الجزائر ومالي... براغماتية الميدان تتغلب على حسابات السياسة

الجغرافيا تفرض منطقها

أ.ف.ب
أ.ف.ب
نصب تذكاري للجيش في عاصمة مالي باماكو، في 26 أبريل 2026

الجزائر ومالي... براغماتية الميدان تتغلب على حسابات السياسة

على وقع الرمال المتحركة على طول حدود تتجاوز 2300 كيلومتر، وحرب النفوذ الباردة في منطقة الساحل الأفريقي، أنهت الجزائر وباماكو أطول قطيعة دبلوماسية بينهما السنوات الأخيرة، وتبدو عودة العلاقات بين البلدين، وفتح المجال الجوي بالكامل أمام حركة الطيران تجسيدا للبرغماتية الميدانية وانتصارا للواقعية السياسية (حيث تفوق المعطى الجغرافي للساحل والمخاطر العابرة للحدود على الحسابات السياسية الضيقة).

وفي اللحظة التي اعتقد فيها الكثيرون أن قطار المصالحة بين البلدين الشقيقين قد حاد عن سكته نهائيا، تفاجأ الرأي العام بصدور بيان من وزارة الدفاع الجزائرية، والذي شكلَ نقطة التحول والمحرك الرئيس لتسلسل التطورات المتلاحقة، إذ أعلنت السلطات الجزائرية رسميا إعادة فتح مجالها الجوي بالكامل أمام الملاحة المدنية والعسكرية من مالي وإليها، لتطوي بذلك حقبة الإغلاق الجوي الصارم المفروض منذ أبريل/نيسان 2025، ومباشرة بعدها أعلنت باماكو عن اتخاذ خطوة مماثلة بفتح أجوائها، مما مهد الأرضية فورا للخطوة التالية المتمثلة في عودة البعثات الدبلوماسية، إذ استأنف سفيرا البلدين مهامهما رسميا في العاصمتين.

ومن غير الممكن إطلاقا اختزال الانفراجة الأخيرة في مجرد مصالحة عادية أو هدنة دبلوماسية مؤقتة في جغرافيا ملتهبة، فالتحليلات الجيوسياسية تؤكد أن استئناف التمثيل الدبلوماسي الكامل، وإنهاء الحظر الجوي جاءا كـ"هندسة حتمية" فوق تضاريس أمنية وعرة.

تقول سعيدة سلامة، أستاذة العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة الجزائر من منطلق قراءتها الجيوبوليتيكية، أن "التقارب الدبلوماسي الأخير بين الجزائر ومالي لا يمثل مجرد انفراج ثنائي بل يعكس صراعا أعمق لإعادة تشكيل التوازنات الجيوسياسية في منطقة الساحل الأفريقي التي باتت ساحة لتنافس نفوذ إقليمي ودولي، ويعتبر هذا التطور جزءا لا يتجزأ من محاولات أوسع لإعادة رسم خرائط التأثير داخل العمق الأفريقي".

ويتشابك هذا الحراك الجيوسياسي مع تداعيات الفوضى الهيكلية وتعددية مراكز السلاح التي تفتت الدولة المالية، فالبلاد اليوم تواجه خطرا وجوديا بعد إلغاء اتفاقات السلام السابقة وفي مقدمتها "اتفاق السلم والمصالحة"، وهو اتفاق وقّع في الأول من مارس/آذار2015 في الجزائر العاصمة بين الحكومة المالية والحركات السياسية في شمال مالي، بهدف إنهاء النزاع وإرساء الاستقرار في المنطقة، فالتحول من حرب العصابات الكلاسيكية إلى استعمال الطائرات المسيرة الانتحارية، والكمائن المتطورة التي تستهدف بين الحين والآخر قوافل المشاة والتعزيزات العسكرية التابعة للجيش المالي وعناصر "الفيلق الأفريقي" الروسي يضاف إلى ذلك الطوق الأمني والاقتصادي الخانق الذي فرضه تحالف الحركات المسلحة، وتحديدا "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين"الموالية لتنظيم "القاعدة" بالتعاون مع فصائل الطوارق الانفصالية، على العاصمة المالية باماكو شكل جرس إنذار حقيقي وحول "المصلحة الأمنية العليا" إلى بوصلة متبادلة، فباماكو لم تعد قادرة على فرض الاستقرار في أقاليمها الشمالية المعزولة دون المظلة الأمنية للجارة الشمالية، ولا بمقدور الجزائر غض البصر عن توسع رقعة المناطق الرمادية على طول خط التماس الجنوبي.

ويقول ولد الصديق ميلود، كاتب وأستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة "الدكتور مولاي الطاهر" في حديثه لـ"المجلة" إن "الاهتمام الدولي المتنامي بمنطقة الصحراء، يحتم علينا الوعي بمسلمة جيوسياسية غير قابلة للجدل، وهي أن منطقة الساحل وبحكم تماسها المباشر مع حدودنا وتركيبتها المعقدة، تشكل عمقا استراتيجيا لا ينفصم عن التصور الشامل للأمن القومي الجزائري".

وتبرز في مقدمة هذه التهديدات الشبكات الجهادية المرتبطة بتنظيم "القاعدة" في بلاد المغرب الإسلامي وفروعها الهجينة مثل: "حركة التوحيد"، "الجهاد في غرب أفريقيا"، والتنظيمات العابرة للحدود مثل "بوكو حرام"، والكتائب المتحالفة معها مثل "أنصار الدين" الإسلامية، و"أنصار الشريعة"، بالإضافة إلى عشرات التنظيمات التي تتوزع في خطوط التماس بين ليبيا، وتشاد، ومالي، وأخيرا بوركينافاسو.

شهدت مالي منذ أيام تصعيدا أمنيا واسعا إثر سلسلة من الهجمات المنسقة والاشتباكات العنيفة التي نفذتها "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" بالتحالف مع مقاتلي "جبهة تحرير أزواد" الانفصالية، واستهدفت مواقع عسكرية ومدنا رئيسة شمال ووسط البلاد


وشهدت مالي مؤخرا تصعيدا أمنيا واسعا إثر سلسلة من الهجمات المنسقة والاشتباكات العنيفة التي نفذتها "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" بالتحالف مع مقاتلي "جبهة تحرير أزواد" الانفصالية، وقد استهدفت العمليات مواقع عسكرية ومدنا رئيسة في شمال ووسط البلاد، فيما وقعت انفجارات في مدينة سيفاري التي تضم قاعدة عسكرية ومطارا وسط البلاد، أعقبها تحليق طائرات في المنطقة. كما هوجم سجن كينيوروبا الرئيس الذي يبعد بضع عشرات الكيلومترات من العاصمة حيث يحتجز مسلحون. وقال الجيش إنه تمكن من صد الهجمات، وقتل عددا من المهاجمين.

ومع تهاوي جدار الجفاء وعودة المياه إلى مجراها الطبيعي، تفرض جملة من الاستفهامات نفسها بقوة: هل ينجح هذا التطبيع الدبلوماسي في ترميم العقيدة الأمنية و"فرملة" طوفان الفوضى الهيكلية في الساحل؟ وهل يمتلك التنسيق الاستخباراتي الوشيك القدرة على سد الفراغات وتأمين الشرايين اللوجستية التي أصبحت تئن تحت وطأة حرب الناقلات؟

أ ب
الأعلام الجزائرية على طول ممشى الواجهة البحرية في الجزائر العاصمة، 18 سبتمبر 2021

بناء على المعطيات الجيوسياسية الراهنة، تتأرجح مآلات هذا المنعطف الجيوسياسي الجديد بين عدة مسارات استراتيجية تتبلور أبرزها كالآتي: تفعيل غرف التنسيق الاستخباراتي، ومن ثم إعادة إحياء مسارات التفاوض المباشر بين الفرقاء.

وفي قراءة تحليلة لأبعاد هذه المهمة يقول عبد الرفيق كشوط، المحلل السياسي والأستاذ المحاضر في جامعة محمد الصديق، في حديثه لـ"المجلة" إن "المهمة شاقة بالنظر إلى تشابك خيوط الأزمة، لكن المؤكد أنها ستوظف حنكتها وستستند إلى رصيد تاريخي حافل". ويشير إلى أن "الجزائر ستوظف حنكتها الإقليمية لجر الخصوم من خنادق الحرب إلى مربع التفاوض، خاصة وأنها تمتلك رصيدا تاريخيا من الثقة لدى بعض الفرقاء والفاعلين في الميدان، وعلى رأسهم فصائل الأزواد الذين يثقون في التوجهات الاستراتيجية للبلاد، التي لطالما دعتهم وبشكل صارم إلى نبذ لغة السلاح وتأسيس أرضية تفاهم مشتركة تحمي الوحدة الوطنية من الانقسامات العميقة بين الجنوب ذي الكثافة السكانية، والشمال الصحراوي المضطرب الذي تقطنه أغلبية من الطوارق".

الجزائر ستوظف حنكتها الإقليمية لجر الخصوم من خنادق الحرب إلى مربع التفاوض، خاصة وأنها تمتلك رصيدا تاريخيا من الثقة لدى بعض الفرقاء والفاعلين في الميدان



الورقة الاقتصادية طوق نجاة

وفي نقطة تلاق استراتيجية تؤيد هذا الطرح، يتقاطع مع هذه القراءة الدكتور محمد الصالح جمال، باحث وأكاديمي في مجال العلوم السياسية والعلاقات الدولية، حيث يقول في حديثه لـ"المجلة" إن "المرحلة الجديدة ستفتح المجال أمام إعادة تفعيل قنوات التشاور السياسي والتنسيق الأمني بين الجزائر ومالي، بما يسمح بتعزيز التعاون في مواجهة التهديدات المشتركة، وفي مقدمتها الإرهاب والجريمة المنظمة والإتجار غير المشروع عبر الحدود. فالجزائر تمتلك خبرة كبيرة معترفا بها في مكافحة الإرهاب، وتأمين الحدود، وإدارة الأزمات، كما راكمت تجربة دبلوماسية كبيرة في الوساطة وتقريب وجهات النظر، وهذه الخبرة تمثل رصيدا مهماً يمكن أن يدعم التعاون الثنائي في إطار الاحترام الكامل لسيادة كل دولة وعدم التدخل في شؤونها الداخلية".

والمؤكد اليوم أن هذه الورقة الأمنية لن توظف بمعزل عن أوراق استراتيجية أخرى، وتبرز هنا "الورقة الاقتصادية". ويرى المحلل السياسي عبد الرفيق كشوط أن "الحلول الأمنية لا تتحرك بمعزل عن أوراق جيو-اقتصادية، وفي مقدمتها ورقة المساعدات الإنسانية واللوجستية، ويضاف إلى ذلك الورقة النفطية مثل جاهزية شركاتها البترولية العملاقة للدخول في قطاع الطاقة لخفض كلفة الإنتاج، بالإضافة إلى شبكة الطرق البرية العابرة للصحراء، خاصة وأنها تئن تحت وطأة حصار الوقود، مما يبت أن حتمية الجغرافيا الاقتصادية كانت واحدة من أبرز العوامل التي قادت إلى هذا الصلح".

ولم تعد رقعة الاشتباكات الضارية محصورة في جبهات الشمال البعيدة، إذ تمددت لتلقي بظلالها على تخوم مدينة تومبوكتو التاريخية العريقة في دولة مالي، والتي أصبحت تئن تحت وطأة أزمة وقود طاحنة بسبب استراتيجية خنق ممنهجة تعتمدها التنظيمات الإرهابية عبر "حرب الناقلات" واستهداف قوافل الإمداد الحيوية.

في المحصلة لا يمثل طي صفحة الخلافات البينية بين البلدين خيارا دبلوماسيا بروتوكوليا بل يمثل إجراء احترازيا حتميا أملته إكراهات الميدان المحترق، مرورا بتومبوكتو المشتعلة، وصولا إلى عاصمة البلاد باماكو، والأيام القليلة القادمة كفيلة بكشف ما إذا كانت التهدئة كافية لإخماد جمر الفوضى، لاسيما وأنها تمكنت سابقا من ترويض حزام النار المشتعل سابقا، أم إن رمال الساحل لا زالت تخبئ في عمقها اختبارات أخرى؟

font change