهدوء لم يكن يوحي بأي طمأنينة حقيقية. فخلف هذه الكوريغرافيا الدبلوماسية المحسوبة، برزت أربعة مخاوف عميقة ومتشابكة رسمت حسابات بكين وقيّدت مقاربتها لحرب إيران: الخوف على أمن الطاقة، والخوف من هيمنة الولايات المتحدة على نقاط الاختناق في البنية التحتية للتجارة العالمية التي يقوم عليها الاقتصاد الصيني، والخوف من استمرار استعداد واشنطن لفرض تغيير الأنظمة بالقوة العسكرية وقطع رأس القيادة عبر استهداف قادة دول ذات سيادة معادية لأميركا، والخوف على الطموحات الشخصية والعالمية التي طرحها شي جينبينغ، والتي يقوم جوهرها على بناء نظام عالمي متعدد الأطراف يزيح "باكس أميركانا". وكل ما فعلته حرب إيران، ببساطة، أنها دفعت هذه المخاوف الأربعة دفعة واحدة إلى الواجهة.

الخوف الأول: فخ الطاقة

لفهم كيف أحدثت الحرب في إيران ارتدادات فورية في حسابات بكين الاستراتيجية، لا يصح الاكتفاء بعناوين الطاقة المتجددة، بل ينبغي النظر إلى السلعتين اللتين تقوم عليهما فعليا الصناعة الصينية وقطاعها البتروكيميائي، وهما النفط الخام والغاز الطبيعي المسال.

انقطاع ممتد لواردات الخام الإيراني قد لا يفضي إلى أزمة فورية، لكنه قد يربك ربع طاقة التكرير الصينية ويعمق تبعية بكين البنيوية لروسيا

وقد بلغت واردات الصين من النفط الخام، وهي أكبر مستورد له في العالم، مستوى قياسيا في عام 2025 وصل إلى 11.55 مليون برميل يوميا. غير أن هذا الرقم، على ضخامته، لا يقدم الصورة كاملة. فقد وجهت بكين نحو 430 ألف برميل يوميا من هذه الواردات إلى التخزين خلال العام نفسه، وهو ما مثّل 83 في المئة من إجمالي الزيادة السنوية في واردات الخام، بما يشير إلى أن نمو الطلب الاستهلاكي الفعلي ظل محدودا للغاية. ويعكس هذا التوسع الكبير في التخزين قلقا وجوديا متجذرا في بكين من احتمال حدوث انقطاع مفاجئ في الإمدادات. فالصين، بوصفها ثاني أكبر مستهلك للنفط في العالم، تعتمد على الاستيراد لتلبية 74 في المئة من احتياجاتها النفطية، في حين لا يغطي إنتاجها المحلي سوى ربع استهلاكها.
تبدو خريطة موردي النفط إلى الصين شديدة التركز جغرافيا على نحو ينبغي أن يثير قلق أي خبير في شؤون الطاقة. فروسيا تتصدر القائمة بحصة تبلغ 20 في المئة، تليها السعودية بنسبة 14 في المئة، ثم العراق بنسبة 12 في المئة، فيما تتراوح حصة إيران بين 11 و14 في المئة. وبهذا المعنى، توفر منطقة الخليج الأوسع نحو 54 في المئة من واردات الصين من النفط الخام. وفي عام 2024، شكلت روسيا وإيران وفنزويلا مجتمعة 33 في المئة من واردات الصين من الخام، وهي ثلاث دول تخضع لعقوبات أميركية، يصل نفطها إلى السوق الصينية عبر أساطيل الظل وصفقات المقايضة وبخصومات كبيرة.
يُباع الخام الإيراني بخصم يتراوح بين 8 و10 دولارات للبرميل مقارنة بخام برنت. ومع بلوغ الواردات 1.3 إلى 1.4 مليون برميل يوميا، فإن انقطاع هذا الإمداد فجأة قد يكلّف شركات التكرير الصينية المستقلة ما يصل إلى 4.7 مليار دولار سنويا. وتعد مصافي "أباريق الشاي" المستقلة في مقاطعة شاندونغ أبرز المشترين لهذا الخام، وهي تشكل نحو ربع طاقة التكرير في الصين، ويعتمد نموذجها القائم على هوامش ربح منخفضة على لقيم رخيص.
يكشف هذا الواقع عن مفارقة جيوسياسية كبيرة. فالعقوبات الأميركية التي فرضت على إيران لسنوات طويلة بهدف عزلها أفضت، على نحو غير مباشر، إلى خدمة اقتصاد الخصم الاستراتيجي الأكبر لواشنطن.

رويترز
الرئيس الصيني شي جينبينغ في الجلسة المغلقة لمؤتمر الشعب الصيني السياسي التشاوري في بكين في 11 مارس

وفي حال تراجع الإمدادات الإيرانية، قد تستطيع روسيا تغطية جزء من النقص. ووفقا لبيانات "فورتكسا"، رفعت الصين وارداتها من النفط الروسي إلى 2.07 مليون برميل يوميا في فبراير/شباط 2026، بزيادة بلغت 370 ألف برميل يوميا قياسا إلى يناير/كانون الثاني، ما عوض جانبا كبيرا من الكميات التي فقدتها من فنزويلا. لكن ضيق الطاقة الاستيعابية لخطوط الأنابيب يحد من قدرة موسكو على الحلول محل النفط الإيراني على نطاق واسع من دون سنوات من الاستثمار في البنية التحتية. ولهذا، فإن انقطاعا ممتدا لواردات الخام الإيراني قد لا يفضي إلى أزمة فورية، لكنه قد يربك ربع طاقة التكرير الصينية ويعمق تبعية بكين البنيوية لروسيا.

أنفقت بكين عشرات المليارات على تطوير بدائل في البنية التحتية العالمية، لكن حرب إيران كشفت أن هذه البدائل لا تزال بعيدة عن تلبية الحاجة

وإذا كان النفط يكشف عن هشاشة مزمنة في البنية الطاقية للصين، فإن الغاز الطبيعي المسال يضعها أمام نقطة ضعف أكثر إلحاحا وحدّة. ففي عام 2023، أصبحت الصين أكبر مستورد للغاز الطبيعي المسال في العالم، مع اعتمادها على أستراليا لتأمين 34 في المئة من وارداتها، وعلى قطر بنسبة 23 في المئة، ثم روسيا بنسبة 11 في المئة، وماليزيا بنسبة 10 في المئة. ونظرا إلى الثقل الكبير الذي تمثله الإمدادات القطرية في واردات الصين، فقد أفضت الضربات التي شنتها المسيّرات الإيرانية على مجمع رأس لفان، أكبر منشأة في العالم لتصدير الغاز الطبيعي المسال، إلى تداعيات بالغة الخطورة. فقد أسهمت الضربات في رفع الأسعار القياسية في أوروبا وآسيا بنحو 50 في المئة. وإذا اتجهت الصين إلى أستراليا لتعويض خسائرها بشكل سريع، فإنها تخاطر بتعميق اعتمادها على حليف رئيس للولايات المتحدة في المحيط الهادئ، ويمكن اعتراض إمدادات الغاز الطبيعي المسال الآتية منه في حال اندلاع مواجهة أميركية-صينية في المنطقة. وهكذا تعود روسيا، مرة أخرى، إلى موقع الخيار الافتراضي، وهو اعتماد تتحاشاه بكين، لكنها تجد نفسها أقل قدرة على تجنبه.

الخوف الثاني: كابوس نقاط الاختناق

تظل "معضلة ملقا" هاجسا ثابتا في صلب التفكير الاستراتيجي الصيني. ففي عام 2003، حذّر الرئيس السابق هو جينتاو اللجنة الدائمة للمكتب السياسي من أن نحو 80 في المئة من واردات الصين النفطية تمر عبر مضيق ملقا، وهو نقطة اختناق لا تسيطر عليها بكين ولا تملك تجاوزها بسهولة. وفي حال اندلاع صراع مع الولايات المتحدة، تستطيع القوة البحرية الأميركية اعتراض الشحنات المتجهة إلى الصين وخنق ثاني أكبر اقتصاد في العالم في غضون أسابيع. ومنذ ذلك التحذير قبل عقدين، أنفقت بكين عشرات المليارات على تطوير بدائل في البنية التحتية العالمية، لكن حرب إيران كشفت أن هذه البدائل لا تزال بعيدة عن تلبية الحاجة.
لقد أغلق مضيق هرمز فعليا، فانقطع عبره نحو خُمس إمدادات النفط والغاز العالمية. كما تعطلت قناة السويس لأكثر من عام نتيجة ضربات الحوثيين ضد الملاحة في البحر الأحمر. أما في بنما، فقد نجحت إدارة ترمب في ممارسة ضغط انتهى بقرار من المحكمة العليا يقضي بعدم دستورية امتياز تشغيل الموانئ الذي كانت تتمتع به شركة "سي كيه هاتشيسون"، لتنقل بعد ذلك عمليات المحطات إلى مشغلين غربيين. وفي الوقت ذاته، بقي مضيق ملقا تحت حماية حلفاء الولايات المتحدة بموجب معاهدات نافذة. وبذلك، باتت الشرايين الأربعة التي يتوقف عليها ازدهار الصين خاضعة معا لمدى قدرة واشنطن على التعطيل واستعدادها لاستخدام هذه القدرة.
تشترك بدائل الصين، من ميناء غوادار في باكستان، وميناء هامبانتوتا في سريلانكا، إلى الممر الصيني الميانماري نحو كياوكبيو و"طريق الحرير القطبي" في القطب الشمالي، وخط أنابيب "قوة سيبيريا-2"، في سمة واحدة: فما من واحد منها إلا وتعثر أو تراجعت فاعليته أو اصطدم بعوائق فرضتها الجغرافيا أو السياسة أو النزاعات المالية. فميناء غوادار، جوهرة "الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني"، لا يضم سوى ثلاثة أرصفة، مقابل 33 رصيفا في كراتشي، كما أن حجم الحاويات فيه لا يتجاوز 3.2 في المئة من نظيره في كراتشي. وإلى جانب ذلك، خرج الممر الميانماري من الخدمة منذ انقلاب 2021، فيما يبقى المسار القطبي موسميا، أما خط "قوة سيبيريا-2" فلا يزال غير مشيد حتى الآن. 

وفي المقابل، تواصل واشنطن تفكيك البنية التحتية العالمية للموانئ المرتبطة بالصين بصورة منهجية، سواء عبر "قانون الإبلاغ عن الموانئ الاستراتيجية" أو من خلال ممارسة ضغوط مباشرة على حكومات الدول المضيفة. وباتت موانئ "سي كيه هاتشيسون" الإحدى والأربعون المتبقية، المنتشرة عبر أبرز نقاط الاختناق في العالم، هدفا مباشرا لهذا الاستهداف.
وقد أكدت حرب إيران ما كانت بكين تخشاه منذ زمن: أن تجارة الصين العالمية وتدفقات الطاقة المتجهة إليها ما زالت تتحرك داخل مظلة أمنية تقودها واشنطن. والأهم من ذلك أنها أظهرت أن الولايات المتحدة لا تكتفي بالتحكم بهذه البنية، بل تبدو مستعدة أيضا لاستخدامها سلاحا عند الحاجة.

الخوف الثالث: سياسة الإكراه لدى ترمب 

يتمثل الخوف الثالث في أمر يناقشه المسؤولون الصينيون بأقصى درجات التحفظ، لكنهم يشعرون بوطأته على نحو أشد: أثر النموذج الذي تجسده عمليات قطع الرأس وفرض تغيير الأنظمة بالقوة بقيادة الولايات المتحدة، بوصفه الأداة الحاسمة الجديدة في إدارة الدولة خلال حقبة ترمب. فخلال ستين يوما فقط، تخطت واشنطن عتبتين غير مسبوقتين. ففي يناير/كانون الثاني، نفذت قوات خاصة أميركية غارة ليلية في كاراكاس انتهت بالقبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وتنصيب خليفة مطيع مكانه. وفي فبراير/شباط، قتلت ضربة أميركية-إسرائيلية مشتركة "المرشد" الإيراني في قلب طهران. وبذلك، خسرت بكين اثنين من أقرب شركائها الاستراتيجيين، وكلاهما من الموقعين على "شراكات استراتيجية شاملة" مع الصين.

 أ ف ب
حاملة الطائرات الاميركية "جيرالد فورد" تغادر مرفأ خليج سودا في جزيرة كريت اليونانية في 26 فبراير

بالنسبة إلى شي ودائرته الداخلية الضيقة، لا تبدو هذه مجرد وقائع عابرة في السياسة الخارجية، بل ملامح عقيدة أميركية استراتيجية جديدة آخذة في التبلور. فواشنطن تتصرف على أساس أن من حقها إزاحة حكومات تعدها معادية، أو ترى أنها تفتقر إلى وسائل الردع الكافية، أو تمتلك أصولا تعتبرها ذات قيمة استراتيجية. أما السؤال الذي لا تستطيع بكين تجاهله، فهو ما إذا كانت هذه العمليات تستهدف خصوما بعينهم، أم إنها جزء من مسعى أوسع لتفكيك مجال نفوذ الصين العالمي، شريكا بعد آخر. وتمثل فنزويلا وإيران، ومعهما كوبا، عقدا أساسية في شبكة شراكات بكين، ويواجه كل منها إما خطر السقوط أو تهديدا وجوديا.
ولعل أوضح ما يكشف حجم الصدمة التي أحدثتها هذه التطورات في قيادة "الحزب الشيوعي الصيني" هي الأدلة الخفية. ففي 4 يناير/كانون الثاني، بعد يوم واحد من القبض على مادورو، اختفى تشونغنانهاي، المجمّع الرسمي لشي، بالكامل من "خرائط بايدو" و"خرائط إيه ماب" و"خرائط تينسنت". وبحلول مارس/آذار، أفاد سكان في بكين بوجود أعمال بناء متواصلة على مدار الساعة في متنزه ششان الوطني للغابات، حيث يقع مركز القيادة التابع للمفوضية العسكرية المركزية. ومن شبه المؤكد أن قدرة الولايات المتحدة المثبتة على تنفيذ عمليات قطع الرأس بدقة عجّلت ببناء ما وصفه مراقبون بـ"المدينة العسكرية لبكين"، وهو مجمع تحت الأرض يضم مركز قيادة وملاجئ نووية.
لقد وضع نهج ترمب بكين أمام حقيقة قاسية: فهي تستعد لاحتمال مواجهة عسكرية مباشرة مع الولايات المتحدة، وتسعى في الوقت نفسه إلى فتح باب الانفراج في العلاقات الثنائية.

الخوف الرابع: نظام شي العالمي غير المكتمل

أما الخوف الرابع، فهو الأعمق أثرا في النظام العالمي والأعصى على المعالجة، لأنه لا يتعلق بميزان القوة بقدر ما يتعلق بالمصداقية نفسها. فالصين قد تتمكن من إعادة توجيه مسارات الطاقة، وقد تنجح جزئيا في الالتفاف على نقاط الاختناق، وقد تعزز تحصين ملاجئها تحت الأرض. لكن حرب إيران مزقت الأساس الذي تستند إليه طموحاتها في قيادة الجنوب العالمي: أن الشراكات الصينية تملك وزنا فعليا، وأن الحضارة التي ترفع لواء التعددية القطبية ليست، في نهاية المطاف، مجرد خطاب.

الصين قد تتمكن من إعادة توجيه مسارات الطاقة، وقد تنجح جزئيا في الالتفاف على نقاط الاختناق، وقد تعزز تحصين ملاجئها تحت الأرض. لكن حرب إيران مزقت الأساس الذي تستند إليه طموحاتها في قيادة الجنوب العالمي

منذ عام 2013، انصرف شي إلى بناء بدائل مؤسسية واسعة للنظام الذي يقوده الغرب، من "مبادرة الحزام والطريق" التي شملت 150 دولة، إلى بنك التنمية الجديد، ومنظمة شنغهاي للتعاون بعد توسعها، و"بريكس" بعد توسيعها إلى كتلة من عشر دول تمثل 55 في المئة من سكان العالم وربع الناتج المحلي الإجمالي العالمي.
وشكّلت إيران وفنزويلا ركيزتين أساسيتين في هذه البنية. فأدت إيران دور الجسر البري الذي لا غنى عنه في الامتداد الغربي لممر "الحزام والطريق"، وكانت عضوا في "بريكس+"، و"منظمة شنغهاي للتعاون". أما فنزويلا، فثبّتت حضور الصين في نصف الكرة الغربي. غير أن الولايات المتحدة فككت الآن، عمليا، هاتين الركيزتين.

رويترز
منظر عام لميناء غوادار الباكستاني في 4 اكتوبر 20217

دأبت الصين طويلا على القول، بمنطق سليم، إن امتناعها المقصود عن بناء تحالفات أمنية هو ما يميزها عن الولايات المتحدة المفرطة في التمدد. لكن كتلة "بريكس"، وهي تواجه اغتيال "المرشد الأعلى" لدولة عضو على يد الولايات المتحدة، لم تستطع الاتفاق حتى على بيان يسمّي الجهة المسؤولة. وتعيش "منظمة شنغهاي للتعاون" حالة شلل مماثلة.
مع ذلك، تبرز أمام بكين فرصة حقيقية. فانسحاب الرئيس ترمب من منظمة الصحة العالمية، ووقف تمويل برنامج الأغذية العالمي، وإظهاره ازدراء علنيا لمنظومة الأمم المتحدة، كلها أمور تفتح مجالا فعليا أمام الأطر البديلة التي أمضت الصين عقدا في بنائها. وقد لخّص وزير الخارجية وانغ يي هذا المعنى بدقة لافتة في المؤتمر الصحافي للمجلس الوطني لنواب الشعب الأسبوع الماضي، حين قدّم الصين بوصفها "أهم قوة في العالم من أجل السلام والاستقرار والعدالة" في لحظة بدت فيها واشنطن نقيض ذلك. لكن العالم الذي تتآكل ثقته بقيادة الولايات المتحدة لن ينقل هذه الثقة تلقائيا إلى الصين، إذا كان أقصى ما تقدمه لشركائها إدانة قوية تصدر من مسافة آمنة فيما يواجهون هم الحريق.

القمة التي لا تحتمل الفشل

يريد شي أن تنجح القمة، وأن يثبت أن انخراط الصين مع واشنطن قادر على تحقيق نتائج ملموسة، بما يحفظ هدنة التجارة التي أسهمت في تثبيت الأوضاع الاقتصادية في الصين والحيلولة دون مزيد من التدهور، وبما يوجّه في الوقت نفسه رسالة إلى الجنوب العالمي مفادها أن بكين قادرة على إدارة أخطر علاقة في العالم من دون أن ترضخ لها. الجدير ذكره ان الرئيس دونالد ترمب تحدث عن امكان ارجاء القمة مع الزعيم الصيني. 
لا ترى الصين جدوى في تصعيد التوتر مع الولايات المتحدة بسبب إيران، وما زالت تضع الحفاظ على هدنة التجارة والاستقرار العام في العلاقة الأميركية-الصينية في قمة أولوياتها. وقد قال وانغ يي صراحة في مؤتمره الصحافي على هامش المجلس الوطني لنواب الشعب إن على الطرفين "إدارة المخاطر القائمة فعلا وإزالة الاضطرابات غير الضرورية"، فيما يوحي بأن إيران ليست في نظر بكين سوى مصدر اضطراب، لا محور اهتمامها الأساسي. لذلك، لن تسعى الصين إلى تعريض الزخم الإيجابي الذي راكمته مع إدارة ترمب خلال العام الماضي للخطر. لكن القمة تضع شي أيضا أمام مفارقة قاسية: أن يجلس وجها لوجه مع رئيس قتل لتوه أحد شركائه الاستراتيجيين، وسجن شريكا آخر، ويكاد يلاحق آخر زعيم شيوعي في نصف الكرة الغربي، فيما يُنتظر منه في الوقت نفسه أن يقدّم تنازلات.

في ظل المخاوف الأربعة التي كشفتها حرب إيران، قد تجد الصين نفسها أمام أكثر استنتاجاتها مرارة؛ أنها، في نهاية المطاف، ستظل مضطرة إلى العيش في عالم تصنع أميركا قواعده

ويقف خلف ترتيب الأولويات هذا دافع داخلي واضح. فاقتصاد الصين يرزح تحت ضغوط متزايدة، وسط توقعات بأن يسجل في عام 2026 نموا يتراوح بين 4.5 و5 في المئة، وهو أدنى مستوى منذ عقود. وفي ظل هذا الوضع، تبدو الصفقة التجارية الناجحة، وتخفيف الرسوم الجمركية، واستقرار العلاقة الأميركية-الصينية، من الأدوات القليلة القادرة على توليد قدر من الثقة الخارجية تعجز السياسة الداخلية وحدها عن توفيره. ومع اقتراب مؤتمر "الحزب الشيوعي" في عام 2027، حيث يرجح أن يسعى شي إلى ولاية رابعة، تصبح مصداقية هذا المسعى رهنا بقدرة الاقتصاد على الصمود، وهي قدرة ترتبط إلى حد بعيد بعلاقة الصين بواشنطن.
وخلف المفاوضات الاقتصادية، هناك طبقة أمنية أعمق تطغى على سائر بنود جدول الأعمال. ففي اتصال مع ترمب في شهر فبراير/شباط 2026، قال شي إن تايوان ما زالت "القضية الأهم" في العلاقة الثنائية، محذرا من أي مبيعات إضافية للسلاح إلى تايبيه. وتمثل تايوان الخط الأحمر للصين، إذ تلتقي عندها الشرعية السياسية والهوية الوطنية وإرث شي الشخصي. لذلك، فإن أي تنازل قد تقدمه بكين بشأن إيران، أو التجارة، أو المعادن النادرة، سيقاس في النهاية بمدى ما يمكن أن يتيحه لها من نفوذ في مضيق تايوان. وفي هذا المعنى، تغدو القمة أداة يسعى شي عبرها إلى إدارة هذه الصفقة الكبرى.
وتكشف حسابات شي، على نحو قاس، أن نظام إيران الثيوقراطي يبقى في نهاية المطاف شريكا يمكن التضحية به، بخلاف العلاقة الأميركية-الصينية. فبكين لا ترى مصلحة في تصعيد التوتر مع واشنطن بسبب طهران قبل القمة، ولن تجازف بالعلاقة الثنائية من أجل شريك عجزت عن حمايته.
لكن إذا انهارت الصفقة الكبرى بين الولايات المتحدة والصين، فقد تنقلب حسابات بكين حيال إيران، وتعيد رسم خريطتها الاستراتيجية العالمية.
وتتوقف جدوى ضبط النفس المحسوب الذي ينتهجه شي على مسار الحرب في إيران، ومصير النظام فيها، وطول أمد إغلاق مضيق هرمز، وحدود قدرة الولايات المتحدة، على احتواء حرب أشعلتها، وقدرتها على حماية واحد من أهم الممرات الاستراتيجية في العالم وضمان حرية الملاحة فيه.
وقد كتب الرئيس ترمب في منشور على منصة "تروث سوشيال" أنه إذا أغلقت إيران مضيق هرمز، فإن "الموت والنار والغضب سيحلّ عليهم... هذه هدية من الولايات المتحدة الأميركية إلى الصين". وكانت تلك "الهدية" مغمّسة بالنار والغضب، ووصلت إلى متلق لم يكن يحتاج إليها أصلا، على الأقل حتى 28 فبراير/شباط.
وفي ظل المخاوف الأربعة التي كشفتها حرب إيران، قد تجد الصين نفسها أمام أكثر استنتاجاتها مرارة؛ أنها، في نهاية المطاف، ستظل مضطرة إلى العيش في عالم تصنع أميركا قواعده.

font change

مقالات ذات صلة