250 عاما من أميركا... و80 عاما من التأثير في الاقتصادات العربية

كيف صاغت السياسات الأميركية والتحولات الاقتصادية مسار المنطقة العربية؟

أ.ف.ب
أ.ف.ب
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتوسط قادة ومسؤولين خليجيين خلال قمة مجلس التعاون الخليجي في الرياض، 14 مايو 2025

250 عاما من أميركا... و80 عاما من التأثير في الاقتصادات العربية

في 4 يوليو/تموز 2026، تحتفل الولايات المتحدة بالذكرى الـ250 لتأسيسها، وهي مناسبة تستحضر بدايات الدولة التي أصبحت القوة الاقتصادية والسياسية الأبرز في العالم الحديث. خلال العقود الثمانية الماضية، لعبت الولايات المتحدة دورا محوريا في رسم ملامح النظام الاقتصادي العالمي، مما انعكس بعمق على مسار الاقتصادات العربية، من هيمنة النفط والدولار، إلى العولمة والثورة الرقمية، وصولا إلى التحولات الاستثمارية الراهنة.

لم تكن هذه العلاقة أحادية الاتجاه. فقد أسهمت الاقتصادات العربية، ولا سيما الخليجية، في ترسيخ مكانة الدولار والأسواق المالية الأميركية عبر إعادة تدوير جزء كبير من فوائضها النفطية في الأصول الأميركية، بينما انعكست التحولات الاقتصادية والسياسات النقدية والمالية في الولايات المتحدة على بنية الاقتصادات العربية، وأنماط الاستهلاك والاستثمار، وتوجهات السياسات الاقتصادية فيها.

أسس البترودولار

يمكن اختزال أثر الولايات المتحدة الأميركية ودورها في اقتصادات الخليج منذ الحرب العالمية الثانية في أربع مراحل رئيسة هي أسس البترودولار، وعصر العولمة، والربيع الرقمي، والتحول من الاعتماد إلى الشراكة.

تعود جذور العلاقة الاقتصادية الاستراتيجية بين الولايات المتحدة والعالم العربي، ولا سيما دول الخليج، إلى مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية. ففي 14 فبراير/شباط 1945، التقى الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت بالملك عبد العزيز آل سعود على متن الطراد الأميركي "يو أس أس كوينسي" (USS Quincy) في البحيرات المرة بقناة السويس، وفقا لمكتب المؤرخ التابع لوزارة الخارجية الأميركية (Office of the Historian). ويُنظر إلى هذا اللقاء بوصفه نقطة الانطلاق للتحالف الاستراتيجي بين البلدين، على الرغم من أنه لم يسفر عن توقيع معاهدة رسمية مكتوبة.

تعود جذور العلاقة الاقتصادية الاستراتيجية بين الولايات المتحدة والعالم العربي، ولا سيما دول الخليج، إلى مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية

وتعززت هذه العلاقة بعد قرار الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون في أغسطس/آب 1971 تعليق قابلية تحويل الدولار إلى الذهب، وهو ما عجّل في انهيار نظام "بريتون وودز". وفي ظل الحاجة إلى ترسيخ الطلب العالمي على الدولار، برزت الترتيبات النفطية مع السعودية خلال السبعينيات، التي كرّست تسعير النفط بالدولار وأسهمت في ترسيخ مكانته كعملة الاحتياط العالمية.

وفي عامي 1973 و1974، أدى حظر تصدير النفط العربي خلال حرب أكتوبر/تشرين الأول إلى اندلاع أول صدمة نفطية عالمية، وما تسببت به من ارتفاع أسعار النفط العالمية من نحو 3 دولارات إلى أكثر من 12 دولارا للبرميل، وفق بيانات تاريخية صادرة عن البنك الدولي ووكالة معلومات الطاقة الأميركية (EIA) .

أ.ف.ب
رئيس الوفد العراقي محمد سلمان (وسط) خلال اجتماع كبار منتجي النفط الخمسة في العالم (السعودية، وفنزويلا، والكويت، وإيران، والعراق) في بغداد، 10 سبتمبر 1960

وأعقب صدمة النفط الأولى عام 1974 سلسلة من الترتيبات المالية والاقتصادية والأمنية بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية، شملت آليات لإعادة استثمار جزء كبير من الفوائض النفطية السعودية في الأصول الأميركية، في إطار ما عُرف لاحقا بإعادة تدوير البترودولار (Petrodollar Recycling). وقد كشفت عن جوانب من هذه الترتيبات وثائق أميركية رُفعت عنها السرية، كما تناولتها دراسات أكاديمية، من أبرزها أعمال الباحث ديفيد سبيرو. وأسهمت هذه الترتيبات في ترسيخ هيمنة الدولار على تجارة النفط العالمية، من خلال إعادة استثمار جزء كبير من الفوائض النفطية السعودية في سندات الخزانة الأميركية والأصول المالية، بالتوازي مع تعميق التعاون الأمني والعسكري بين البلدين. 

مصطلح "البترودولار"، الذي يُنسب على نطاق واسع إلى الاقتصادي المصري الأميركي إبراهيم عويس، أستاذ الاقتصاد في جامعة جورجتاون، والذي صاغه عام 1973، أصبح يُستخدم لوصف الدولارات المتأتية من صادرات النفط، ثم ارتبط لاحقا بالنظام الذي عزز الطلب العالمي على الدولار وأسهم في ترسيخ مكانته كعملة الاحتياط الرئيسة في العالم. 

وأدى ذلك إلى تحولات اقتصادية عميقة في الخليج، إذ وفرت الإيرادات النفطية الضخمة موارد لبناء البنية التحتية الحديثة وتوسيع دولة الرفاه، لكنها رسخت أيضا ارتباط العملات الخليجية بالدولار والنظام المالي الأميركي. وفي المقابل، واجهت الدول العربية المستوردة للنفط ضغوطا تضخمية وأزمات مديونية متكررة.

أصبح مصطلح "البترودولار" يُستخدم لوصف الدولارات المتأتية من صادرات النفط، ثم ارتبط لاحقا بالنظام الذي عزز الطلب العالمي على الدولار وأسهم في ترسيخ مكانته كعملة الاحتياط الرئيسة في العالم

لم تقتصر ترتيبات ما بعد أزمة النفط على الجانب المالي، بل شملت أيضا توسعا في التعاون الدفاعي. فمنذ سبعينيات القرن الماضي، أصبحت دول الخليج من أكبر مستوردي الأسلحة الأميركية في العالم. ووفق وكالة التعاون الأمني الدفاعي الأميركية (DSCA)، تُعد الولايات المتحدة أكبر مورّد للمعدات والخدمات الدفاعية إلى السعودية، فيما تظل المؤسسة الدفاعية السعودية أكبر عميل منفرد لبرنامج المبيعات العسكرية الخارجية الأميركي (FMS)، إذ تتجاوز قيمة صفقات البرنامج النشطة معها 140 مليار دولار. وترتكز هذه الشراكة على المصلحة المشتركة للطرفين في الحفاظ على أمن منطقة الخليج وردع أي قوة إقليمية أو خارجية قد تهدد استقرارها.  

أ.ف.ب
صورة أرشيفية غير مؤرخة لناقلة نفط تابعة لشركة النفط الأميركية "إكسون"، راسية في الإمارات العربية المتحدة

كما تُظهر بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI) أن الولايات المتحدة حافظت خلال العقود الأخيرة على موقعها بوصفها المورد الرئيس للأسلحة إلى معظم دول مجلس التعاون الخليجي، بما فيها السعودية وقطر والكويت والبحرين والإمارات.

وتشير أحدث بيانات المعهد للفترة 2020-2024 إلى أن الولايات المتحدة كانت المصدر الأول للأسلحة إلى السعودية (74 في المئة من وارداتها)، والكويت (63 في المئة)، والبحرين (97 في المئة)، وقطر (48 في المئة)، والإمارات (42 في المئة).

عصر العولمة والانفتاح 

مع مطلع الثمانينيات، وتسارع وتيرة العولمة خلال التسعينيات، انتقل التأثير الأميركي في الاقتصادات العربية إلى مرحلة جديدة اتسمت بتعزيز تحرير التجارة وتكامل الأسواق. فقد دفعت أزمة الديون عددا من الدول العربية، من بينها المغرب وتونس والأردن ومصر، إلى تبني برامج للتثبيت الاقتصادي والتكيف الهيكلي بدعم من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي.

وقد عكست هذه البرامج المبادئ التي عُرفت لاحقا باسم "توافق واشنطن" (Washington Consensus)، وهو مصطلح صاغه الاقتصادي جون ويليامسون عام 1989 لوصف حزمة من السياسات الاقتصادية شملت تحرير الأسواق، وخصخصة المؤسسات العامة، والانضباط المالي، وتحرير التجارة، وتشجيع الاستثمار الأجنبي. 

وعلى الرغم من أن برامج التكيف الهيكلي أسهمت في استعادة الاستقرار الاقتصادي الكلي، وخفض عجز الموازنات، وتحسين موازين المدفوعات في عدد من الدول، فإن البنك الدولي وصندوق النقد الدولي أقرا بأن الإصلاحات صاحبتها في بعض الحالات تكاليف اجتماعية وانتقالية، شملت ارتفاعا مؤقتا في البطالة واتساعا في معدلات الفقر، مما استدعى تعزيز شبكات الأمان الاجتماعي.

كما أظهرت دراسات عن مصر والأردن أن نتائج الإصلاحات اختلفت باختلاف سرعة التنفيذ، وقدرة المؤسسات، والظروف الاقتصادية والسياسية في كل دولة. 

حافظت الولايات المتحدة على موقعها كمورد السلاح الرئيس لمعظم دول الخليج خلال الفترة 2020-2024، مستحوذة على 74 في المئة من واردات السعودية، و63 في المئة من الكويت، و97 في المئة من البحرين، و 48 في المئة من قطر، و42 في المئة من الإمارات

لم يقتصر التأثير الأميركي على السياسات الاقتصادية، بل امتد إلى المجال التعليمي والمعرفي. فمنذ منتصف القرن التاسع عشر، أسهمت الجامعات الأميركية، سواء داخل الولايات المتحدة أو من خلال مؤسساتها التعليمية في المنطقة، في إعداد أجيال من المسؤولين والاقتصاديين ورجال الأعمال العرب.

أ.ف.ب
المفتش العام للقوات المسلحة الملكية المغربية وقائد القيادة الأميركية في أفريقيا (أفريكوم)، الجنرال مايكل لانغلي (يمين)، خلال مناورات "الأسد الأفريقي 2024" العسكرية المغربية-الأميركية

فعلى سبيل المثل، تضم الجامعة الأميركية في بيروت (AUB)، التي تأسست عام 1866 وفق نموذج التعليم الأميركي، أكثر من 82 ألف متخرج يعيشون في أكثر من 135 دولة، ويشغل كثير منهم مناصب قيادية في الحكومات والقطاع الخاص والمنظمات الدولية. كما استقطبت الجامعات الأميركية داخل الولايات المتحدة على مدى العقود الماضية عشرات الآلاف من الطلبة العرب، مما عزز انتقال مفاهيم الإدارة الحديثة والتمويل وريادة الأعمال إلى المنطقة. وفي العام الدراسي 2024-2025، استقطبت الولايات المتحدة أكثر من 12,700 طالب سعودي، وأكثر من 5,000 طالب كويتي، وأكثر من 2,700 طالب أردني و 1,800 طالب لبناني.

الربيع الرقمي الأميركي

مع مطلع الألفية الجديدة، أحدثت شركات التكنولوجيا الأميركية الكبرى، مثل "غوغل" و"أمازون" و"مايكروسوفت" و"آبل" و"ميتا"، تحولا جذريا في الاقتصاد حول العالم، ولم يكن العالم العربي بعيدا من هذا التحوّل الكبير،، من خلال انتشار الإنترنت والهواتف الذكية والتجارة الإلكترونية والخدمات الرقمية والعمل عن بعد.

وفي السنوات الأخيرة، عززت هذه الشركات حضورها في المنطقة عبر إنشاء مراكز بيانات ومناطق سحابية في السعودية والإمارات، في إطار برامج التحول الرقمي الوطنية. وتشير تقديرات بنك "يو بي أس" (UBS) السويسري إلى أن الاقتصاد الرقمي في الشرق الأوسط مرشح للنمو من نحو 180 مليار دولار في عام 2022 إلى نحو 780 مليار دولار في حلول عام 2030، بمعدل نمو سنوي يقارب 20 في المئة، لترتفع مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي للمنطقة من 4.1 في المئة إلى 13.4 في المئة. 

وفي المقابل، أثار هذا التوسع تحديات تتعلق بحوكمة البيانات والخصوصية والتنظيم، في ظل الاعتماد المتزايد على منصات وخدمات رقمية أجنبية، مع استفادة الشركات الناشئة والشباب العربي من فرص غير مسبوقة في مجالات الابتكار والتجارة الإلكترونية.

تشير تقديرات بنك "يو بي أس" السويسري إلى أن الاقتصاد الرقمي في الشرق الأوسط مرشح للنمو من نحو 180 مليار دولار في عام 2022 إلى نحو 780 مليار دولار في حلول عام 2030

ولم يقتصر النفوذ الأميركي على البنية التحتية الرقمية، بل امتد إلى الفضاء الإلكتروني اليومي للمستخدم العربي.

فوفق بيانات "ستات كاونتر غلوبال ستاتس" (StatCounter Global Stats)، لا تزال "غوغل" تستحوذ على الحصة الكبرى من سوق محركات البحث في معظم الدول العربية، إذ تتجاوز حصتها 90 في المئة، وتصل في عدد منها إلى أكثر من 95 في المئة. كما تواصل منصات "ميتا"، وفي مقدمتها "فيسبوك" و"إنستغرام" و"واتساب"، استقطاب مئات الملايين من المستخدمين في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فيما أصبحت خدمات الحوسبة السحابية التي تقدمها "آي دبليو أس" (Amazon Web Services AWS) و"مايكروسوفت أزور" (Microsoft Azure) و"غوغل كلاود" (Google Cloud) من أبرز ركائز البنية الرقمية التي تعتمد عليها الحكومات والشركات في المنطقة. 

رويترز
أحد مراكز الأبحاث التابعة لشركة "غوغل" في ماونتن فيو بولاية كاليفورنيا الأميركية، 13 مايو 2025

ويعكس ذلك انتقال مركز الثقل في النفوذ الاقتصادي الأميركي من التحكم في تدفقات الطاقة ورؤوس الأموال إلى التأثير في تدفقات البيانات والمعرفة والاقتصاد الرقمي.

من الاعتماد إلى الشراكة

خلال العقدين الأخيرين، تطورت العلاقة الاقتصادية بين الولايات المتحدة ودول الخليج من علاقة تعتمد بصورة رئيسة على النفط إلى شراكة استثمارية واسعة.

فقد ارتفعت أصول صندوق الاستثمارات العامة السعودي (PIF) إلى ما يزيد على تريليون دولار، لتبلغ نحو 1.21 تريليون دولار وفق تقديرات"غلوبال أس دبليو أف" ( Global SWF) لعام 2025. كما تُقدَّر الأصول التي تديرها الصناديق السيادية الخليجية مجتمعة نحو 6 تريليونات دولار، وهو ما يمثل أكثر من 40 في المئة من إجمالي أصول الصناديق السيادية العالمية، بحسب بيانات "غلوبال أس دبليو أف" وتقديرات مؤسسات بحثية دولية.

ويُستثمر جزء كبير من أصول الصناديق السيادية الخليجية في الولايات المتحدة، التي تُعد أكبر وجهة خارجية لاستثماراتها. وتشير تقديرات إلى أن قيمة الأصول الخليجية المستثمرة في السوق الأميركية تبلغ نحو تريليوني دولار، أي ما يزيد على ثلث إجمالي أصولها.

وتشمل هذه الاستثمارات قطاعات الذكاء الاصطناعي، والبنية التحتية، والطاقة، وأشباه الموصلات، والتكنولوجيا المتقدمة، في إطار استراتيجيات التنويع الاقتصادي التي تتبناها دول الخليج، وفي مقدمها رؤية السعودية 2030.

وبالنسبة إلى صندوق الاستثمارات العامة السعودي تحديدا، تؤكد بيانات الصندوق أن الولايات المتحدة هي أكبر شريك استثماري له خارج السعودية، وأنه استثمر نحو 170 مليار دولار في الولايات المتحدة منذ عام 2017، موزعة على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والبنية التحتية والطيران والطاقة وغيرها. 

تبلغ قيمة الأصول الخليجية المستثمرة في السوق الأميركية نحو تريليوني دولار، أي ما يزيد على ثلث إجمالي أصولها

وإلى جانب الاستثمارات السيادية، أسهمت الجاليات العربية والطلاب ورجال الأعمال العرب في الولايات المتحدة في بناء شبكة واسعة من العلاقات الاقتصادية والمعرفية، من خلال الاستثمارات الخاصة، والتحويلات المالية، وتبادل الخبرات، بما جعل العلاقة الاقتصادية تتجاوز الإطار الحكومي إلى شراكة مجتمعية وتجارية أوسع.

ماذا عن المستقبل؟

ومع صعود الصين قوة اقتصادية عالمية، يواجه النظام الاقتصادي الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة تحديات متزايدة، في ظل توسع النفوذ التجاري والاستثماري الصيني. وتسعى بكين، عبر "مبادرة الحزام والطريق" التي أطلقتها عام 2013، إلى تعزيز الربط التجاري وتمويل مشاريع البنية التحتية وتوسيع الشراكات الاستثمارية مع الدول المشاركة، بما في ذلك العديد من الدول العربية، وهو ما وفر لهذه الدول خيارات أوسع في مجالات التجارة والاستثمار والبنية التحتية. 

رويترز
محافظ صندوق الاستثمارات العامة السعودي، ياسر الرميان، يحضر فعاليات مبادرة مستقبل الاستثمار (FII) في الرياض، المملكة العربية السعودية، 29 أكتوبر 2024

وفي الوقت نفسه، تثير النقاشات المتزايدة حول "إزالة الدولرة" تساؤلات في شأن مستقبل النظام النقدي العالمي، في ظل محاولات بعض الدول توسيع استخدام العملات المحلية في المبادلات التجارية، بما في ذلك تجارة الطاقة. وتشير دراسة صادرة عام 2025 عن "مركز السياسات من أجل الجنوب الجديد" (Policy Center for the New South) ، استنادا إلى بيانات صندوق النقد إلى أن حصة الدولار انخفضت في الاحتياطيات الرسمية العالمية من 71 في المئة عام 1999 إلى 57.3 في المئة في نهاية 2024، مع استمرار هيمنته على التجارة والتمويل الدوليين.

وفي المقابل، قد تؤدي سياسات إعادة التصنيع الأميركية، إلى جانب استمرار استخدام الرسوم الجمركية والتدابير التجارية الحمائية، على الرغم من التفاهمات الأخيرة بين واشنطن وبكين، إلى إعادة رسم خريطة سلاسل الإمداد العالمية. وقد يرفع ذلك تكاليف بعض الواردات بالنسبة للاقتصادات العربية، لكنه يفتح في الوقت نفسه فرصا أمام دول المنطقة لاستقطاب استثمارات جديدة، وتعزيز دورها كمراكز لوجستية وصناعية، والاستفادة من إعادة توزيع سلاسل التوريد العالمية. 

ومن المرجح أن تحافظ الولايات المتحدة على تفوقها في مجالات التكنولوجيا والابتكار والأسواق المالية خلال المستقبل المنظور، في حين ستسعى الاقتصادات العربية إلى تنويع شراكاتها الدولية لتحقيق قدر أكبر من التوازن الاقتصادي.

مما لا شك فيه أن استمرار النفوذ الاقتصادي الأميركي سيعتمد على قدرته على التكيف مع المنافسة الصينية والتحولات الجيوسياسية والتكنولوجية المتسارعة، بينما يبقى أمام الاقتصادات العربية تحدي بناء شراكات أكثر توازنا، وتعزيز الابتكار المحلي، وتنويع مصادر النمو، بما يحقق تنمية أكثر استدامة واستقلالية.

font change

مقالات ذات صلة