لماذا تنقل مصر مركز أعصابها العسكري إلى عمق الصحراء؟

ينظر إلى المجمع الجديد باعتباره مركز الأعصاب في الدولة

أ.ف.ب
أ.ف.ب
لقطة جوية لأعمال الإنشاء الجارية في مشروع "العاصمة الإدارية الجديدة" الضخم في مصر، على بُعد حوالي 45 كيلومتراً شرق القاهرة، في عام 2020

لماذا تنقل مصر مركز أعصابها العسكري إلى عمق الصحراء؟

يقدّم افتتاح الرئيس عبد الفتاح السيسي لمقر القيادة الاستراتيجية الجديد في مصر، المعروف على نطاق واسع باسم "الأوكتاغون"، خلاصةَ بعض الدروس التي استوعبتها الدولة المصرية من اضطرابات ماضيها القريب. كما يعكس ملامح التحول في استراتيجيتها للتعامل مع بيئة إقليمية متقلبة، وحروب تتبدل أدواتها وقواعدها.

ورغم أن المشروع، الذي تقدر كلفته بمليارات الدولارات، أثار انتقادات حادة من جانب من يرونه وجها من وجوه "البذخ" في بلد يرزح تحت أعباء الديون، فإن تصميمه وحجمه يشيران إلى طموح يتجاوز البعد الإنشائي وحده.

ويستمد المجمع اسمه من هندسته المعمارية، إذ يقوم على ثمانية مبان خارجية، يتخذ كل منها شكل المثمن. ويمتد على مساحة 22 ألف فدان، وقد وصف بأنه أكبر منشأة دفاعية في العالم.

في 4 يوليو/تموز، تقدم موكب السيسي وسط قيظ الصحراء، تحيط به عشرات الدراجات النارية، على طرق تشق العاصمة الإدارية الجديدة، المدينة الشاسعة التي تقارب سنغافورة من حيث المساحة. وفوق الموكب، حلّقت مروحيتان من طراز أباتشي، في مشهد بدا أقرب إلى لقطة سينمائية.

وعند نزوله من السيارة، ظهر السيسي مرتديا زيا عسكريا، في مشهد غير مألوف، لكنه حمل رسالة واضحة عن طبيعة المنشأة التي يستعد لافتتاحها، وعن موقعها في صميم المجال السيادي للدولة. كما أوحى الزي بأن المجمع الجديد يراد له أن يكون خط دفاع متقدّما وأخيرا عن الدولة المصرية، في سياق إقليمي تتزايد فيه أهمية الهجمات السيبرانية والتشويش وحرب المعلومات، إلى جانب التكتيكات العسكرية التقليدية، أو بديلا عنها أحيانا، وفق خبراء عسكريين.

تحول في العقيدة الاستراتيجية

ترمز المباني الثمانية الخارجية، ذات الشكل المثمن، إلى أفرع القوات المسلحة المصرية. وتحيط هذه المباني بمركزي قيادة، وترتبط بهما عبر شبكة من الممرات. وتستعير عمارة المجمع بعض عناصرها من الرموز المصرية القديمة والإسلامية، على ما يبدو، لإضفاء دلالة ثقافية وإيحاءات بالنظام والاستمرارية.

ويضم المجمع 13 منطقة عملياتية ولوجستية، تشمل منشآت محصنة ومرافق تحت الأرض، ويتولى الحرس الجمهوري المصري تأمينها جميعا.

وبحسب محللين عسكريين، صمم المجمع ليكون مركز قيادة وطنيّا موحدا وقادرا على الصمود، لإدارة العمليات العسكرية والأزمات ودمج المعلومات الاستخباراتية، ولا سيما في اللحظات الحرجة.

ويكشف إنشاؤه عن تحول واضح في العقيدة العسكرية المصرية، تشكلت ملامحه من دروس الماضي القريب، وضغوط الواقع الراهن، وتقديرات القاهرة لما قد تكون عليه المنطقة في السنوات المقبلة.

وقال اللواء نصر سالم، القائد السابق للاستطلاع في القوات المسلحة المصرية، إن افتتاح المجمع يمثل "تحولا كبيرا" في طريقة تخطيط مصر لعملياتها العسكرية، بحيث تصبح استباقية لا تفاعلية.

وأضاف، في حديث إلى "المجلة"، أن هذا التحول سيساعد الجيش المصري على تنفيذ عمليات سيبرانية أكثر فاعلية في المستقبل.

ينظر إلى المجمع الجديد باعتباره مركز الأعصاب في الدولة المصرية. ومن خلال إنشائه في عمق الصحراء، يعتقد الاستراتيجيون المصريون أنهم يقيمون منطقة عازلة آمنة

ويأتي افتتاح المجمع الجديد في وقت لا تزال فيه التوترات الإقليمية، خصوصا في البحر الأحمر وغزة والسودان والقرن الأفريقي، عند درجة عالية من الاحتقان، مع قابلية لمزيد من التصعيد. وبحسب خبراء عسكريين، يهدف المجمع إلى تمكين استجابات أسرع وأكثر تنسيقا، وإظهارا للقوة من خلال حجمه وقدراته التقنية ورسوخه المؤسسي. ويرى أحد الخبراء أن المشروع يدفع مصر نحو تبني عقيدة الحرب الشبكية.

دروس من الشارع

ذكر السيسي "الأوكتاغون" للمرة الأولى عام 2019، مقدما المنشأة الجديدة ضمن مسعى لمنع تكرار الاضطرابات التي رافقت انتفاضة 2011 ضد الرئيس الراحل حسني مبارك. فقد شهدت تلك الانتفاضة هجمات على مقار حكومية، ولا سيما مقر وزارة الداخلية في وسط القاهرة، إلى جانب أقسام الشرطة والسجون الرئيسة ومقار الإدارة المحلية، ما أدى إلى شلل مؤسسات الدولة وتعطيل قدرتها على أداء وظائفها.

وفي كلمة ألقاها في 4 يوليو/تموز أمام مسؤولين حكوميين وقادة عسكريين وإعلاميين، استعاد السيسي الحصار الذي فرضه إسلاميون على المحكمة الدستورية العليا في جنوب القاهرة ومقر وزارة الدفاع في شمال وسط العاصمة عامي 2012 و2013.

Egypt’s Official Media Digital Repository
وصول الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى مقر قيادة الدولة الاستراتيجية، المعروف باسم "الأوكتاغون"، في العاصمة الإدارية الجديدة، في 4 يوليو 2026

ومن خلال استحضار هذه الوقائع، أضاء الرئيس المصري جانبا من الدوافع التي وقفت وراء إنشاء المجمع الجديد، وفي مقدمتها الدروس التي استخلصتها مصر من ماضيها القريب. ويرى محللون أن تلك الأحداث نبهت إلى ضرورة نقل القيادة الاستراتيجية للدولة والحكومة إلى خارج القاهرة، العاصمة المكتظة بالسكان والضاربة في عمق التاريخ منذ أكثر من ألف عام.

وقال اللواء علي حفظي، المساعد السابق لوزير الدفاع المصري، إن التحولات الديموغرافية في العاصمة جعلتها أقل ملاءمة لاحتضان مقار المؤسسات التي تدير شؤون الدولة، وفي مقدمتها مؤسسات الأمن والدفاع.

وقال حفظي لـ"المجلة": "إن نقل هذه المؤسسات إلى خارج العاصمة يحميها ويضمن استمرار عملها من دون تعطيل".

وأضاف أن المنطق نفسه ينطبق على مشروع العاصمة الإدارية الجديدة ككل، الذي بلغت كلفة مرحلته الأولى حتى الآن 58 مليار دولار.

وتابع حفظي: "يريد مخططو الدولة ببساطة أن تكون المؤسسات المهمة في مواقع محصنة ضد الهجمات والحصار، وبعيدة عن التجمعات السكانية".

وقد أدى توقف مؤسسات الدولة عن العمل خلال ثورة 2011 إلى تداعيات خطيرة على الأمن المصري، إذ سمح بتسلل مئات المسلحين من غزة إلى سيناء. وبعد الهجمات التي استهدفت السجون المصرية، وأدت إلى فرار آلاف السجناء، بينهم إسلاميون، شكَّل هؤلاء المسلحون النواة الأولى لجماعة إرهابية اندمجت عام 2014 في تنظيم "داعش"، وسعت إلى إقامة خلافة إسلامية في سيناء.

واحتاجت مصر إلى أكثر من عقد من الزمن، وإلى موارد كبيرة، لسحق هذا الفرع من تنظيم "داعش" في سيناء.

مصمم لحروب هجينة

ينظر إلى المجمع الجديد باعتباره مركز الأعصاب في الدولة المصرية. ومن خلال إنشائه في عمق الصحراء، يعتقد الاستراتيجيون المصريون أنهم يقيمون منطقة عازلة آمنة، مستفيدين من المسافة التي تفصل العاصمة الإدارية الجديدة عن قلب القاهرة، والتي تبلغ نحو 65 كيلومترا.

وجود مركز قيادة محصن كهذا، تكون فيه الاتصالات محمية، أمر بالغ الأهمية لاستمرارية الدولة، حتى في ظل الظروف الصعبة أو الهجمات

ويضم المجمع نقاط دخول خاضعة للسيطرة، وفصلا واضحا بين حركة المدنيين والعسكريين، بما يضمن استمرار قيادة الدولة المصرية في الحركة والتواصل حتى في أقسى الظروف. كما يحقق قدرا عاليا من مركزية الإدارة وتدفق المعلومات، بما يسمح باتخاذ قرارات أسرع وبأقل قدر من التأخير، ويمنح صناع القرار قدرة أكبر على التنسيق الرقمي فائق السرعة.

وفي الوقت نفسه، توفر شبكة المقار القائمة، بما فيها المباني الحكومية القديمة، مثل وزارة الدفاع، عمقا فعليا وخط استمرارية احتياطيا.

ويقول محللون إن مصر، في تصميم المنشأة الجديدة وتنفيذها، تستخلص أيضا دروسا من التحولات الإقليمية وتغير أساليب الحرب. فقد تحولت المنطقة، بحسب هؤلاء، إلى نطاق واسع من المخاطر، حيث أصبحت الحروب الهجينة، التي تمزج بين الحرب التقليدية وغير النظامية والسيبرانية، إلى جانب أدوات أخرى، مثل التضليل والتلاعب الاقتصادي والتخريب، واقعا جديدا مألوفا.

رويترز
منظر عام للأبراج عند غروب الشمس، في ممشى الساحة الشمالية على طول البحر الأبيض المتوسط، خلال مهرجان العلمين الجديد، الدورة الثانية 2024، في مدينة العلمين الجديدة، مصر، 8 أغسطس 2024

وقال اللواء إبراهيم المصري، رئيس لجنة الدفاع والأمن القومي في البرلمان المصري: "لم تعد الحروب تدور حول الجيوش والأسلحة التقليدية". وأضاف، في حديث إلى "المجلة"، أن الحروب باتت تعتمد أساسا على التقنيات المتقدمة التي تساعد الدول على شل خصومها وتدمير بنيتهم التحتية عبر الهجمات السيبرانية.

ويرى خبراء أن الدروس المستخلصة من الحروب الإقليمية الأخيرة، ولا سيما الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، أثبتت على الأرجح صواب الرؤية التي حكمت تصميم المجمع.

فقد أدت الاختراقات الإلكترونية والاستخباراتية دورا محوريا في تلك الحرب، إذ شلت أنظمة القيادة، وقادت إلى اغتيال سريع لشخصيات بارزة في النظام الإيراني، بينهم علماء نوويون وكبار قادة الجيش، وصولا إلى "المرشد الأعلى" للثورة الإيرانية علي خامنئي.

وقال خبراء عسكريون إن ذلك يبين أن غياب الاستعداد الاستراتيجي يشكل أحد أكبر أخطار هذا القرن.

وقال اللواء المصري: "إن وجود مركز قيادة محصن كهذا، تكون فيه الاتصالات محمية، أمر بالغ الأهمية لاستمرارية الدولة، حتى في ظل الظروف الصعبة أو الهجمات".

font change