الاقتصاد العالمي على حافة عودة الحرب... هدنة أم استراحة ما قبل العاصفة؟

انتعاش حذر في الأسواق يقابله قلق عميق من عودة التصعيد وتأثيره على النمو والتضخم العالمي

جوليان باولسين
جوليان باولسين

الاقتصاد العالمي على حافة عودة الحرب... هدنة أم استراحة ما قبل العاصفة؟

فور إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين فجر الأربعاء 8 أبريل/نيسان، تبدل مزاج الأسواق العالمية بسرعة لافتة وتنفست الصعداء، منتقلة من حالة توتر حاد إلى موجة "ارتياح" واسعة. جاء تراجع ترمب قبيل انتهاء المهلة التي حددها لإيران لإعادة فتح مضيق هرمز، ملوحا بهجمات واسعة على البنية التحتية المدنية في حال عدم الامتثال. وعلى منصاته الاجتماعية، أعلن: "إنه وقف إطلاق نار مزدوج!"، بعدما كان قد كتب في وقت سابق من اليوم نفسه أن "حضارة بأكملها ستموت الليلة" إذا لم تُلبَّ مطالبه.

كيف تفاعلت أسعار النفط وأسواق المال؟

تراجعت أسعار النفط بشكل حاد بعدما كانت تسعّر وفق سيناريوهات حرب طويلة، إذ هبط خام برنت إلى ما دون 100 دولار، مقتربا من مستويات أقل من 95 دولارا في بعض الجلسات، مع تسجيل انخفاضات يومية كبيرة عكست انحسار علاوة الأخطار الجيوسياسية.

في المقابل، انتعشت الأصول الخطرة، فصعدت الأسهم العالمية والأسواق الناشئة، كذلك، تراجعت أسعار السلع، إذ انخفضت عقود القمح والذرة. بينما بدأت تتراجع الملاذات الآمنة تدريجيا. خليجيا، ارتفع مؤشر "تاسي" السعودي 1.9 في المئة. وارتفع المؤشر العام في سوق دبي المالي بنسبة تصل إلى 8.5 في المئة، وحقق المؤشر العام لسوق أبوظبي للأوراق المالية (ADX) مكاسب بلغت 3.5 في المئة، بأعلى وتيرة يومية منذ مارس/آذار 2024.

تراجعت أسعار النفط بشكل حاد بعدما كانت تسعّر سيناريوهات التعطل الطويل، إذ هبط خام برنت إلى ما دون 100 دولار

لكن لا يمكن اعتبار هذا التحول السريع تصحيحا نهائيا بل رد فعل مرحب إنما حذر، إذ سيتطلب التعافي من آثار الحرب مدة تتراوح بين ثلاثة وستة أشهر بحسب الخبراء، مع العلم أن بعض القطاعات مثل اللوجستيات ستشهد تعافيا أسرع من غيرها مثل منشآت الطاقة المتضررة.

هرمز مفتاح اقتصاد العالم وورقة الضغط الرابحة

لم تكن صدمة الثامن والعشرين من فبراير/شباط 2026 مواجهة عسكرية مباغتة، بل كانت زلزالا ضرب أركان الاقتصاد العالمي من باب الطاقة أولا. فتحول إغلاق مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو 20-22 مليون برميل يوميا من تهديد جيوسياسي إلى "سكتة قلبية" أصابت تدفقات الطاقة العالمية. وخفضت التدفقات اليومية بنحو 8–12 مليون برميل.

أ.ف.ب.
ناقلات تحمل بضائع متوقفة بالقرب من مضيق هرمز، قبالة ميناء الفجيرة، الإمارات25 فبراير 2026

ورفعت هذه "الصدمة الاقتصادية الكبرى" أسعار الطاقة بشكل كبير، فلامس سعر البرميل 120 دولارا خلال مارس/آذار، قبل أن يتراجع إلى ما دون 100 دولار في 1 أبريل/نيسان، ثم يعود إلى نطاق 105– 110 دولارات قبل إعلان الهدنة.

وسبق لمدير وكالة الطاقة الدولية فاتح بيرول أن حذّر من أن الاضطرابات ستكون في أبريل/نيسان ضعف ما كانت عليه في مارس/آذار، في حال استمرار الحرب، ووصف الأزمة بأنها قد تقترب في شدتها من أزمة الطاقة في السبعينيات التي سببت ركودا مصحوبا بتضخم مرتفع.

والفرق الرئيس اليوم هو أن الولايات المتحدة أصبحت منتجا نفطيا كبيرا بفضل "الصخر الزيتي"، مما يخفف التأثير عليها نسبيا مقارنة بأوروبا وآسيا اللتين تعتمدان كثيرا على الاستيراد.

وتحوّل مضيق هرمز إلى ورقة ضغط في يد طهران، مع سعيها لفرض سيطرة أوسع ورسوم عبور في تحدٍّ لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار. وكرست إيران من خلال المضيق معادلة تفاوضية جعلتها طرفا لا يمكن تجاوزه في أمن الإمدادات. لم يقتصر هذا الضغط على الأسعار، بل امتد إلى سلوك المستثمرين وتسعير الأصول، مما منح طهران هامشا أوسع للمناورة ورفع سقف شروطها، وصولا إلى لحظة الهدنة.

كل زيادة بنسبة 10 في المئة في أسعار الطاقة، إذا استمرت لنحو عام، تؤدي إلى ارتفاع التضخم العالمي بنحو 40 نقطة أساس (0.4 نقطة مئوية)، إلى جانب تراجع في الناتج بنحو 0.1 إلى 0.2 في المئة

ويرى محللون أن أسعار النفط قد تبلغ 200 دولار للبرميل إذا استمرت الحرب حتى يونيو/حزيران، مع ترجيح هذا السيناريو بنسبة 40 في المئة. وقال جايسون بوردوف، المدير التنفيذي المؤسس لمركز سياسة الطاقة العالمية في جامعة كولومبيا ، إنه "لا يوجد خيار سياسي قادر على منع أسعار النفط من الارتفاع نحو 200 دولار للبرميل إذا ظل مضيق هرمز مغلقا.

مستقبل "وول ستريت" والأسواق 

من المعلوم أن الضغوط والأزمات تنعكس سريعا على أسواق المال، إذ انتقل غليان أسواق الطاقة كعدوى سريعة إلى شاشات التداول في "وول ستريت" ولندن. فانكمش "مؤشر ستاندر آند بورز 500" بنسبة 5.1 في المئة خلال مارس /آذار (أطول سلسلة خسائر أسبوعية منذ 4 سنوات). كما خسر "داو جونز" أكثر من 10 في المئة من أعلى مستوياته، وتراجع "ناسداك" بنسبة 2 في المئة. وتعرضت "مجموعة الشركات السبع الكبار" (Magnificent Seven) لخسائر بمئات المليارات في جلسة تداول واحدة. 

إلا أن الأسواق عادت وشهدت في 1 أبريل/نيسان "طوفان شراء" مدفوعا بتصريحات ترمب حول التهدئة. فانتعشت المؤشرات الآسيوية، وارتفع مؤشر "كوسبي" +8 في المئة، و"نيكي" +5.2 في المئة. أما في أوروبا، فارتفع مؤشر "ستوكس" 600 +2.5 في المئة، و"إير فرانس" +8.9 في المئة، و"لوفتهانزا" +8 في المئة. وفي أميركا، أغلق "أس آند بي 500" (S&P 500) قرب +0.7 في المئة تقريبا.

.أ.ف.ب

بعد خمسة أسابيع من اندلاع الصراع، ارتفعت احتمالات الركود بشكل ملحوظ، وأصبح الركود التضخمي، أي ارتفاع التضخم المصحوب بتباطؤ النمو أو انكماش، السيناريو الأكثر تداولا بين المحللين. ورفع "بنك غولدمان ساكس" احتمال الركود خلال الـ12 شهرا المقبلة إلى 30 في المئة، بينما يقدرها خبراء "إي واي بارثنون"، الذراع الاستشارية الاستراتيجية العالمية لشركة "إرنست ويونغ" (EY-Parthenon)  بنحو 40 في المئة. أما نماذج "موديز أناليتكس" (Moody's Analytics)، فترفع الاحتمال إلى 48.6 في المئة، وهي نسبة قريبة جدا من عتبة الـ50 في المئة التي سبقت معظم حالات الركود الأميركية في العقود الماضية.

وفي 29 مارس/آذار، أشار محللو "جي. بي. مورغان" إلى أن إغلاق المضيق لأكثر من 60 يوما سيجعل الركود العالمي مرجحا بنسبة تفوق 70 في المئة. وقال جيمي ديمون، الرئيس التنفيذي لـ"جيه بي مورغان" إن "الحرب في إيران، قد تتسبب باحتمال صدمات مستمرة في أسعار النفط والسلع، وإعادة تشكيل سلاسل التوريد العالمية، مما قد يؤدي إلى تضخم مستمر وأسعار فائدة أعلى مما تتوقعه السوق حاليا"، موضحا أن الانتشار النووي يبقى الخطر الأكبر من إيران.

شبح التضخم يهدد النمو العالمي

وترى "منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية"(OECD) أن ارتفاع أسعار الطاقة سيدفع التضخم الأميركي بنسبة 0.2 نقطة مئوية على الأقل ليصل إلى 3.1 في المئة، وقد يرتفع إلى 4.2 في المئة. وتفيد قاعدة عامة لدى صندوق النقد الدولي بأن كل زيادة بنسبة 10 في المئة في أسعار الطاقة، إذا استمرت لنحو عام، تؤدي إلى ارتفاع التضخم العالمي بنحو 40 نقطة أساس (0.4 نقطة مئوية)، إلى جانب تراجع في الناتج بنحو 0.1 إلى 0.2 في المئة. وإذا استقرت أسعار النفط فوق 100 دولار للبرميل لمدة عام، فإن ذلك سيترجم إلى تأثيرات ملموسة على التضخم والناتج الاقتصادي العالمي.

وجدت البنوك المركزية نفسها مكبلة أمام أصعب معضلة نقدية منذ عقود في مواجهة فخ "الركود التضخمي"، لتسير على حبل مشدود بين مطرقة رفع الفائدة لكبح الأسعار وسندان خفضها لإنقاذ النمو

وكشفت مؤشرات مديري المشتريات (PMI) من "مؤسسة ستاندرد آند بورز غلوبال" عن تباطؤ ملحوظ في وتيرة نمو القطاع الخاص في منطقة اليورو والمملكة المتحدة، مع تسارع الضغوط التضخمية وتراجع ثقة الشركات إلى أدنى مستوياتها منذ نحو عام. وانخفض المؤشر المركب إلى 50.5 نقطة في مارس/آذار (أدنى مستوى في 10 أشهر)، مع ارتفاع تكاليف المدخلات بأسرع وتيرة منذ فبراير/شباط 2023، وأطول تأخيرات في التسليم منذ أغسطس/آب 2022. وشهدت ألمانيا تباطؤا في نمو القطاع الخاص إلى أدنى مستوى في ثلاثة أشهر، بينما تعمقت حالة الانكماش في فرنسا.

أما في المملكةالمتحدة، فسجل نشاط الأعمال أبطأ وتيرة نمو في ستة أشهر، مع قفزة حادة في تكاليف المدخلات للمصنعين بأسرع معدل منذ عام 1992. ويعكس هذا المشهد تحولا من التعافي الهش إلى بيئة أكثر هشاشة، إذ تتداخل صدمات أسعار الطاقة وضعف الطلب، مما يعزز المخاوف من انزلاق الاقتصادات الأوروبية نحو ركود تضخمي أعمق إذا طال أمد الصراع.

البنوك المركزية تصارع بين رفع الفائدة والنمو

أمام هذا الشبح المزدوج (التضخم والركود)، وجدت البنوك المركزية نفسها مكبلة أمام أصعب معضلة نقدية منذ عقود في مواجهة "فخ الركود التضخمي"، لتسير على حبل مشدود بين مطرقة رفع الفائدة لكبح الأسعار وسندان خفضها لإنقاذ النمو.

رويترز
البنك الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن 14 نوفمبر 2025

وبحسب تقرير "بنك التسويات الدولية"، قد تضطر المصارف المركزية في آسيا وأوروبا إلى التدخل المباشر لدعم عملاتها المتهاوية أمام الدولار، مما يقلص احتياطياتها من العملات الأجنبية في وقت تحتاج فيه إلى السيولة لتأمين واردات الطاقة. وستضطر البنوك المركزية للمفاضلة بين "استقرار الأسعار" و"الاستقرار المالي"، وهو أصعب خيار نقدي.

وحذر البنك المركزي الأوروبي من ركود تقني في ألمانيا وإيطاليا، مع توقعات بارتفاع التضخم إلى 5 في المئة في بريطانيا. وقال ديميتار راديف، عضو مجلس محافظي البنك المركزي الأوروبي، إن مسار توقعات التضخم في منطقة اليورو قد يشهد تسارعا يفوق ما سُجّل سابقا، مشددا على ضرورة جاهزية البنك للتحرك سريعا نحو تشديد السياسة النقدية، بما في ذلك رفع أسعار الفائدة، إذا برزت مؤشرات الى استمرار الضغوط السعرية.

التجارة وسلاسل التوريد: خلل يتجاوز الطاقة

اضطرت ناقلات النفط وسفن الحاويات إلى الالتفاف حول طريق رأس الرجاء الصالح، مما أضاف 10 إلى 14 يوما إلى زمن الرحلات البحرية، وقفز بتكاليف الشحن بنسبة 40 في المئة ورفع أقساط التأمين ضد أخطار الحرب. نشطت محاولات تعزيز الممرات البرية عبر آسيا الوسطى وتركيا، لكن قدرتها الاستيعابية ظلت محدودة.

امتدت الأزمة إلى قطاع التكنولوجيا، إذ أدى نقص الهيليوم وارتفاع تكاليف الطاقة إلى زيادة تكلفة تشغيل وتبريد مراكز البيانات لدى شركات مثل "أمازون" و"إنيفيديا" و"تي إس إم سي"

لم تقتصر تداعيات الأزمة على النفط، بل امتدت إلى قطاعات حيوية مثل الرقائق والأدوية والأسمدة واللدائن. كما تأثرت سوق الهيليوم، إذ تمثل قطر نحو 20–25 في المئة من الإنتاج العالمي، مما يهدد سلاسل توريد أشباه الموصلات ويزيد الضغوط عليها.

وارتفعت أيضا أسعار البولي بروبيلين بنسبة 37 في المئة والألومنيوم بنسبة 10 في المئة، مما قد يؤدي على المدى الطويل إلى إعادة توطين الصناعات (Reshoring) في أوروبا. ويشكل إنتاج الخليج من الألمنيوم نحو 23 في المئة من الإمدادات العالمية خارج الصين، مما أدى إلى قفزة في الأسعار في بورصة لندن للمعادن، مع مخاوف من نقص حاد يؤثر على صناعات السيارات والطيران والبناء.

ما مصير شركات الذكاء الاصطناعي؟

امتدت الأزمة إلى قطاع التكنولوجيا، إذ أدى نقص الهيليوم وارتفاع تكاليف الطاقة إلى زيادة تكلفة تشغيل وتبريد مراكز البيانات لدى شركات مثل "أمازون" و"إنيفيديا" و"تي.إس. إم. سي.". رفع ذلك تكلفة تدريب وتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي بنسبة قد تصل إلى 40 في المئة. وهدد بتأجيل إطلاق نماذج جديدة، رابطا صدمة الطاقة مباشرة بتباطؤ الاقتصاد الرقمي، فضلا عن تراجع أسهم شركات الذكاء الاصطناعي.

رويترز

وقد تعيق صدمة الطاقة الاستثمارات التي تصل إلى 3 تريليونات دولار في قطاع الذكاء الاصطناعي بحسب "جي إل إل" خلال السنوات الخمس المقبلة. وتعرض قطاع الطيران لضغط مزدوج من ارتفاع أسعار الوقود وإغلاق المجالات الجوية، مما تسبب بتراجع في أسهم شركات مثل "يونايتد إيرلاينز" ومنيت بخسائر تخطت 5 الى 6 في المئة. وقد ارتفعت أسعار المواد الكيميائية والدهانات المشتقة من النفط بنسبة تصل إلى 30 في المئة، وتأثرت صناعات السيارات والآلات والأغذية.

تأثير الحرب على الذهب والعملات الرقمية

بعدما سجل الذهب مستويات قياسية في أواخر يناير/كانون الثاني متجاوزا حاجز 5,100 دولار للأونصة، عاد ليتراجع بشكل ملحوظ، إذ فقد نحو 14  في المئة من قيمته في أواخر مارس/آذار، في أكبر هبوط يشهده منذ نحو 17 عاما. وذلك على الرغم من تصاعد التوترات في الشرق الأوسط وارتفاع أسعار النفط وخلافا للاعتقاد الشائع بأن الذهب يرتفع تلقائيا في أوقات الأزمات الجيوسياسية. والسبب الرئيس هو ارتفاع الطلب على الدولار والسيولة. إلا أن المعدن النفيس عاد ليرتفع عقب إعلان وقف إطلاق النار وصعد بنحو 3.1 في المئة ليتجاوز 4,850 دولارا للأونصة.

عزز الصراع وضع الدولار كملاذ آمن، مرتفعا بنسبة تصل إلى 2 في المئة على حساب اليورو والين

أما في سوق العملات المشفرة، فشهدت البيتكوين تقلبات حادة خلال حرب إيران، إذ تراجعت مع تصاعد التوترات وفقدت نحو 10 في المئة من قيمتها مقارنة بذروتها في مارس/آذار، قبل أن ترتد بقوة بنحو 4 الى 5 في المئة إلى نحو 72 ألف دولار عقب إعلان وقف إطلاق النار، في تحرك يعكس حساسيتها العالية لشهية المخاطرة أكثر من كونها ملاذا آمنا تقليديا.

تأثير الحرب على العملات

عزز الصراع وضع الدولار كملاذ آمن، مرتفعا بنسبة تصل إلى 2 في المئة على حساب اليورو والين. لا يعكس ارتفاع الدولار قوة الاقتصاد الأميركي فقط، بل أيضا نقص السيولة العالمية بالدولار، ما يُعرف بـ"Dollar squeeze"، وتسارع "إلغاء الدولرة" (De-dollarization) في العقود الآسيوية. في المقابل، تراجع اليورو والين الياباني والجنيه الإسترليني تحت وطأة صدمة الطاقة والمخاوف من الركود. في الأسواق الناشئة، ضعفت عملات المستوردين الكبار مثل الروبية الهندية والوون الكوري. 

قد تُسرّع الأزمة محاولات تقليص الاعتماد على الدولار في تجارة النفط، عبر تسويات باليوان أو العملات المحلية، دون أن يعني ذلك نهاية قريبة لنظام "البترودولار".

.أ.ف.ب
أسعار مرتفعة للوقود في محطة "شل" للوقود في لوس أنجلوس، 9 مارس 2026

حافظت العملات الخليجية المرتبطة بالدولار على استقرارها الاسمي، إلا أن اقتصادات المنطقة واجهت ضغوطا غير مباشرة، مع توقعات بتباطؤ النمو إلى مستويات تتراوح بين نحو 2.6 في المئة في بعض السيناريوهات، بحسب تقديرات المؤسسات الدولية. وتدهورت قيمة الريال الإيراني بشكل حاد مع تصاعد الحرب، إذ تجاوز سعر الدولار الأميركي مستوى 1.5 مليون ريال في السوق الموازية، في تطور غير مسبوق منذ عقود. وفقدت العملة نحو 50 في المئة من قيمتها خلال ستة أشهر، وأكثر من 40 في المئة منذ اندلاع الحرب في 2025.

الرابحون: روسيا، نروج وكندا

الرابحون الرئيسيون هم منتجو النفط خارج منطقة الشرق الأوسطـ، مثل الولايات المتحدة، روسيا، نروج وكندا، بالإضافة إلى شركات الدفاع الأميركية. أما الخاسرون فهم المستوردون الكبار في أوروبا وآسيا، والمستهلكون العاديون، وشركات الطيران والصناعات الثقيلة.

ويرى محللون في "فورين بوليسي" أن الولايات المتحدة قد تستفيد كمنتج، لكن التوزيع داخلها غير متساوٍ، إذ يربح منتجو الطاقة ويخسر المستهلكون والصناعات المعتمدة على الطاقة الرخيصة.

يبقى مسار ما بعد الأزمة مرهونا باتفاق وقف إطلاق النار، الذي سيحدد اتجاه الاقتصاد العالمي بين ثلاثة سيناريوهات: احتواء سريع يعيد الاستقرار تدريجيا ويخفف الضغوط على الأسواق، أو مسار متوسط تبقى فيه التوترات قائمة بما يضغط على النمو ويرفع التضخم، أو سيناريو ممتد يفتح الباب أمام ركود تضخمي عالمي. وفي جميع الحالات، ستكشف الأسابيع المقبلة ما إذا كانت الصدمة عابرة أم بداية تحول أعمق يعيد رسم قواعد الاقتصاد العالمي.

font change