إيران تبدأ حصد مكاسب "مذكرة التفاهم" مبكرا

واشنطن وطهران في صراع حول "مذكرة سوء تفاهم"

(أ.ف.ب)
(أ.ف.ب)
قوارب راسية قبالة شبه جزيرة مسندم العُمانية قرب مضيق هرمز، 27 يونيو 2026

إيران تبدأ حصد مكاسب "مذكرة التفاهم" مبكرا

بعد أسبوعين من توقيع الولايات المتحدة وإيران مذكرة التفاهم الرامية إلى إنهاء القتال النشط في أحدث حروب الشرق الأوسط، فإن السؤال المنطقي هو: إلى أين تمضي الأمور؟

الإجابة، ببساطة، أنها لا تمضي على نحو جيد، فقد حصدت إيران بالفعل خلال هذا الصيف تخفيفا للعقوبات أنعش صادراتها النفطية، وتلقت تعهدات أميركية خطية بالإفراج عن مليارات الدولارات من أرصدتها المجمدة، وفي حين لم يعد مضيق هرمز مغلقا بالكامل كما كان في الربيع الماضي، فإنه لم يفتح بواباته كليا بعد، رغم أن هذا الانفتاح كان جوهر مذكرة التفاهم وغايتها الأولى، وفي المقابل، أخذت أوراق الضغط الأميركية تتبدد تدريجيا، تماما كما تآكل مخزونها من الذخائر.

لنأخذ مضيق هرمز مثالا، فقد انتعشت حركة الملاحة فيه نسبيا، لكنها لا تزال دون مستويات ما قبل الحرب، حين كان أكثر من 100 سفينة يعبر هذا الممر يوميا، وخلال الأسبوع الماضي، بلغ عدد السفن الداخلة والخارجة نحو 40 سفينة في اليوم، في قفزة واضحة مقارنة بأشهر الإغلاق التي فرضتها الحرب، حين شُلت الحركة بالكامل ولم تكن أي سفينة تجرؤ على العبور، والأهم من ذلك أن مزيدا من السفن والناقلات بات يعبر الآن وأجهزة الإرسال والاستقبال لديه تعمل علنا، في تحد للتهديدات الإيرانية، فيما تواصل أسعار النفط القياسية تراجعها حتى هبطت إلى نحو 70 دولارا للبرميل.

لكن في المقابل، كان جزء كبير من تلك الناقلات إيرانيا، فقد صرح رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف يوم الثلاثاء بأن إيران صدرت 40 مليون برميل من النفط منذ توقيع مذكرة التفاهم، وهو رقم يعادل، إن صح، نحو ثلاثة ملايين برميل يوميا، وهذا مستوى يتجاوز صادراتها قبل الحرب، لكنه ممكن، لأن جزءا كبيرا من هذه الكميات جاء من "المخزونات العائمة"، أي النفط المخزن على متن ناقلات راسية، وفي المحصلة، تواصل طهران جني الأموال وإنعاش خزائنها، ولكن ضمن حدود معينة.

(أسوشييتد برس)
لقطة من التلفزيون الإيراني الرسمي تظهر سفينة جنحت في مضيق هرمز، 1 يوليو 2026

غير أن تخفيف العقوبات الأميركية على صادرات النفط الإيرانية محكوم بسقف زمني محدد، إذ تنتهي صلاحية الرخصة العامة "إكس" في أواخر أغسطس/آب المقبل، كما أن معظم الدول والبنوك وشركات التكرير لا تزال تتحفظ على التعامل مع كيانات خاضعة للعقوبات، إلى أن تتأكد تماما من مشروعية هذا النشاط التجاري، لذلك تجد إيران نفسها، في الوقت الراهن، مضطرة إلى تكثيف تدفق صادراتها نحو زبونها المعتاد، أي الصين.

لم يعد مضيق هرمز مغلقا بالكامل كما كان في الربيع الماضي، لكنه لم يفتح بواباته كليا بعد

وتعود جذور الأزمات التي بدأت تطفو على سطح العلاقات الأميركية الإيرانية إلى مذكرة التفاهم ذات النقاط الأربع عشرة، التي أثقلت كاهل الولايات المتحدة بالتزامات واسعة، في مقابل تعهدات إيرانية هزيلة، ففي حين نالت طهران تخفيفا للعقوبات، وتيسيرا للوصول إلى أرصدتها المجمدة، وتعهدا بالسيطرة اللاحقة على مضيق هرمز، ووعودا بمليارات الدولارات لإعادة الإعمار في حال إبرام اتفاق نهائي، لم تقدم إيران في المقابل، فعليا، أي التزام حقيقي يذكر.

وعلق مياد مالكي، خبير العقوبات في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، وهي مركز أبحاث في واشنطن يتبنى نهجا صارما تجاه طهران، قائلا: "لقد صيغ النص بطريقة دفعتني إلى وصفه بأنه مذكرة سوء تفاهم".

وأضاف مالكي، الذي تولى إدارة ملف العقوبات لنحو عقد في "الخزانة الأميركية": "هذا هو الأسلوب الإيراني المعتاد، فهم يعرفون بدقة ما يريدونه في ملفات مثل تخفيف العقوبات، بينما يتركون التزاماتهم المرحلية غامضة للغاية، فالنظام الإيراني لا يتفاوض أبدا لحل الأزمات، بل لإدارة الضغوط".

(أ.ف.ب)
رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف يصافح قائد الجيش الباكستاني عاصم منير في طهران، 16 أبريل 2026

ويتجلى ذلك في المحادثات غير المباشرة التي جرت هذا الأسبوع في الدوحة بين الولايات المتحدة وإيران، فمن وجهة النظر الأميركية، كان يفترض أن تبدأ هذه المحادثات في تناول جوهر المسألة النووية الإيرانية، لكنها ظلت، بناء على طلب طهران، عالقة عند حدود تنفيذ تفاهم جرى التوصل إليه الشهر الماضي، ويصر مسؤولون إيرانيون، مثل قاليباف، على أن تفي الولايات المتحدة أولا بالشروط الخطية الواردة في مذكرة التفاهم، قبل الانتقال إلى محادثات أكثر جدية.

لقد صيغ نص الاتفاق بطريقة دفعتني إلى وصفه بأنه "مذكرة سوء تفاهم"

مياد مالكي، مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات

ولننظر إلى المشهد من مسافة أوسع، لقد استنزفت الولايات المتحدة جزءا هائلا من ترسانتها، من القنابل الموجهة بدقة وصواريخ توماهوك إلى منظومات الاعتراض المتقدمة مثل باتريوت، في حملتها العسكرية "الغضب الملحمي" التي استمرت أسابيع، والنتيجة أنها وجدت نفسها أمام وضع تعتقد فيه إيران أنها باتت تمسك بزمام أحد أهم الممرات المائية في العالم، بل قد تكون ممسكة به فعلا، في حين ضمنت في الوقت نفسه تخفيف العقوبات وتدفق مليارات الدولارات كجرعة إنعاش لاقتصادها.

ورغم أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لا يزال يدرس فكرة استئناف الحرب مع إيران، فإن كثيرين لا يأخذون هذا الاحتمال على محمل الجد، بعدما بدا أن الخيار العسكري لم يحقق سوى مكاسب محدودة، باستثناء رفع أسعار الوقود، ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي الأميركية أكثر فأكثر، ومن أجل سلام مؤقت، قدم ترمب لإيران كل الحوافز من دون أي أدوات ردع، بل إنه قدم التزامات مستقبلية أيضا، إذ تلزم مذكرة التفاهم الولايات المتحدة، عمليا، بالامتناع عن فرض أي عقوبات جديدة على طهران في المستقبل.

وقال مالكي: "ما تبقى لنا من أوراق ضغط لا يتجاوز التهديد بإعادة فرض الحصار"، مشيرا إلى الخسائر الفادحة التي ألحقها الحظر البحري الأميركي الشامل بالاقتصاد الإيراني، وهي خسائر أقرت بها طهران نفسها، وأضاف: "أشعر، إلى حد ما، أننا تنازلنا عن نفوذنا بلا مقابل ملموس، ولا حتى ضمان فتح مضيق هرمز".

(أ.ف.ب)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يصافح أحد أفراد طاقم طائرة نقل عسكرية في المنامة بعد جولة خليجية، 25 يونيو 2026

ويشير مالكي إلى أنه حتى لو تراخت إدارة بايدن أحيانا في تطبيق العقوبات على إيران، كما حدث في ملف ناقلات الظل وصادرات النفط، فإن "الرئيس السابق جو بايدن لم يتعهد قط بالامتناع عن فرض عقوبات جديدة، أما نحن فقد وافقنا على ذلك، وبذلك انتزع الإيرانيون من أيدينا ورقة نفوذ بالغة الأهمية".

قدم ترمب لإيران كل الحوافز من دون أي أدوات ردع، بل إنه قدم التزامات مستقبلية أيضا

أما السؤال الأكثر إلحاحا اليوم فيتمحور حول مستقبل مضيق هرمز، فمنذ أشهر، تؤكد طهران أنها لا تنوي العودة إلى الوضع الذي كان سائدا قبل الحرب، وطرحت أفكارا مثل فرض رسوم مرور أو رسوم خدمات، إلى جانب أشكال مختلفة من التدخل في حرية الملاحة، والآن، تشير التقارير إلى انفتاح عُمان على صيغة ما لاعتماد نظام يقوم على الدفع مقابل العبور في الخليج.

لكن من الضروري التمييز بين الخطاب الإيراني وما قد يفرضه الواقع لاحقا، فمع أن إيران وعمان تسيطران اليوم على مضيق هرمز، بالتنسيق مع القيادة المركزية الأميركية، فإن الغد قد يحمل مشهدا مختلفا، فإيران لا تملك كثيرا من الأصدقاء، ومن تبقى لها منهم إما يعيشون على ضفاف المضيق أو يعتمدون عليه اعتمادا حيويا.

(رويترز)
سفن تعبر مضيق هرمز كما ترى من محافظة مسندم العُمانية، 18 يونيو 2026

وقال مالكي: "لا تستطيع إيران أن تنقلب على الحلفاء القلائل الذين بقوا لها، عليها أن تعيد الأمور إلى نصابها، ولذلك سيتعين عليها إعادة النظر فيما تفعله في المضيق".

وبمجرد أن يتراجع الاهتمام الأميركي بالشرق الأوسط، "ستسعى طهران إلى ترميم علاقاتها مع حلفائها الخليجيين والصينيين، ولن يكون ذلك ممكنا إلا بإعادة حرية الملاحة عبر المضيق".

font change

مقالات ذات صلة