عادت مسألة قوات البيشمركة التابعة لإقليم كردستان خلال الأسابيع الماضية لتثير جدلا سياسيا وإعلاميا واسعا في العراق، اتخذ في أحيان كثيرة أبعادا قومية ومناطقية حادة، مستعيدا مراحل وفصولا من تاريخ القضية الكردية في البلاد. وتُعدّ البيشمركة، التي يُقدَّر عدد مقاتليها بنحو مئة ألف مقاتل مجهزين بمختلف الأسلحة الخفيفة والمتوسطة، بمثابة وزارة الدفاع الفعلية لإقليم كردستان العراق.
اندلع هذا الجدال إثر إعلان فصائل "سرايا السلام" التابعة للتيار الصدري، وفصيلَي "عصائب أهل الحق" و"ألوية الإمام علي" التابعَين لـ"الحشد الشعبي"، فكّ ارتباطها بـ"هيئة الحشد" وتسليم إدارة ألويتها المسلحة إلى الحكومة العراقية. فسارعت أصوات سياسية وإعلامية عراقية عديدة إلى المطالبة بسريان الأمر ذاته على قوات البيشمركة الكردية، محتجّة بأن هذه القوات تعمل خارج مرتبات هيئة الأركان العراقية، ولا تخضع للقائد العام للقوات المسلحة فعليا، لا من حيث التسلح ولا العقيدة العسكرية ولا سلسلة الأوامر المؤسسية.
لم يصدر أي تعليق رسمي من الحكومة أو الجيش العراقي، غير أن كثافة هذه الحملة في الفضاء الإعلامي ووسائل التواصل الاجتماعي، في ظل صمت سياسي مريب، دفعت إقليم كردستان إلى الاعتقاد بأن قوى سياسية مركزية تقف وراءها، وأنها تمثّل مقدمة لضغوط رسمية مرتقبة، على غرار ما جرى في ملفات النفط والتعريفة الجمركية والمناطق المتنازع عليها.
وقد ردّ إقليم كردستان بحزم عبر حكومته وأحزابه ومؤسساته الإعلامية، رافضا أي قياس أو مقارنة بين البيشمركة وفصائل "الحشد الشعبي" أو ما يُعرف بـ"فصائل المقاومة العراقية"، ومستندا إلى نصوص دستورية صريحة؛ إذ تقرّ المادة 117 من دستور 2005 بإقليم كردستان وسلطاته القائمة، فيما تنص المادة 121/خامسا على حق الإقليم في إنشاء وتنظيم قوى الأمن الداخلي من شرطة وأمن وحرس إقليمي، مما يُرسّخ تبعية هذه القوات للإقليم دستوريا ومؤسسيا.
وفي هذا السياق، وجّه زعيم "الحزب الديمقراطي الكردستاني" مسعود بارزاني رسالة علنية أكد فيها رفض الإقليم القاطع حتى مجرد مناقشة هذا الملف، معربا عن موقفه بوضوح: "سلاح البيشمركة ليس مجرد قطع من حديد أو ترسانة أو أدوات للقتال؛ فسلاح البيشمركة يعني تاريخها وتضحياتها وكرامتها وعقيدتها، وهو الإخلاص والعهد الذي تحمله دائما تجاه شعبها وأرضها ووطنها". كما نفى مصدر سياسي رفيع في الإقليم أي خلاف داخلي حول هذه القضية، ردا على أنباء تحدثت عن صفقة مزعومة بين زعيم "الاتحاد الوطني الكردستاني" بافل طالباني وقوى سياسية شيعية.
