بسبب الاستراتيجية الأميركية... "البيشمركة" تثير التوتر بين بغداد وأربيل

ضغوط متشابكة

أ ف ب
أ ف ب
عضو في "البيشمركة" الكردية الإيرانية يلوح بالعلم الكردي أثناء مشاركته في تجمع لحث الناس على التصويت في "استفتاء الاستقلال" في إقليم كردستان العراق، 21 سبتمبر 2017

بسبب الاستراتيجية الأميركية... "البيشمركة" تثير التوتر بين بغداد وأربيل

عادت مسألة قوات البيشمركة التابعة لإقليم كردستان خلال الأسابيع الماضية لتثير جدلا سياسيا وإعلاميا واسعا في العراق، اتخذ في أحيان كثيرة أبعادا قومية ومناطقية حادة، مستعيدا مراحل وفصولا من تاريخ القضية الكردية في البلاد. وتُعدّ البيشمركة، التي يُقدَّر عدد مقاتليها بنحو مئة ألف مقاتل مجهزين بمختلف الأسلحة الخفيفة والمتوسطة، بمثابة وزارة الدفاع الفعلية لإقليم كردستان العراق.

اندلع هذا الجدال إثر إعلان فصائل "سرايا السلام" التابعة للتيار الصدري، وفصيلَي "عصائب أهل الحق" و"ألوية الإمام علي" التابعَين لـ"الحشد الشعبي"، فكّ ارتباطها بـ"هيئة الحشد" وتسليم إدارة ألويتها المسلحة إلى الحكومة العراقية. فسارعت أصوات سياسية وإعلامية عراقية عديدة إلى المطالبة بسريان الأمر ذاته على قوات البيشمركة الكردية، محتجّة بأن هذه القوات تعمل خارج مرتبات هيئة الأركان العراقية، ولا تخضع للقائد العام للقوات المسلحة فعليا، لا من حيث التسلح ولا العقيدة العسكرية ولا سلسلة الأوامر المؤسسية.

لم يصدر أي تعليق رسمي من الحكومة أو الجيش العراقي، غير أن كثافة هذه الحملة في الفضاء الإعلامي ووسائل التواصل الاجتماعي، في ظل صمت سياسي مريب، دفعت إقليم كردستان إلى الاعتقاد بأن قوى سياسية مركزية تقف وراءها، وأنها تمثّل مقدمة لضغوط رسمية مرتقبة، على غرار ما جرى في ملفات النفط والتعريفة الجمركية والمناطق المتنازع عليها.

وقد ردّ إقليم كردستان بحزم عبر حكومته وأحزابه ومؤسساته الإعلامية، رافضا أي قياس أو مقارنة بين البيشمركة وفصائل "الحشد الشعبي" أو ما يُعرف بـ"فصائل المقاومة العراقية"، ومستندا إلى نصوص دستورية صريحة؛ إذ تقرّ المادة 117 من دستور 2005 بإقليم كردستان وسلطاته القائمة، فيما تنص المادة 121/خامسا على حق الإقليم في إنشاء وتنظيم قوى الأمن الداخلي من شرطة وأمن وحرس إقليمي، مما يُرسّخ تبعية هذه القوات للإقليم دستوريا ومؤسسيا.

وفي هذا السياق، وجّه زعيم "الحزب الديمقراطي الكردستاني" مسعود بارزاني رسالة علنية أكد فيها رفض الإقليم القاطع حتى مجرد مناقشة هذا الملف، معربا عن موقفه بوضوح: "سلاح البيشمركة ليس مجرد قطع من حديد أو ترسانة أو أدوات للقتال؛ فسلاح البيشمركة يعني تاريخها وتضحياتها وكرامتها وعقيدتها، وهو الإخلاص والعهد الذي تحمله دائما تجاه شعبها وأرضها ووطنها". كما نفى مصدر سياسي رفيع في الإقليم أي خلاف داخلي حول هذه القضية، ردا على أنباء تحدثت عن صفقة مزعومة بين زعيم "الاتحاد الوطني الكردستاني" بافل طالباني وقوى سياسية شيعية.

اندلع هذا الجدال إثر إعلان فصائل "سرايا السلام" التابعة للتيار الصدري، وفصيلَي "عصائب أهل الحق" و"ألوية الإمام علي" التابعَين لـ"الحشد الشعبي"، فكّ ارتباطها بـ"هيئة الحشد" وتسليم إدارة ألويتها المسلحة إلى الحكومة العراقية

السياسة الأميركية والبُعد الإقليمي

لا يمكن فهم هذه التطورات بمعزل عن السياق الإقليمي المتلاحق، ولا سيما تداعيات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، واستراتيجية الرئيس ترمب في العراق، والدور التركي المتنامي في تشكيل هذه المعادلة.

رأى كثير من المحللين في قرار الفصائل المسلحة العراقية فكّ ارتباطها بـ"هيئة الحشد" انحناء مؤقتا أمام الضغوط الأميركية الرامية إلى نزع سلاح هذه الفصائل. غير أن هذه الفصائل، وفق هذا التقدير، لم تقبل بذلك مجانا، بل سعت إلى انتزاع ثمن سياسي وأمني داخلي، يتمثل في إضعاف إقليم كردستان وتجريده من أداة حمايته الذاتية الوحيدة، وهو ما يلتقي في جوهره مع الأهداف الاستراتيجية لواشنطن وبعض حلفائها الإقليميين.

وقد جاء هذا النقاش بعد أسابيع قليلة من تخلي الولايات المتحدة عن "قوات سوريا الديمقراطية" التي شكّل الأكراد عمودها الفقري، حين آثرت واشنطن دعم نظام مركزي في سوريا على حساب حلفائها الأكراد الذين قاتلوا إلى جانبها سنوات طويلة في مواجهة التنظيمات المتطرفة. ويرى المتابعون الأكراد أن هذا التحول جاء استجابة للاستراتيجية التركية، وأن المشهد ذاته قد يتكرر في العراق.

ويزيد من ثقل هذه المخاوف أن المبعوث الأميركي الخاص لسوريا والعراق توم باراك يشغل في الوقت نفسه منصب سفير الولايات المتحدة في أنقرة، وتربطه وفق ما يرى المتابعون الأكراد شبكة واسعة من المصالح مع الأوساط التركية. وتنظر تركيا، التي أفلحت في سوريا في تفكيك التنظيم المسلح الكردي وإبعاد ما تعتبره خطرا على حدودها، إلى هذه اللحظة بوصفها فرصة تاريخية لإضعاف إقليم كردستان العراق وتفكيك منظومته العسكرية التي تحظى بقدر كبير من الاستقلالية.

أما إيران، فلم تتوقف قواتها وفصائلها عن استهداف مقار الأحزاب ووحدات البيشمركة طوال أيام الحرب وما بعدها، على الرغم من رفض إقليم كردستان الانخراط في الحرب الأميركية-الإسرائيلية ضد إيران، ورفضه توظيف الأحزاب الكردية الإيرانية المستقرة على أراضيه في أي هجوم بري داخل الأراضي الإيرانية، حتى في ظل اتصالات مباشرة من الرئيس الأميركي وضغوط متواصلة عليهم. وترى طهران في قوات البيشمركة نموذجا قابلا للإحياء داخل إيران في أي لحظة، وتتهمها ضمنيا بتوفير الغطاء الأمني لآلاف المقاتلين من الأكراد الإيرانيين. ومن ثَمّ تعتبر إضعاف الإقليم وقواه المسلحة ضرورة استراتيجية، تحسبا لمرحلة قد يتراجع فيها نفوذها في العراق، ولو بشكل نسبي ومؤقت.

أ.ف.ب
نساء في قوات البيشمركة العراقية الكردية يشاركون في حفل تخرج في أربيل، في 15 يناير 2023

 

أما إيران، فلم تتوقف قواتها وفصائلها عن استهداف مقار الأحزاب ووحدات البيشمركة طوال أيام الحرب وما بعدها، على الرغم من رفض إقليم كردستان الانخراط في الحرب الأميركية-الإسرائيلية ضد إيران، ورفضه توظيف الأحزاب الكردية الإيرانية المستقرة على أراضيه في أي هجوم بري داخل الأراضي الإيرانية

يشرح الكاتب والباحث شفان رسول في حديث مع "المجلة" ما يعتبره جوهر هذه المسألة، مؤكدا أنها جزء من سلسلة مزاحمات متكررة بين أربيل وبغداد، مردّها ليس اختلاف التفسيرات الدستورية، بل تناقض المصالح الاستراتيجية بين الطرفين في عمقها. ويقول: "في مختلف الأوساط السياسية العراقية غير الكردية، ثمة إحساس راسخ بأن ما كُرِّس من حقوق لإقليم كردستان في دستور 2005 يتجاوز ما يفترض أن تتضمنه الفيدرالية، وأن الضغط يجب أن يُمارَس باستمرار لإعادة الأمور إلى حدودها الطبيعية. وقوات البيشمركة ليست سوى استعارة لما تريد تلك الجهات تفكيكه. في المقابل، يعتبر الأكراد أن البيشمركة هي صمام الأمان الوحيد في مواجهة أي تهديد وجودي مستقبلي، سياسيا كان أم جنائيا".

ويختم رسول بقوله: "طبيعة العلاقة بين بغداد وأربيل كانت دوما رهينة بما يحيط بالعراق من عوامل خارجية، ولا سيما تقاطعات النفوذ الإيراني والأميركي والتركي. وهذه التقاطعات تمر اليوم بمرحلة من أشد مراحل القلق والتحول، مما يُلقي بظلاله بكثافة على استقرار العلاقة بين الطرفين، وقد يمتد أثره ليطال واحدا من أهم مصادر الطمأنينة لدى الأكراد العراقيين: قوات البيشمركة".

font change

مقالات ذات صلة