على وقع الرمال المتحركة على طول حدود تتجاوز 2300 كيلومتر، وحرب النفوذ الباردة في منطقة الساحل الأفريقي، أنهت الجزائر وباماكو أطول قطيعة دبلوماسية بينهما السنوات الأخيرة، وتبدو عودة العلاقات بين البلدين، وفتح المجال الجوي بالكامل أمام حركة الطيران تجسيدا للبرغماتية الميدانية وانتصارا للواقعية السياسية (حيث تفوق المعطى الجغرافي للساحل والمخاطر العابرة للحدود على الحسابات السياسية الضيقة).
وفي اللحظة التي اعتقد فيها الكثيرون أن قطار المصالحة بين البلدين الشقيقين قد حاد عن سكته نهائيا، تفاجأ الرأي العام بصدور بيان من وزارة الدفاع الجزائرية، والذي شكلَ نقطة التحول والمحرك الرئيس لتسلسل التطورات المتلاحقة، إذ أعلنت السلطات الجزائرية رسميا إعادة فتح مجالها الجوي بالكامل أمام الملاحة المدنية والعسكرية من مالي وإليها، لتطوي بذلك حقبة الإغلاق الجوي الصارم المفروض منذ أبريل/نيسان 2025، ومباشرة بعدها أعلنت باماكو عن اتخاذ خطوة مماثلة بفتح أجوائها، مما مهد الأرضية فورا للخطوة التالية المتمثلة في عودة البعثات الدبلوماسية، إذ استأنف سفيرا البلدين مهامهما رسميا في العاصمتين.
ومن غير الممكن إطلاقا اختزال الانفراجة الأخيرة في مجرد مصالحة عادية أو هدنة دبلوماسية مؤقتة في جغرافيا ملتهبة، فالتحليلات الجيوسياسية تؤكد أن استئناف التمثيل الدبلوماسي الكامل، وإنهاء الحظر الجوي جاءا كـ"هندسة حتمية" فوق تضاريس أمنية وعرة.
تقول سعيدة سلامة، أستاذة العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة الجزائر من منطلق قراءتها الجيوبوليتيكية، أن "التقارب الدبلوماسي الأخير بين الجزائر ومالي لا يمثل مجرد انفراج ثنائي بل يعكس صراعا أعمق لإعادة تشكيل التوازنات الجيوسياسية في منطقة الساحل الأفريقي التي باتت ساحة لتنافس نفوذ إقليمي ودولي، ويعتبر هذا التطور جزءا لا يتجزأ من محاولات أوسع لإعادة رسم خرائط التأثير داخل العمق الأفريقي".
ويتشابك هذا الحراك الجيوسياسي مع تداعيات الفوضى الهيكلية وتعددية مراكز السلاح التي تفتت الدولة المالية، فالبلاد اليوم تواجه خطرا وجوديا بعد إلغاء اتفاقات السلام السابقة وفي مقدمتها "اتفاق السلم والمصالحة"، وهو اتفاق وقّع في الأول من مارس/آذار2015 في الجزائر العاصمة بين الحكومة المالية والحركات السياسية في شمال مالي، بهدف إنهاء النزاع وإرساء الاستقرار في المنطقة، فالتحول من حرب العصابات الكلاسيكية إلى استعمال الطائرات المسيرة الانتحارية، والكمائن المتطورة التي تستهدف بين الحين والآخر قوافل المشاة والتعزيزات العسكرية التابعة للجيش المالي وعناصر "الفيلق الأفريقي" الروسي يضاف إلى ذلك الطوق الأمني والاقتصادي الخانق الذي فرضه تحالف الحركات المسلحة، وتحديدا "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين"الموالية لتنظيم "القاعدة" بالتعاون مع فصائل الطوارق الانفصالية، على العاصمة المالية باماكو شكل جرس إنذار حقيقي وحول "المصلحة الأمنية العليا" إلى بوصلة متبادلة، فباماكو لم تعد قادرة على فرض الاستقرار في أقاليمها الشمالية المعزولة دون المظلة الأمنية للجارة الشمالية، ولا بمقدور الجزائر غض البصر عن توسع رقعة المناطق الرمادية على طول خط التماس الجنوبي.
ويقول ولد الصديق ميلود، كاتب وأستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة "الدكتور مولاي الطاهر" في حديثه لـ"المجلة" إن "الاهتمام الدولي المتنامي بمنطقة الصحراء، يحتم علينا الوعي بمسلمة جيوسياسية غير قابلة للجدل، وهي أن منطقة الساحل وبحكم تماسها المباشر مع حدودنا وتركيبتها المعقدة، تشكل عمقا استراتيجيا لا ينفصم عن التصور الشامل للأمن القومي الجزائري".
وتبرز في مقدمة هذه التهديدات الشبكات الجهادية المرتبطة بتنظيم "القاعدة" في بلاد المغرب الإسلامي وفروعها الهجينة مثل: "حركة التوحيد"، "الجهاد في غرب أفريقيا"، والتنظيمات العابرة للحدود مثل "بوكو حرام"، والكتائب المتحالفة معها مثل "أنصار الدين" الإسلامية، و"أنصار الشريعة"، بالإضافة إلى عشرات التنظيمات التي تتوزع في خطوط التماس بين ليبيا، وتشاد، ومالي، وأخيرا بوركينافاسو.
