الصدر يُفكّك سلاحه بيده… هل يُعيد رجل النجف رسم خريطة العراق؟

إعادة تعريف الصدر باعتباره رجل دولة شيعيا لا زعيم فصيل مسلح

أ.ف.ب
أ.ف.ب
مقتدى الصدر يلقي كلمة في مدينة النجف جنوب العراق في الأول من مايو 2025

الصدر يُفكّك سلاحه بيده… هل يُعيد رجل النجف رسم خريطة العراق؟

للمرة الثالثة خلال أقل من عقدين، يُعلن مقتدى الصدر تفكيك تشكيل عسكري أنشأه بنفسه. وفي كل مرة يبدو القرار وكأنه نهاية مرحلة كاملة من تاريخ الحركة الصدرية، قبل أن يتحول لاحقا إلى محطة انتقالية تسبق ولادة صيغة جديدة من النفوذ السياسي أو العسكري. هذه المرة لا يتعلق الأمر بـ"جيش المهدي" كما حدث بعد سنوات الحرب الأهلية العراقية، بل بـ"سرايا السلام"، آخر وأهم الأذرع المسلحة المرتبطة بالتيار الصدري.

في 27 مايو/أيار 2026 أعلن الصدر انفكاك "سرايا السلام" عن "التيار الشيعي الوطني" والتحاقها الكامل بالدولة العراقية، مؤكدا استعداده لتسليم التشكيل العسكري إلى القائد العام للقوات المسلحة. كما شدد على أن المؤسسات المدنية المرتبطة بالسرايا ستتحول إلى مشروع "البنيان المرصوص" من دون سلاح أو مقرات أو زي عسكري ليصبح مؤسسة مدنية خدمية بحتة.

لكن أهمية القرار لا تكمن في الإعلان نفسه بقدر ما تكمن في توقيته. فقد جاء في لحظة إقليمية بالغة الحساسية، حيث تتصاعد الضغوط الأميركية على بغداد لحصر السلاح بيد الدولة وتقليص نفوذ الفصائل المسلحة الخارجة عن المؤسسات الرسمية، بالتزامن مع تحولات إقليمية متسارعة أعادت رسم موازين القوى في المنطقة. كما تزامن القرار مع تشكيل حكومة عراقية جديدة تسعى إلى إعادة فرض هيبة الدولة وإعادة ضبط العلاقة بين المؤسسات الرسمية والفصائل المسلحة.

وبعد أيام قليلة من إعلان الصدر، أعلنت فصائل أخرى مسلحة، من بينها "كتائب الإمام علي" و"عصائب أهل الحق"، الشروع في تنفيذ إجراءات فك الارتباط بتشكيلات "الحشد الشعبي" وحصر السلاح بيد الدولة، وذلك بعد إعلان "الإطار التنسيقي" دعمه هذا التوجه وتفويض رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة علي الزيدي اتخاذ الإجراءات اللازمة لتنفيذه.

قبل أسابيع من الإعلان، كان الصدر قد وضع شروطا صارمة أمام المشهد السياسي الجديد، داعيا إلى إبعاد أي جهة تمتلك جناحا مسلحا عن الحكومة، ومطالبا بحصر السلاح بالكامل بيد الدولة. بدا وكأنه يحاول إعادة تعريف نفسه باعتباره رجل دولة شيعيا لا زعيم فصيل مسلح، وموقعه باعتباره صانعا للأجندة السياسية لا مجرد طرف يتفاعل معها.

بعد أيام قليلة من إعلان الصدر، أعلنت فصائل أخرى مسلحة، من بينها "كتائب الإمام علي" و"عصائب أهل الحق"، الشروع في تنفيذ إجراءات فك الارتباط بتشكيلات "الحشد الشعبي" 

غير أن قراءة الخطوة بمعزل عن التاريخ الصدري تبدو قراءة ناقصة. فبعد سقوط نظام صدام حسين عام 2003، برز "جيش المهدي" بوصفه أحد أهم الفاعلين المسلحين في العراق الجديد. تحول التنظيم خلال سنوات قليلة إلى قوة عسكرية وشعبية ضخمة خاضت مواجهات مع القوات الأميركية، ثم انخرطت لاحقا في الصراعات الداخلية العراقية. لكن تصاعد المواجهات المسلحة والضغوط السياسية دفع الصدر في عام 2007 إلى إعلان وقف إطلاق النار، قبل أن يتخذ في أغسطس/آب 2008 قراره الأشهر بتجميد نشاط "جيش المهدي" إلى أجل غير مسمى.

في حينه، لم يكن القرار اعترافا بالهزيمة بقدر ما كان محاولة لإنقاذ المشروع الصدري من الاستنزاف العسكري والسياسي. فقد أدرك الصدر أن استمرار الميليشيا بصيغتها القديمة يهدد مستقبله السياسي ويُفقده القدرة على المناورة داخل النظام العراقي الجديد. لذلك اتجه نحو إعادة الهيكلة، وأطلق أجنحة جديدة ذات طابع ديني واجتماعي، مع الإبقاء على نواة أكثر انضباطا وأقل ظهورا.

لكن تجربة الصدر مع التجميد لم تكن حدثا استثنائيا أو قرارا نهائيا. فمنذ ذلك الوقت، أصبح التجميد وإعادة التفعيل جزءا من أدواته السياسية. فالرجل اعتاد استخدام هذه الآلية كلما شعر أن الذراع العسكرية أصبحت عبئا على مشروعه السياسي أو على صورته أمام الرأي العام العراقي.

.أ.ف.ب
رئيس الوزراء العراقي علي الزبيدي يلقي كلمة فور تنصيبه رئيسا للحكومة، بغداد 16 مايو 2026

 

أدرك الصدر أن استمرار الميليشيا بصيغتها القديمة يهدد مستقبله السياسي ويُفقده القدرة على المناورة داخل النظام العراقي الجديد


لكن التجميد لم يكن نهاية القصة. فمع صعود تنظيم "داعش" عام 2014 وانهيار قطاعات واسعة من المنظومة الأمنية العراقية، عاد الصدر إلى الميدان العسكري من بوابة جديدة. أُعلن حينها تأسيس "سرايا السلام" لحماية المراقد الدينية والمشاركة في مواجهة التنظيم. وجاء تشكيلها استجابة للفتوى التاريخية للمرجع الديني الأعلى السيد علي السيستاني بـ"الجهاد الكفائي" ورغم اختلاف الاسم والظروف، فإن التشكيل الجديد مثّل في جوهره عودة للقدرة العسكرية الصدرية ضمن سياق سياسي وأمني مختلف.

اختفى "جيش المهدي" بالاسم، لكنه عاد بالوظيفة. ولذلك يرى كثير من الباحثين أن ما جرى عام 2014 لم يكن قطيعة مع التجربة السابقة بقدر ما كان إعادة إنتاج لها في إطار أكثر انسجاما مع الظروف الجديدة التي فرضها تمدد تنظيم "داعش".

ولم يتوقف الأمر عند ذلك. فحتى في السنوات الأخيرة، لجأ الصدر إلى سياسة التجميد مرة أخرى. ففي مطلع عام 2026 أعلن تجميد نشاط "سرايا السلام" في محافظتي البصرة وواسط على خلفية ما وصفه بتجاوزات تنظيمية وسلوكية. لكن التجميد لم يدم طويلا، إذ عاد لاحقا وأنهاه بنفسه. وهذه الواقعة مهمة لأنها تكشف أن الصدر لا يتعامل مع تنظيماته المسلحة بوصفها مؤسسات مستقلة، بل باعتبارها أدوات قابلة لإعادة الضبط وإعادة التوجيه وفق مقتضيات اللحظة السياسية

هنا تحديدا تبرز المعضلة: لماذا يُفكّك الصدر ميليشياته ثم يعيد إنتاجها بصيغ جديدة؟

الإجابة قد لا تكمن في السلاح نفسه، بل في طبيعة الزعامة الصدرية. مقتدى الصدر لم يبن نفوذه على مؤسسة حزبية تقليدية أو جهاز عسكري ثابت، بل على قدرة استثنائية في تعبئة جمهور واسع وتحريكه بين الدين والسياسة والشارع.

يصعب اختزال مقتدى الصدر في دور أو موقف واحد؛ فهو شخصية سياسية اعتادت التحرك بين مسارات متناقضة ظاهريا، معروفة بغموضها وقدرتها على المراوغة السياسية. فمنذ عام 2003 تنقل بين أدوار متعددة؛ قائد ميليشيا، وزعيم احتجاجات شعبية، وشريك في السلطة، ومنسحب من العملية السياسية، ثم داعٍ إلى إصلاحها من خارجها. ولذلك فإن قراراته المتعلقة بالسلاح لا يمكن فهمها بمعزل عن استراتيجيته الأوسع لإدارة النفوذ. لذلك ظل السلاح بالنسبة إليه أداة من أدوات القوة، لا جوهر القوة ذاته.

عندما يصبح السلاح عبئا سياسيا، يُجمّده. وعندما تفرض الظروف الأمنية أو السياسية الحاجة إلى إعادة الحشد، يعيد إنتاجه بصورة جديدة. وهكذا تحولت الحركة الصدرية خلال العقدين الماضيين إلى نموذج فريد يجمع بين العمل السياسي والاحتجاج الشعبي والتنظيم العسكري، من دون أن يستقر نهائيا في أي منها. هذا ما يجعل كثيرين يتعاملون بحذر مع إعلان 2026.

لكن ثمة فارقا مهماً بين الصدر وغيره من قادة الفصائل العراقية. إذ يدرك أن قوته الحقيقية لا تستند إلى السلاح وحده. كما أن العقد الاجتماعي الذي بناه التيار الصدري مع قاعدته الشعبية على مدى أكثر من عقدين يختلف جذريا عن العلاقة التي تربط فصائل أخرى بجمهورها. تمتلك الحركة الصدرية امتدادا دينيا واجتماعيا وخدميا وشعبيا واسعا يتجاوز بكثير البعد العسكري.

AFP
خلال تشييع مقاتل من "كتائب حزب الله" قتل بغارة بطائرة من دون طيار، بغداد في 21 نوفمبر 2023

 

تخلي الصدر عن السلاح لا يعني بالضرورة تخليه عن النفوذ، ولا يؤدي تلقائيا إلى تراجع قدرته على الحشد أو التأثير في المشهد السياسي

ولهذا فإن تخلي الصدر عن السلاح لا يعني بالضرورة تخليه عن النفوذ، ولا يؤدي تلقائيا إلى تراجع قدرته على الحشد أو التأثير في المشهد السياسي. بل ربما يرى أن الاحتفاظ بصورة رجل الدولة أصبح أكثر فائدة له في هذه المرحلة من الاحتفاظ بصورة قائد الفصيل المسلح.

ومع ذلك، فإن تجاهل الفوارق بين الماضي والحاضر سيكون خطأ أيضا. فالعراق اليوم يختلف عن عراق 2008 أو 2014. النفوذ الإيراني يواجه ضغوطا إقليمية متزايدة، والدولة العراقية تسعى إلى تعزيز احتكارها للقوة المسلحة، كما أن الصدر نفسه يبدو أكثر ميلا إلى تقديم نفسه باعتباره مرجعية وطنية عابرة للحسابات الفصائلية الضيقة.

لكن العقبة الكبرى تبقى في الفصائل الأكثر ارتباطا بطهران. ففي الوقت الذي اختار فيه الصدر الإعلان عن انفكاك "سرايا السلام" والتحاقها بالدولة، لا تزال فصائل بارزة تتمسك بالاحتفاظ بقدرات عسكرية مستقلة، وترفض التخلي الكامل عن سلاحها أو دمج قدراتها العسكرية ضمن مؤسسات الدولة أو القبول بحصر السلاح بيدها. وترى هذه الفصائل أن سلاحها لا يرتبط فقط بالمعادلة العراقية الداخلية، بل بوظيفة استراتيجية وإقليمية أوسع تتجاوز حدود العراق وترتبط بمفهوم "محور المقاومة" وشبكات النفوذ الإقليمي التي تشكلت خلال العقدين الماضيين.

يبقى السؤال مفتوحا: هل نشهد بالفعل تحولا استراتيجيا في مسار الحركة الصدرية، أم إننا أمام حلقة جديدة من دورة الانكفاء والعودة التي طبعت تجربة مقتدى الصدر طوال العقدين الماضيين؟

ومن هنا يبرز الفارق الجوهري بين النموذج الصدري ونموذج الفصائل المرتبطة بالمحور الإيراني. فبينما يستطيع الصدر أن يستند إلى قاعدة اجتماعية وسياسية واسعة حتى في غياب الذراع العسكرية، تعتمد تلك الفصائل بدرجة أكبر على القوة المسلحة بوصفها أحد أهم مصادر النفوذ والشرعية. لذلك فإن خطوة الصدر، مهما كانت دوافعها، لا تعني بالضرورة أن بقية الفصائل ستسلك المسار نفسه. بل قد تكشف في الواقع حجم التباعد المتزايد بين مشروعين مختلفين داخل الساحة الشيعية العراقية: مشروع يسعى إلى إعادة التموضع داخل الدولة، ومشروع لا يزال يرى في السلاح ركنا أساسيا من أركان توازن القوى.

ويبقى السؤال مفتوحا: هل نشهد بالفعل تحولا استراتيجيا في مسار الحركة الصدرية، أم إننا أمام حلقة جديدة من دورة الانكفاء والعودة التي طبعت تجربة مقتدى الصدر طوال العقدين الماضيين؟

لكن اختبار الدولة الحقيقي يبدأ حيث تنتهي خطوة الصدر. فبينما يمكن استيعاب "سرايا السلام" ضمن مؤسسات الدولة بحكم ارتباطها المباشر بقرار سياسي مركزي، يبقى التحدي الأكبر في التعامل مع قوى مسلحة تنظر إلى دورها باعتباره جزءا من معادلات إقليمية تتجاوز حدود العراق. ومن هنا، فإن مستقبل مشروع حصر السلاح لن يُحسم بقرار فصيل واحد، بل بقدرة الدولة على فرض رؤية وطنية جامعة على جميع الفاعلين المسلحين.

ما جرى في مايو/أيار 2026 قد يكون بداية مرحلة جديدة في تاريخ الدولة العراقية، وقد يكون أيضا مجرد إعادة تموضع ذكية لرجل اعتاد مفاجأة خصومه وحلفائه معا. أما العراق، وكعادته، فلا يُقرأ من فصل واحد، ولا تُحسم معادلاته ببيان واحد.

font change

مقالات ذات صلة