إعادة تسعير المخاطر: لماذا ينتقل الذهب من الجغرافيا السياسية إلى السياسة النقدية؟

الذهب يصحح مساره مع عودة الفائدة إلى الواجهة، فيما يبقى الطلب الرسمي داعما

رويترز
رويترز
سبائك ذهبية معروضة في مكتب شركة GoldSilver Central في سنغافورة، 19 يونيو/حزيران 2017

إعادة تسعير المخاطر: لماذا ينتقل الذهب من الجغرافيا السياسية إلى السياسة النقدية؟

منذ توقيع مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران في 17 يونيو/حزيران 2026، بوساطة رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، لم يتراجع الذهب لأن الحرب انتهت، بل لأن الأسواق أعادت تسعير احتمالات استمرارها.

فالمعدن الذي استفاد خلال الأشهر الماضية من "علاوة الخوف"، وجد نفسه فجأة أمام بيئة أقل توترا وأكثر ميلا إلى المخاطرة. لذلك لم يكن التراجع انعكاسا للاتفاق بحد ذاته، بقدر ما كان تعبيرا عن انتقال المستثمرين من مرحلة تسعير أسوأ السيناريوهات إلى مرحلة تقييم واقع اقتصادي ونقدي مختلف تماما.

وعقب إعلان توقيع مذكرة التفاهم، تراجع خام برنت بنحو 1.6 في المئة مع انحسار المخاوف في شأن اضطراب الإمدادات، بينما ارتفعت العقود الآجلة لمؤشري "ستاندرد آند بورز 500" و"ناسداك"، وواصل مؤشر "نيكاي" الياباني تسجيل مستويات قياسية جديدة، في انعكاس لعودة شهية المستثمرين نحو الأصول الأعلى مخاطرة.

تشير الأدبيات المالية إلى أن الانتقال بين بيئتي "تجنب المخاطرة" و"الإقبال على المخاطرة" لا يعكس بالضرورة تغيرا في أساسيات الاقتصاد، بقدر ما يعكس تغيرا في إدراك المستثمرين للمخاطر، وما يترتب عليه من إعادة توزيع المحافظ الاستثمارية بين الأصول الدفاعية والأصول الأعلى مخاطرة

في المقابل، واصل الذهب تراجعه مع تآكل علاوة المخاطر الجيوسياسية. ويلخص هذا التباين جوهر ما جرى في الأسواق التي لم تعد تتفاعل مع الأخبار نفسها، بقدر ما تعيد تسعير المخاطر التي تنطوي عليها تلك الأخبار.

ولم يكن الذهب استثناء. فبعدما سجل قمته التاريخية 5,594.82 دولارا للأونصة في 29 يناير/كانون الثاني 2026، دخل المعدن الأصفر في موجة تصحيح مع انحسار الطلب على الملاذات الآمنة. وتراجع الذهب إلى نحو 4,000 دولار للأونصة مع نهاية يونيو/حزيران ومطلع يوليو/تموز الجاري، قبل أن يعوض جانبا من خسائره ويعود للتداول فوق 4,170 دولارا في الأيام الأولى من الشهر. وبذلك بلغ التصحيح الفعلي من القمة إلى القاع نحو 28.4 في المئة، وهو تراجع أعمق بكثير من التقديرات التي تتحدث عن انخفاض يقارب 12 في المئة، إذ تعتمد تلك المقارنات على احتساب قمة أدنى من القمة التاريخية الفعلية، مما يقلل حجم التصحيح الحقيقي.

بالتالي، لم يعد السؤال الواجب طرحه لماذا ارتفع الذهب أثناء الحرب؟ إنما لماذا يتراجع بهذه السرعة بمجرد انحسار احتمالات التصعيد، ثم يرتد بمعزل تام عن أي تطور جيوسياسي جديد؟

والإجابة تكمن في حقيقة أساس كثيرا ما تغيب عن النقاشات الاقتصادية، وهي أن الأسواق لا تتفاعل مع الأخبار نفسها، وإنما مع إعادة تسعير المخاطر التي تحملها تلك الأخبار، وأن مصدر هذه المخاطر تبدّل أكثر من مرة خلال أسابيع قليلة.

اختفاء "علاوة المخاطر الجيوسياسية"

خلال الأشهر الماضية، لم يتأثر تسعير الذهب بالتضخم أو أسعار الفائدة وحدهما، بل تأثر أيضا بما تعرفه الأدبيات المالية بـ"علاوة المخاطر الجيوسياسية" (Geopolitical Risk Premium)، وهي مكوّن سعري يعكس تعويض المستثمرين عن حالة عدم اليقين المرتبطة باحتمالات التصعيد الجيوسياسي.

ومع اندلاع الحرب في الشرق الأوسط وإغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20 في المئة من إمدادات النفط العالمية، ارتفعت مخاطر اضطراب أسواق الطاقة وقفز خام برنت إلى أكثر من 120 دولارا للبرميل، إلا أن أسعار الذهب واصلت إعادة تسعير تلك المخاطر مع تغير توقعات المستثمرين.

لكن الأسواق لا تسعّر وقوع الحرب بحد ذاته، بل تعيد باستمرار تسعير احتمالات اتساعها أو انحسارها. لذلك، ومع تراجع احتمالات التصعيد عبر سلسلة الهدن خلال مارس/آذار وأبريل/نيسان ومايو/أيار، ومن ثم توقيع مذكرة التفاهم في يونيو/حزيران، بدأت علاوة المخاطر الجيوسياسية المضمنة في سعر الذهب بالتآكل تدريجيا. وتزامن ذلك مع هبوط خام برنت بأكثر من 20 في المئة عن ذروته، وتراجع توقعات اضطراب الإمدادات، وانخفاض الحاجة إلى الاحتفاظ بأصول تعكس سيناريوهات المخاطر القصوى. ونتيجة لذلك، فقد الذهب جزءا من علاوة المخاطر الجيوسياسية التي كانت مضمنة في سعره، لا بسبب تغير أساسياته الاقتصادية، بل لانحسار احتمالات السيناريوهات الأكثر خطورة.

من تجنب المخاطرة إلى الإقبال عليها

يُعد هذا العامل من أكثر العوامل أهمية، وربما من أقلها تناولا في كثير من التحليلات. فمع انحسار المخاطر الجيوسياسية، لا تقتصر استجابة المستثمرين على تعديل توقعاتهم، بل تمتد إلى إعادة موازنة محافظهم الاستثمارية. ففي بيئة "تجنب المخاطرة" (Risk-Off)، ترتفع جاذبية الأصول الدفاعية، وفي مقدمتها الذهب، بوصفها أدوات للتحوط من عدم اليقين. أما مع تراجع احتمالات التصعيد والدخول في بيئة "الإقبال على المخاطرة" (Risk-On)، فتزداد الشهية تجاه الأسهم، ولا سيما أسهم النمو والتكنولوجيا، وغيرها من الأصول الأعلى مخاطرة سعيا إلى تحقيق عوائد أكبر.

رويترز
أحد الموظفين يعرض سبيكة ذهبية، بينما تُخزَّن سبائك ذهبية بمختلف الأوزان والقيم داخل غرفة خزائن آمنة في ميونيخ بألمانيا، 28 يناير/كانون الثاني 2026

وتشير الأدبيات المالية إلى أن الانتقال بين بيئتي "تجنب المخاطرة" و"الإقبال على المخاطرة" لا يعكس بالضرورة تغيرا في أساسيات الاقتصاد، بقدر ما يعكس تغيرا في إدراك المستثمرين للمخاطر، وما يترتب عليه من إعادة توزيع المحافظ الاستثمارية بين الأصول الدفاعية والأصول الأعلى مخاطرة.

وهذا ما شهدته الأسواق عقب مذكرة التفاهم في يونيو/حزيران الماضي، إذ سجل مؤشرا "ستاندرد آند بورز 500" و"ناسداك" مستويات قياسية جديدة، مدعومين بانخفاض أسعار الطاقة، وتحسن التوقعات الاقتصادية، واستمرار الزخم في قطاع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.

لم يعد المستثمر يقارن بين الذهب والحرب فقط، بل بات يتنقل بسرعة بين مقارنة الذهب بسندات الخزانة، ومقارنته باحتمالات القرار القادم للفيديرالي، وهو ما يفسر لماذا بدا أداء الذهب متذبذبا

ولا يحدث هذا التحول دائما بصورة تدريجية، إذ قد تؤدي إعادة موازنة المحافظ من قبل المستثمرين والاستراتيجيات الاستثمارية الكمية إلى انتقال سريع في توزيع الأصول مع تغير إدراك المخاطر. وفي مثل هذه الحالات، تعكس تحركات الأسعار سرعة إعادة توزيع المحافظ الاستثمارية استجابةً لتغير إدراك المخاطر، وهو ما ينسجم مع التراجع الذي شهده الذهب بالتزامن مع كل جولة تهدئة.

السياسة النقدية استعادت القيادة، إنما ليس بالطريقة التي يشاع تصويرها

هنا تكمن نقطة يغفل عنها كثير من التحليلات. فالحديث المتكرر عن أن "توقعات بقاء الفائدة الأميركية مرتفعة لفترة أطول" هي وحدها ما أضعف جاذبية الذهب، غير دقيق بالكامل. فالصورة الأدق أن صدمة النفط الناجمة عن الحرب دفعت التضخم إلى الارتفاع بما يكفي لجعل أسواق العقود الآجلة تُسعّر منذ أشهر احتمال رفع الفائدة الأميركية من الأساس، لا مجرد تثبيتها.

قبل صدور تقرير الوظائف الأميركي لشهر يونيو/حزيران، الذي نُشر في 3 يوليو/تموز، كانت الأسواق، وفق أداة "سي أم إي فيد واتش" (CME FedWatch)، التابعة لمجموعة "سي أم إي" (CME)، تسعّر احتمالا يقارب 66 في المئة لرفع أسعار الفائدة في اجتماع سبتمبر/أيلول.

وبعدما أظهر التقرير إضافة 57 ألف وظيفة فقط مقابل توقعات بنحو 110 آلاف، بينما تراجع معدل البطالة إلى 4.2 في المئة نتيجة انخفاض معدل المشاركة في سوق العمل، تراجعت تلك الاحتمالات إلى نحو 54 في المئة (وفي بعض التحديثات الفورية إلى نحو 51 في المئة).

رويترز
مقر بنك الاحتياطي الأمريكي في واشنطن، 16 سبتمبر/أيلول 2015

ورافق ذلك إقرار رئيس مجلس الاحتياطي الفيديرالي، كيفن وارش، بأن توقعات التضخم تحسنت مع تراجع أسعار الطاقة، مع تأكيده في الوقت نفسه التزام البنك المركزي الصارم هدف التضخم البالغ 2 في المئة وامتناعه عن إعطاء أي توجيهات مسبقة في شأن مسار أسعار الفائدة. ويبدو أن هذا التحول في توقعات السياسة النقدية كان العامل الرئيس وراء ارتداد الذهب من قاعه المسجل في مطلع يوليو/تموز إلى نطاق 4,150-4,190 دولارا، متقدما في تأثيره على التطورات الجيوسياسية التي كانت قد فقدت جزءا كبيرا من أثرها في الأسواق.

بعبارة أخرى لم يعد المستثمر يقارن بين الذهب والحرب فقط، بل بات يتنقل بسرعة بين مقارنة الذهب بسندات الخزانة، ومقارنته باحتمالات القرار المقبل للفيديرالي، وهو ما يفسر لماذا بدا أداء الذهب متذبذبا وغير مرتبط بشكل مباشر بأي عنوان إخباري واحد.

الصناديق المتداولة في البورصة (ETF) تعيد التموضع بحذر

تعكس بيانات مجلس الذهب العالمي الخاصة بصناديق الذهب المتداولة تحولا واضحا في سلوك المستثمرين عبر هذه الصناديق. فبعد سبعة أرباع متتالية من التدفقات الإيجابية، تباطأت وتيرة الشراء بشكل حاد في الربع الأول من 2026، إذ لم تتجاوز الإضافات الصافية 62 طنا مقابل متوسط 200 طن في الأرباع الأربعة السابقة، مع خسائر حادة في مارس/آذار (بلغت 12 مليار دولار) عكست جزءا كبيرا من مكاسب يناير/كانون الثاني وفبراير/شباط الماضيين. 

بعد سبعة أرباع متتالية من التدفقات الإيجابية، تباطأت وتيرة الشراء بشكل حاد في الربع الأول من 2026، إذ لم تتجاوز الإضافات الصافية 62 طنا مقابل متوسط 200 طن في الأرباع الأربعة السابقة

وفي مايو/أيار تراجعت الحيازات العالمية 0.4 في المئة على أساس شهري إلى 4,121 طناً، قريبا من الرقم القياسي المطلق البالغ 4,176 طناً المسجل في 27 فبراير/شباط 2026، مع خروج صافٍ من أميركا الشمالية بقيمة 1.1 مليار دولار، بينما كانت أوروبا المنطقة الوحيدة التي استقبلت تدفقات إيجابية (بلغت 334 مليون دولار) مدفوعة باستمرار حالة عدم اليقين الاقتصادي والمالي، ولا سيما في بريطانيا وألمانيا.

استمر هذا النزيف خلال النصف الأول من يونيو/حزيران الفائت، قبل أن تسجل الصناديق في الأسبوع الأخير من الشهر أقوى تدفق أسبوعي داخل لها منذ منتصف أبريل/نيسان، بقيمة 1.1 مليار دولار، لتنهي بذلك سلسلة من أربعة أسابيع متواصلة من الخروج. ولا تشير هذه التحركات بالضرورة إلى تراجع ثقة المستثمرين بالذهب، بقدر ما تعكس إعادة تموضع المحافظ الاستثمارية في ظل تغير توقعات السياسة النقدية وتراجع علاوة المخاطر الجيوسياسية.

أ.ف.ب
عملة ذهبية من إنتاج دار سك العملة في بيرث (Perth Mint)، يُفترض أن تبلغ قيمتها 45 مليون دولار أمريكي، في بورصة نيويورك (NYSE)، 16 يوليو/تموز 2019

وقد قدّر بنك  "ستاندرد تشارترد" أن نحو 298 طنا من الذهب المحتفظ به عبر صناديق المؤشرات المتداولة يتم تداوله حاليا دون متوسط تكلفة شرائه، مع تزايد هذه الكتلة مقارنة بنحو 270 طنا عندما كان الذهب يتداول فوق مستوى 4,250 دولارا للأونصة. ويشير ذلك إلى اتساع شريحة الحيازات الخاسرة، ما قد يزيد احتمالات البيع عند تعافي الأسعار إلى مستويات قريبة من تكلفة الشراء، ولا سيما لدى المستثمرين ذوي الأفق الاستثماري الأقصر.

بالتالي، فإن أي ارتداد في الأسعار في اتجاه تلك المستويات لا يمثل في الضرورة نقطة استقرار، إنما قد يتحول إلى منطقة عرض إضافية، مع احتمال زيادة عمليات البيع باقتراب الأسعار من مستويات الدخول. وهو ما يجعل مسار التعافي أكثر تدرجا وأبطأ، ويحدّ من حدة أي صعود سريع في المدى القريب، دون أن يغيّر في الضرورة الاتجاه العام للسوق.

البنوك المركزية تروي قصة مضادة تماما

إذا كانت تحركات صناديق المؤشرات المتداولة تشير إلى حذر وتردد، فإن البنوك المركزية تقدم رواية مختلفة جذريا. فقد اشترت البنوك المركزية عالميا صافي 244 طنا من الذهب خلال الربع الأول من 2026 وحده، بزيادة 3 في المئة عن العام السابق، وبمستوى يتجاوز متوسط الخمس سنوات، على الرغم من ارتفاع ملحوظ في نشاط بيع بعض البنوك خلال الربع نفسه، مما يعكس تباينا واضحا في سلوك البنوك المركزية، إذ تزامنت مشتريات قوية من عدد من البنوك مع زيادة ملحوظة في مبيعات بنوك أخرى، بينما ظل صافي الطلب موجبا.

ومن بين أبرز المشترين بولندا، التي أضافت 14 طنا في أبريل/نيسان وحده ليصل إجماليها منذ بداية العام إلى 45 طنا، وبنك الشعب الصيني، الذي واصل سلسلة شراء متصلة استمرت 18 شهرا متتاليا، والبنك الوطني التشيكي، الذي أضاف ثلاثة أطنان.

تنقسم المؤسسات الاستثمارية بين من يرى أن الذهب يمر بتصحيح تكتيكي مؤقت بفعل قوة الدولار وارتفاع العوائد، ومن يعتبره تصحيحا طبيعيا داخل دورة صعود أطول تدعمها مشتريات البنوك المركزية والعوامل الهيكلية

واستمر هذا التوجه خلال مايو/أيار الماضي، إذ أضافت البنوك المركزية عالميا صافي 41 طنا إلى احتياطياتها من الذهب، مما يشير إلى استمرار قوة الطلب الرسمي، على الرغم من تراجع الطلب الاستثماري عبر صناديق الذهب المتداولة. وتصدرت بولندا قائمة المشترين بإضافة 18 طنا، تلتها الصين بـ10 أطنان، مواصلة بذلك سلسلة شراء امتدت إلى 20 شهرا متتاليا، فيما أضافت كل من أوزبكستان وكازاخستان 9 و 7 أطنان على التوالي.

ويعكس هذا النمط استمرار تعامل البنوك المركزية مع الذهب بوصفه أصلا استراتيجيا طويل الأجل لتنويع الاحتياطيات وتعزيز الاستقرار، وهو ما يجعل قراراتها أقل ارتباطا بالتقلبات السعرية القصيرة الأجل مقارنة بالمستثمرين الماليين.

وتشير هذه الفجوة إلى استمرار الانقسام بين فئتين من المشترين: المستثمر المالي الذي يقيس المخاطر بالأيام والأسابيع ويتفاعل بسرعة مع الأخبار وتغيرات الأسعار، والبنوك المركزية التي تبني احتياطياتها وفق اعتبارات استراتيجية تمتد لسنوات، تشمل تنويع الأصول وتقليل الاعتماد على الدولار وتعزيز القدرة على مواجهة الصدمات المالية والجيوسياسية.

أ.ف.ب
موظفة في متجر مجوهرات تقوم بصف قطع الذهب، في يانيونغانغ، الصين، 24 ديسمبر/كانون الأول 2024

ويعزز هذا الطرح استطلاع مجلس الذهب العالمي لعام 2026، الذي شمل 76 بنكا مركزيا، وأظهر أن 89 في المئة منها تتوقع زيادة احتياطيات البنوك المركزية العالمية من الذهب خلال الاثني عشر شهرا المقبلة، وهي أعلى نسبة تسجَّل منذ إطلاق هذا الاستطلاع. وتعكس هذه النتائج استمرار القناعة لدى البنوك المركزية بالدور الاستراتيجي للذهب في إدارة الاحتياطيات، وهو ما يدعم استمرار الطلب الرسمي على المدى الطويل، حتى في الفترات التي يضعف فيها الطلب الاستثماري عبر صناديق الذهب المتداولة.

هل انتهت دورة الذهب الصاعدة؟

تنقسم آراء المؤسسات الاستثمارية حول مستقبل الذهب اتجاهين رئيسين. ويرى الاتجاه الأول، الذي تتبناه مؤسسات مثل "يو بي إس" (UBS)، أن الذهب يمر بمرحلة تصحيح تكتيكية قد تمتد على المدى القريب، في ظل تراجع الزخم الفني، وارتفاع العوائد الحقيقية، وقوة الدولار، وضعف تدفقات صناديق الذهب المتداولة. وترى هذه المؤسسات أن هذه العوامل قد تؤخر استعادة المعدن زخمه، من دون أن تنفي استمرار الاتجاه الصاعد على المدى الطويل المدعوم بالطلب الرسمي من البنوك المركزية والعوامل الهيكلية الأخرى.

أما الاتجاه الثاني، وهو الأقرب إلى رؤية عدد من المؤسسات المالية الكبرى، مثل "مورغان ستانلي" و"جي بي مورغان"، وكذلك متوسط توقعات استطلاع "رويترز"، فيرى أن ما يحدث يمثل تصحيحا طبيعيا بعد موجة صعود استثنائية عززتها التوترات الجيوسياسية، إلى جانب التدفقات الاستثمارية القوية والطلب الرسمي من البنوك المركزية. ويرى أصحاب هذا الاتجاه أن العوامل الهيكلية الداعمة للذهب لا تزال قائمة، وفي مقدمتها استمرار مشتريات البنوك المركزية عند مستويات تفوق متوسط السنوات الأخيرة، وارتفاع مستويات الدين العالمي، إضافة إلى بقاء المخاطر الجيوسياسية وعدم اليقين السياسي والاقتصادي، بما في ذلك هشاشة التفاهمات التي خففت حدة التوترات خلال الأشهر الماضية.

ما تشهده الأسواق اليوم لا يبدو نهاية لدورة الذهب، بقدر ما يعكس انتقال مركز الثقل من سوق هيمنت عليها علاوة المخاطر الجيوسياسية إلى سوق عادت فيها السياسة النقدية الأميركية وبيانات الاقتصاد الكلي لتكون المحرك الرئيس للأسعار

وربما يكون هذا الرأي الثاني هو الأقرب إلى الواقع، خصوصا في ضوء الارتداد الذي شهده الذهب مطلع يوليو/تموز مدفوعا ببيانات اقتصادية أميركية لا علاقة لها بالملف الإيراني.

وهناك بعد هيكلي إضافي يعزز فرضية "التصحيح المؤقت" على المدى المتوسط، ويتمثل في العبء المتزايد لخدمة الدين الأميركي. فقد بلغ صافي مدفوعات الفائدة على الدين الفيديرالي 271 مليار دولار خلال الأشهر الثلاثة الأولى فقط من السنة المالية 2026، متجاوزا للمرة الأولى الإنفاق الدفاعي الأميركي البالغ 267 مليار دولار خلال الفترة نفسها، بينما ارتفع إجمالي الدين الفيديرالي إلى نحو 39.4 تريليون دولار في حلول مطلع يوليو/تموز 2026. وفقا لتقديرات مكتب الموازنة في الكونغرس الأميركي (CBO)، من المتوقع أن تتجاوز مدفوعات الفائدة تريليون دولار في السنة المالية 2026، مقارنة بإجمالي إنفاق فيديرالي يقدر بنحو 7.4 تريليون دولار، مما يجعل خدمة الدين تمثل نحو 14 في المئة من إجمالي الإنفاق الفيديرالي.

رويترز
سبيكة من الذهب يتم صهرها في شركة هاتون غاردن ميتالز بمدينة لندن، المملكة المتحدة، 10 يونيو/حزيران 2026

ويُتوقع أن تواصل تكلفة خدمة الدين ارتفاعها خلال السنوات المقبلة، بما يعزز الضغوط المالية الطويلة الأجل، ويُبقي أحد أهم الدوافع الهيكلية الداعمة للذهب قائماً حتى مع انحسار العوامل الجيوسياسية القصيرة الأجل.

وتبرز هنا معادلة هيكلية معقدة، فكل فترة إضافية تبقى فيها أسعار الفائدة مرتفعة تزيد تدريجيا تكلفة خدمة الدين الأميركي، مع إعادة تمويل السندات المستحقة، بما يوسع العجز المالي ويزيد الضغوط على المالية العامة.

على الرغم من أن الاحتياطي الفيديرالي يحدد سياسته النقدية وفق مستهدفاته الخاصة بالتضخم وسوق العمل، فإن ارتفاع عبء الدين يضيف بعدا ماليا طويل الأجل إلى البيئة الاقتصادية.

ما تشهده الأسواق اليوم لا يبدو نهايةً لدورة الذهب، بقدر ما يعكس انتقال مركز الثقل من سوق هيمنت عليها علاوة المخاطر الجيوسياسية إلى سوق عادت فيه السياسة النقدية الأميركية وبيانات الاقتصاد الكلي لتكون المحرك الرئيس للأسعار

ولهذا يرى عدد من المحللين أن تراجع الذهب الحالي يمثل تصحيحا ضمن دورة صعود أطول، مدعومة بعوامل هيكلية مثل الدين العام ومشتريات البنوك المركزية، وليس بالضرورة نهاية لهذا الاتجاه، مع التأكيد أن العلاقة بين عبء الدين وأسعار الذهب هي علاقة طويلة الأجل وليست آلية ميكانيكية تضمن توقيتا معينا لارتفاع الأسعار.

ما تشهده الأسواق اليوم لا يبدو نهاية لدورة الذهب، بقدر ما يعكس انتقال مركز الثقل من سوق هيمنت عليها علاوة المخاطر الجيوسياسية إلى سوق عادت فيها السياسة النقدية الأميركية وبيانات الاقتصاد الكلي لتكون المحرك الرئيس للأسعار.

ومع ذلك، تبقى المخاطر الجيوسياسية عاملا كامنا يمكن أن يستعيد تأثيره سريعا إذا تعثرت تفاهمات خفض التصعيد أو شهدت المنطقة موجة جديدة من التوتر، وهو احتمال لا تزال الأسواق تأخذه في الحسبان.

من يملك القرار الآن؟

لم يعد السؤال ما إذا كانت الحرب ترفع الذهب أو السلام يخفضه، بل أي العوامل أصبحت الأكثر تأثيرا في تسعير المعدن النفيس في كل مرحلة. فإذا كانت الأشهر الماضية قد منحت المخاطر الجيوسياسية الدور الأبرز في توجيه الأسعار، فإن المرحلة الحالية تشير إلى أن السياسة النقدية الأميركية وبيانات الاقتصاد الكلي استعادتا موقعهما كمحركين رئيسين لتحركات الذهب، متقدمتين على أثر التفاهمات السياسية في المدى القصير.

وقد تجلى ذلك في ارتداد الذهب عقب صدور تقرير الوظائف الأميركي الضعيف، الذي أعاد تشكيل توقعات أسعار الفائدة، أكثر مما كان نتيجة لأي تطور ديبلوماسي جديد.

رويترز
سبائك وعملات ذهبية داخل غرفة صناديق الإيداع الآمنة في دار الذهب برو أوروم (Pro Aurum) بمدينة ميونيخ الألمانية، 14 أغسطس/آب 2019

ومع ذلك، فإن الصورة تبدو أكثر تعقيدا من مجرد تراجع مؤقت في الأسعار. فاستمرار مشتريات البنوك المركزية عند مستويات تفوق متوسط السنوات الخمس الأخيرة، وارتفاع مستويات الدين العالمي، ووجود مئات الأطنان من الذهب المحتفظ به عبر صناديق المؤشرات المتداولة عند مستويات دون متوسط تكلفة الشراء، وهو ما قد يدفع بعض المستثمرين إلى البيع عند التعافي، إضافة إلى هشاشة التفاهمات السياسية التي لم تُختبر بعد أمام أزمة جديدة، كلها عوامل تشير إلى أن الذهب ربما فقد جزءا من علاوة المخاطر الجيوسياسية. إلا أنه لم يفقد مكانته كأصل استراتيجي في النظام المالي العالمي.

فالذهب لم يتخلَّ عن دوره كملاذ آمن، لكنه لم يعد يستأثر بالاهتمام الذي حظي به خلال ذروة التصعيد. وعادت السياسة النقدية الأميركية، وبيانات الاقتصاد الكلي، وتوقعات أسعار الفائدة لتتقاسم قيادة تحركاته مع التطورات الجيوسياسية. وبين احتمال تصعيد جديد واحتمال تغير مسار الفائدة، تتحدد حركة الذهب اليوم وفق مزيج من العوامل، لا وفق متغير واحد. وما تغيّر ليس مكانة الذهب، بل توازن القوى بين المحركات التي تسعّر المعدن النفيس من مرحلة إلى أخرى.

font change

مقالات ذات صلة