اليمن بين واشنطن وطهران... لعبة بلا قواعد وصراع دون نهاية

خطأ الحسابات

رويترز
رويترز
صورة عبر الأقمار الصناعية تُظهر مبنىً في ميناء إيراني قبل الضربات الأميركية الأخيرة في سَرخور طهرويي، محافظة هرمزغان

اليمن بين واشنطن وطهران... لعبة بلا قواعد وصراع دون نهاية

بإعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن أن مذكرة التفاهم الموقّعة مع إيران لإنهاء الصراع قد "انتهت" واستئناف "الحرس الثوري" الإيراني هجماته التي قال إنها استهدفت عشرات المنشآت العسكرية الأميركية في البحرين والكويت ردّا على الضربات الأميركية، في بيان نقله التلفزيون الرسمي، يكون النزاع الأميركي-الإيراني قد عاد، على الأرجح، إلى مربعه الأول وأصبح أكثر وضوحا بعد الغموض الذي كان يلف المفاوضات المعقدة بين واشنطن وطهران، وليؤكد مجددا على أن المسافات التي صنعها شيطان التفاصيل في تطبيق مذكرة التفاهم الموقعة بين الجانبين لا تزال طويلة، متشعبة وشائكة، وأن عودة المواجهة العسكرية مع طهران لا تزال واردة ومحتملة إلى حد كبير.

قبل ذلك بيوم واحد كانت جملةٌ من التصريحات الأميركية والإسرائيلية والإيرانية قد أوحت بأن يصل الجميع إلى هذه النتيجة، إذ نقل موقع "واللا" الإخباري الإسرائيلي عن وزير الدفاع، يسرائيل كاتس، قوله إنّ "إسرائيل هي من قتلت (المرشد الأعلى) الإيراني علي خامنئي" وإنّ بلاده "ستقتل أي قائد إيراني يخطط لتدمير إسرائيل". كما أشار إلى أنّ إسرائيل "مستعدة للدفاع مجددا وفي أي وقت وأمام أي تهديد"، مُشدّدا على "جاهزية المؤسسة العسكرية للتعامل مع مختلف السيناريوهات" وأنها تعمل على "توسيع بنك أهداف جديدة لها في إيران"، وذلك في سياق معلومات عن أن طهران تستغل الهدوء الهش القائم لإعادة بناء قدراتها العسكرية.

وبعد أربع وعشرين ساعة تقريبا، قال وزير الخارجية الإيراني ⁠عباس عراقجي، من جانبه، إن المحادثات الرامية للتوصل إلى اتفاق نهائي بين طهران ‌وواشنطن "لن تبدأ إذا استمرت ‌التهديدات ‌الأميركية" وذلك في إشارة إلى تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترمب "بإنهاء المهمة" في ‌حال عدم ‌التوصل ⁠إلى اتفاق، وأوضح عراقجي في منشور على منصة "إكس" مخاطبا الأميركيين: "احترموا توقيعكم"، مشيرا إلى الاتفاق "المؤقت" الذي وقعته إيران والولايات المتحدة الشهر الماضي، والذي يدعو الجانبين إلى الامتناع عن التهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد بعضهما البعض.

صيغة ملغومة

الواقع أن مذكرة التفاهم نفسها تكاد تبدو أنها هي من اصطنع ابتداء، عمدا أو بمقتضى الحال، شيطان التفاصيل أصلا هذا، فالنوايا منذ البداية لم تكن بالتأكيد حسنة لدى الطرفين.

ثم جاء التصعيد الإيراني في مضيق هرمز ليؤكد أن ثمة انقساما داخل إيران بشأن هذه المذكرة، بل ربما باتت إيران تُحكم بواسطة عدة رؤوس وليس عن طريق قيادة واحدة متماسكة وموحدة.

التطورات الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران تثير قلقا عميقا في بلدان عربية عدة معنية بهذا النزاع خصوصا أن ثمة أحداثا جرت الأسبوع الماضي بدت كأنها مقدمات لما يحدث الآن، فقد لفتت الأنظار، على سبيل المثال، اشتباكاتٌ مفاجئةٌ وغير مسبوقة، دارت رحاها، جنوب محافظة الحديدة غربي اليمن على الساحل الغربي للبحر الأحمر بين ميليشيات موالية لجماعة الحوثيين المتحالفة مع إيران وقوات محلية متحالفة مع القوات الحكومية اليمنية الشرعية.

هذه الاشتباكات كانت هي الأعنف التي تشهدها محافظة الحديدة في جبهة جبل دباس شمال مدينة حيس، وهي إحدى أكثر الجبهات سخونة بين القوات الحكومية اليمنية وجماعة الحوثي، حيث أسفرت عن سقوط عشرات القتلى والجرحى من الجانبين، في انحدار خطير للهدنة العسكرية الهشة بين الجانبين منذ أبريل/نيسان 2022 ما يهدد بانهيار هذه التهدئة واحتمال عودة المواجهات الشديدة مع الميليشيات الحوثية الموالية بقوة لإيران.

وأوضح وزير الدولة في الحكومة اليمنية وليد القديمي أن الاشتباكات التي دارت بين قوات ألوية "الزرانيق التهامية" وعناصر من جماعة الحوثي أسفرت عن مقتل أكثر من 50 مسلحا من الجماعة وإصابة العشرات، إلى جانب مقتل 15 من أفراد القوات الحكومية.

أثارت هذه الأحداث الدامية لجهة مكانها وتوقيتها تساؤلات بشأن علاقتها المحتملة بقوة مع تعثر المفاوضات بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران سيما في ظل مشاركة مثيرة للجدل لـ"وفد حوثي رفيع المستوى" في مراسم تشييع جنازة "المرشد الأعلى" الإيراني الراحل علي خامنئي.

تبدو الملفات اليوم متداخلة ببعضها أكثر من أي يوم مضى، حيث أظهر هذا الاشتباك "التجريبي" على الساحل الغربي لليمن على البحر الأحمر محاولة إيرانية عبر وكلائها الحوثيين لاختبار جاهزية القوات الحكومية اليمنية ومن ورائها التحالف الذي تدعمه الرياض في الدفاع عن هذا المضيق ومنع استخدامه كورقة إضافية إلى جانب مضيق هرمز في مفاوضات واشنطن وطهران.

ما تمكن رؤيته اليوم في ضوء كل ذلك أن هنالك احتقانا في المفاوضات يحتاج تجاوزه العبور منه بسلام من خلال مضيق هرمز عن طريق المفاوضات أو بمزيد من التصعيد العسكري باستخدام مضيق باب المندب الواقع على مرمي الحوثيين الإيرانية وطائراتهم المسيرة جنوب البحر الأحمر.

تبدو الملفات اليوم متداخلة ببعضها أكثر من أي يوم مضى، حيث أظهر هذا الاشتباك "التجريبي" على الساحل الغربي لليمن على البحر الأحمر محاولة إيرانية عبر وكلائها الحوثيين لاختبار جاهزية القوات الحكومية اليمنية


كشفت الأحداث الأخيرة في اليمن التي تؤكد المصادر الحكومية أنها نتجت عن هجوم لا تعرف دافعه شنته الميليشيات الحوثية عن أن الصراع الذي تحاول طهران استثماره، عسكريا واجتماعيا، في اليمن من خلال مضيق باب المندب لا يزال أسوأ بالنسبة لها عما كان عليه قبل الحرب، فجوهر النزاع هو مضيق هرمز وليس باب المندب رغم أهمية الأخير وبخلاف القبول بالسردية الإيرانية عن أن ما أصبح بعد الحرب غير ما كان عليه قبلها.

رويترز
يتجمع المشيّعون يوم دفن "المرشد" الإيراني الراحل آية الله علي خامنئي، الذي قُتل في 28 فبراير بضربات جوية إسرائيلية‑أميركية

أكثر ما يجعل هذه السردية مادة للسخرية هو أن السيطرة على مضيقي هرمز وباب المندب يمكن أن تصبح جزءا من أحاديث الماضي إذا مضت السعودية قُدما في زيادة صادراتها عن طريق ميناء ينبع الوقع على البحر الأحمر لتزيد عن تسعة براميل من النفط الخام يوميا، وأن يتعهد العالم المستفيد من ذلك بحماية هذا الممر الحيوي الجديد خصوصا إذا انضمت إلى تغذيته دولٌ خليجيةٌ أخرى تجنبا لتهديدات إيران باستهداف خطوط الملاحة البحرية بكل أنواعها سواء في مضيق هرمز أو مضيق باب المندب.

تمرينات إنشائية ركيكة

من الأمور الأكثر استرعاء للتوقف عندها هو مدى شعور جماعة الحوثيين بالمسؤولية أو انعدامه عما يضيفه ذلك من المعاناة لدى ملايين اليمنيين، خصوصا في مناطق سيطرتها شمال ووسط غرب اليمن، حيث تغلي تلك المناطق كل يوم بالمزيد من السخط والغضب على ممارسات الميليشيات الحوثية في حقها وذلك بما لا يتسع المجال لحصره وتفصيله وشرحه والتعليق عليه أكثر مما تناولته تقارير دولية عن استفحال أزمة الغذاء والأدوية المنقذة للحياة في تلك المناطق، لكن الغريب هو أن يتجه رد فعل جماعة الحوثيين إزاء ذلك بتحويل الأنظار عن هذه الأمور التي يفترض أن تتحمل المسؤولية عنها إلى من تصفه بـ"العدو السعودي ومحاولته تضليل الرأي العام بتحريف الوقائع وتزييف الحقائق". حيث ذهب بيانٌ عما يسمى "وزارة الخارجية والمغتربين" المستنسخة عن الحكومة الشرعية والخاضعة للجماعة إلى حد القول إن "الشعب اليمني بكافة مؤسساته اتخذ قراره بإنهاء العدوان وكسر الحصار ويد المعتدي، ولن يتراجع عن ذلك مهما كلفه ذلك من أثمان وأن إعادة تشغيل مطار صنعاء الدولي حق سيادي لليمن، وأن صنعاء ماضية في ذلك ودون إذن من أحد". ‏وتشير الوزارة المزعومة إلى "أننا في اليمن لا نزال في المراحل الأولى لكسر الحصار وإنهاء المعاناة بالاستعانة بالله سبحانه وتعالى"، وأن على هذا النظام السعودي "الظالم أن يعي أنه لا زال هناك الكثير من المراحل التي ستعيد لشعبنا العزيز والكريم حقوقه المسلوبة وتنهي حالة البؤس والمعاناة"، وفق خارطة الطريق المتفق عليها مع الرياض برعاية الأمم المتحدة.

من الأمور الأكثر استرعاء للتوقف عندها هو مدى شعور جماعة الحوثيين بالمسؤولية أو انعدامه عما يضيفه ذلك من المعاناة لدى ملايين اليمنيين، خصوصا في مناطق سيطرتها شمال ووسط غرب اليمن


لم يُعرف الكثير عن خارطة الطريق التي يقول بيان الحوثيين "إن ادعاء العدو السعودي أننا نرفض خارطة الطريق التي تمت بيننا وبينه برعاية من الأشقاء في سلطنة عمان غير صحيح إطلاقا". ولكن السعودية لم تقل يوما إن هذه الخريطة تم التوقيع عليها أو أصبحت اتفاقا يمكن الاستفتاء عليه لحل النزاع مع الحوثيين، لكنها ربما كانت مجرد مسودة لبنود حوار بين اليمنيين، خصوصا أنها حتى اليوم لا تزال "مشروعا" قيد الصياغة لم يكن معظم أطراف الصراع اليمني على اطلاع عليه لتقرير ما إذا كان موضوعا قابلا للتفاوض أم غير ذلك.

ما خارطة الطريق هذه؟

لا يهم كل ذلك في المقام الأول والأخير لكثير من المواطنين العرب بقاء أو زوال هذا الصراع بين الولايات المتحدة وإيران قدر ما يحزنهم أن يكون هذا النزاع عائقا أمام امتلاك شعوب الأمة العربية والإسلامية وحتى العالم غير المنحاز لأي من الطرفين مشروعه الخاص وأن يدفع هذا الجزء الواسع من العالم ثمنا لذلك الصراع من مقدراته وأمنه واستقراره في نزاع بين طرفين لا تربطه بأي منهما حدود، باستثناء العراق وعمان، وآخر في الغرب الأميركي البعيد، ولا سبب لكل ذلك سوى عقدتين، إحداهما "النقص" عند ايران التي تحاول تعويضه على حساب العرب، وعقدة "التفوق" التي تسعى الولايات المتحدة الأميركية إلى ترسيخها بوجودها العسكري في بعض الأراضي العربية تحديا لإيران من ناحية وحماية لعدوتها إسرائيل من ناحية ثانية.

في نظر كثيرين أن ألاعيب جديدة وتكتيكات مثيرة للاستغراب سوف تحاول جماعة الحوثيين بين حين وآخر استخدامها بإيعاز من طهران لتنحو باللائمة من خلالها على جهود التحالف الذي تقوده السعودية لإعادة ضبط الأوضاع في اليمن كله، شمالا وجنوبا، وأن محاولات من قبل الجماعة سوف يشهدها الجميع للتغطية على فشلها في إدارة شؤون المناطق الخاضعة لسيطرتها، إذ لا تستطيع قبول أو استيعاب أن العالم في غير وارد الاعتراف بها كـ"حكومة شرعية" في بلد لا يزال رغم كل ما يعانيه له شخصيته السياسية الدولية وحدوده الجغرافية التي لا يمكن تعديلها بفرض أمر واقع عليه أو على حدوده أو مضائقه بقوة أي سلاح إيراني مستورد.

font change