حرب إيران تعيد اقتصاد العالم إلى دوامة الركود التضخمي

سباق لإعادة رسم خريطة الطاقة العالمية وبحث عن ملاذات استثمارات آمنة غير تقليدية مع احتدام الصراع

لينا جرادات
لينا جرادات

حرب إيران تعيد اقتصاد العالم إلى دوامة الركود التضخمي

في أواخر فبراير/شباط 2026، دخل الشرق الأوسط مرحلة خطيرة مع بدء الضربات الأميركية - الإسرائيلية المشتركة على إيران ضمن عملية عسكرية أُطلق عليها اسم "عملية الغضب الملحمي"، استهدفت مواقع مرتبطة بالبنية النووية الإيرانية ومنشآت للحرس الثوري ومنصات صاروخية. ردت طهران سريعا باعتداءات طالت دول الخليج خصوصا، واستهدفت ناقلات نفط وشلت الملاحة في مضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة في العالم.

يمر عبر هذا المضيق نحو 17 إلى 20 مليون برميل يوميا من النفط والسوائل النفطية، أي ما يعادل نحو 20 في المئة من الاستهلاك العالمي، إضافة إلى نحو ربع تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية، لا سيما صادرات الغاز المسال القطري المتجهة إلى الصين والهند ودول آسيا وأوروبا. لذا، فإن أي اضطراب في الملاحة هناك يترجم فورا إلى تقلبات في أسواق الطاقة وهزات في أسواق المال العالمية.

صدمة أولية في أسعار الطاقة

مع تصاعد الحرب وازدياد المخاوف من الإغلاق التام لمضيق هرمز وتعرض المنشآت النفطية في دول الخليج إلى هجمات مباشرة ومتتالية، قفزت أسعار النفط سريعا. فبعدما كان خام برنت يتداول بنحو 82 دولارا للبرميل قبل الضربات العسكرية، ارتفع خلال أيام قليلة إلى أكثر من 108 دولارات للبرميل في 9 مارس/آذار، متجاوزا حاجز 100 دولار للمرة منذ نحو أربع سنوات. وسجل ذروة لحظية قاربت 120 دولارا خلال التداولات، مدفوعا باضطراب تاريخي في إنتاج النفط في المنطقة وتفعيل عدد من دول الخليج لبند القوة القاهرة على شحنات النفط الأولى والغاز من جهة، وتعطل سلاسل الإمداد من جهة ثانية، قبل أن يتراجع بسرعة إلى نطاق 86 – 90 دولارا في 10 مارس/آذار مع ظهور مؤشرات أولية الى احتمال احتواء التصعيد وتأمين بعض مسارات الشحن وفتح خزانات احتياطات الدول.

تشير تقديرات إدارة معلومات الطاقة الأميركية (EIA) إلى أن الأسعار قد تبقى فوق مستوى 95 دولارا للبرميل خلال الشهرين المقبلين إذا استمرت الأخطار الحربية

وكانت الأسواق شهدت تراجعا حادا في الأسعار خلال جلسة واحدة بنسبة تقارب 10 إلى 15 في المئة بعد تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن "الحرب قريبة من الانتهاء"، إضافة إلى إعلان واشنطن بحث مرافقة عسكرية لناقلات النفط في مضيق هرمز، وتصريحات للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بأن الدول الأوروبية "يمكنها المشاركة في تأمين الملاحة".

وعلى الرغم من هذا التراجع، تشير تقديرات إدارة معلومات الطاقة الأميركية (EIA) إلى أن الأسعار قد تبقى فوق مستوى 95 دولارا للبرميل خلال الشهرين المقبلين، إذا استمرت الأخطار الجيوسياسية.

أ.ف.ب.
انفجار بعد ضربات قبالة برج آزادي بالقرب من مطار مهر آباد الدولي في طهران بتاريخ 7 مارس/آذار 2026.

أما أسواق الغاز الطبيعي فقد شهدت صدمة أعنف. إذ قفز مؤشر الغاز الأوروبي (TTF) إلى نحو 70 يورو لكل ميغاواط ساعة في 9 مارس/آذار، بزيادة يومية بنحو 29 في المئة، قبل أن يتراجع لاحقا إلى نحو 58 - 60 يورو نتيجة إعلان المفوضية الأوروبية مستويات تخزين آمنة بنسبة 65 في المئة، مما خفف حدة الصدمة، خلافا للمملكة المتحدة التي تعاني من غياب خطير للمخزونات الاستراتيجية مما رفع الأسعار بنسبة 70 في المئة. كما ارتفعت في آسيا وفق مؤشر (JKM) نتيجة مخاوف تعطل شحنات الغاز المسال من الخليج وإعادة توجيه بعض الشحنات بعيدا من المنطقة.

ووفقا لتقارير مصرف الاستثمار، "غولدمان ساكس"، فإن استمرار الاضطرابات في الملاحة وتعطل الإمدادات طوال شهر مارس/آذار قد يدفع الأسعار إلى تجاوز عتبة الـ100 دولار بسهولة، مع احتمال وصولها إلى 150 دولارا للبرميل، إذا طال أمد الحرب. وتشير تقديرات السوق إلى أن ما بين 8 و9 ملايين برميل يوميا من الإمدادات النفطية قد تصبح معرضة للخطر في حال توسع نطاق الحرب.

الأسواق المالية وتحولات الملاذات الآمنة

لم تنتظر الأسواق المالية طويلا لترجمة التصعيد العسكري في الشرق الأوسط إلى تقلبات حادة في التداولات العالمية. فمع اندلاع الحرب وما تبعها من تداعيات وتقاطع في توقعات أسعار النفط واحتمالات اتساع الصراع، دخل المستثمرون مرحلة من حسابات التضخم والنمو العالميين وإعادة تسعير الأخطار الجيوسياسية، مما دفع إلى موجات بيع في بعض الأصول العالية الأخطار في مقابل اندفاع متزايد نحو الملاذات الآمنة.

سجلت أسهم شركات الدفاع والطاقة مثل "إكسون موبيل" و"لوكهيد مارتن" ارتفاعات ملحوظة، مدفوعة بتوقعات زيادة الإنفاق العسكري وارتفاع أسعار الطاقة. أما أسهم شركات التكنولوجيا والنقل، فتتعرض لضغوط

وسط هذا المناخ المضطرب، شهدت البورصات العالمية موجة تقلبات حادة مع تصاعد التوترات. فقد تراجعت مؤشرات رئيسة في الولايات المتحدة وأوروبا بنسب تراوحت بين 1 و2 في المئة، بينما سجلت بعض الأسواق الآسيوية تراجعات أكبر، إذ خسر "مؤشر نيكاي" الياباني أكثر من 7 في المئة في إحدى الجلسات، فيما تراجع مؤشر "هانغ سنغ" في هونغ كونغ نحو 3 في المئة.

في المقابل، سجلت أسهم شركات الدفاع والطاقة مثل "إكسون موبيل" و"لوكهيد مارتن" ارتفاعات ملحوظة، مدفوعة بتوقعات زيادة الإنفاق العسكري وارتفاع أسعار الطاقة. أما أسهم شركات التكنولوجيا والنقل، المرتبطة بشكل وثيق بتقلبات التجارة العالمية، فتعرضت لضغوط نتيجة توقعات ارتفاع تكاليف الوقود والشحن، والتأخيرات اللوجستية التي تواجهها السلع عالية القيمة، مثل الإلكترونيات والرقائق الميكرويةوأشباه الموصلات، بسبب تقييد المجالات الجوية واضطرابات الشحن البحري.

ولوحظ في الأسبوع الأول من مارس/آذار تحول موازٍ في تدفقات السيولة. فإلى جانب الذهب والسندات الحكومية الأميركية، التي تعد تقليديا الخيارات الأفضل في أوقات الأزمات الجيوسياسية الكبرى، اتجهت سيولة حذرة نحو البتكوين كـ"ذهب رقمي" بديل. ويعكس هذا التحول المتزايد نحو الأصول غير التقليدية، انقساما في ثقة المستثمرين بالنظام المالي التقليدي، إلى جانب سعيهم لتنويع أدوات التحوط في بيئة تتسم بارتفاع الأخطار وعدم اليقين.

رويترز
مصورون يلتقطون لحظة ضربة على خزانات وقود شهران، في ظل الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، في طهران، 8 مارس/آذار 2026.

إلا أن البتكوين أظهر سلوكا "عالي الأخطار" وليس "ملاذا آمنا" بحتا، إذ هبط إلى ما دون 68,000 دولار مع تسييل المراكز المالية لتغطية خسائر الأسهم، بينما اخترق الذهب حاجز 5,350 دولارا للأونصة قبل أن يعاود الانخفاض.

اختناق الشحن العالمي و"القوة القاهرة"

في وقت ينصب تركيز معظم العالم على تداعيات انقطاع إمدادات النفط في مضيق هرمز، الذي يمر عبره أيضا نحو 11 في المئة من تجارة السلع العالمية، فإن الحصار الحالي قد يشكل أخطارا طويلة الأمد على حركة التجارة عموما والإمدادات الغذائية العالمية، نظرا لكون المضيق يمثل ممرا رئيسا لصادرات اليوريا والأسمدة التي يعتمد عليها نصف الإنتاج الزراعي العالمي.

فمع تعرض نحو عشر سفن على الأقل لهجمات في المضيق منذ بدء الأعمال العدائية في الخليج، وعلى الرغم من توفير الولايات المتحدة مرافقة بحرية وبرنامج تأمين بقيمة 20 مليار دولار لناقلات النفط، تظهر بيانات الملاحة البحرية مئات السفن الراسية على جانبي الممر المائي.

لا يمكن للاقتصاد العالمي أن يتحمل إغلاق مضيق هرمز، يمر 20 مليون برميل من النفط يوميا عبر هذا المضيق، ولا توجد طاقة إنتاجية فائضة في أي مكان في العالم قادرة على سد هذه الفجوة

سيمون جونسون، الخبير الاقتصادي من معهد "ماساتشوستس" للتكنولوجيا والحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد لعام 2024

ووفقا لبيانات قطاع الشحن، انخفضت حركة ناقلات النفط العملاقة عبر المضيق بأكثر من 80 في المئة مقارنة بالمعدلات الطبيعية، مع وجود نحو 200 ناقلة نفط عالقة في مياه الخليج في انتظار المرور الآمن. وفي الأيام الأولى من الأزمة، انخفض عدد السفن العابرة من نحو 138 سفينة يوميا إلى عدد قليل جدا، وسط توجه معظم الشركات التجارية الكبرى لتجنب المرور بسبب الأخطار الأمنية المباشرة. ويرجح أن تكون غالبية السفن العابرة مرتبطة بإيران أو بسفن تعمل دون تشغيل أجهزة التتبع في ظروف عالية الأخطار.

واضطرت شركات الشحن إلى إعادة توجيه بعض الرحلات عبر طرق أطول أو تأجيلها، مما أدى إلى ارتفاع كبير في تكاليف النقل والتأمين. على سبيل المثل، ارتفعت تكلفة شحن الحاويات من شنغهاي إلى روتردام عبر رأس الرجاء الصالح بدلا من السويس-هرمز، بنسبة 120 في المئة خلال 10 أيام.

وارتفعت أجور استئجار ناقلات النفط العملاقة إلى ما بين 180 ألفا و250 ألف دولار يوميا، وهي مستويات تقترب من الذروة التي شهدتها الأسواق خلال أزمات الطاقة السابقة. كما ارتفع "مؤشر ناقلات النفط الملوثة في بحر البلطيق" (Baltic Dirty Tanker Index) الخاص بنقل النفط الخام بشكل حاد، وهو ما يعكس الضغوط المتزايدة على سلاسل الإمداد البحرية.

أ.ف.ب.
تُظهر الصورة لوحة تعرض أسعار الوقود في محطة بنزين بمدينة بوخوم في ألمانيا في 4 مارس/آذار 2026.

وأفادت تقارير من سوق التأمين البحري في "لويدز لندن"، أن أقساط التأمين الحربي للسفن العابرة قرب المضيق قفزت بنسبة نحو 400 في المئة منذ بداية مارس/آذار، إذ صنفت شركات التأمين المضيق والخليج العربي بالكامل كمنطقة "خطر مرتفع"، في وقت قد تصل علاوة التأمين الحربي أحيانا إلى 0,5 – 1 في المئة من قيمة السفينة لكل رحلة في المناطق المصنفة عالية الأخطار.

كما تحدثت تقارير إعلامية عن إعلان بعض أبرز شركات الغاز والنفط في قطر والكويت والبحرين حالة "القوة القاهرة" (Force Majeure) في وقف تنفيذ العقود، نتيجة الأخطار الأمنية وتعطل الإمدادات، وهذا الإعلان قانونا يعفي الشركات من غرامات التأخير، مما يضع المشترين (خصوصا في اليابان وكوريا) في مأزق البحث عن "شحنات فورية" (Spot Cargoes) بأسعار خيالية.

إن مرونة الاقتصاد العالمي تختبر مجددا وبشكل قاس في ظل الحرب الجديدة في الشرق الأوسط، وهو ما يتطلب استراتيجيات غير تقليدية من صناع السياسات

كريستالينا غورغييفا، مديرة صندوق النقد الدولي

ويحذر خبراء التجارة الدولية من أن استمرار هذه الاضطرابات قد يؤدي إلى تعطل سلاسل التوريد العالمية، خصوصا في قطاعات مثل الإلكترونيات والأسمدة والمواد الغذائية.

اختبار جديد للاقتصاد العالمي

لم تتوقف تداعيات العملية العسكرية عند حدود الجغرافيا السياسية في الشرق الأوسط، بل امتدت بسرعة إلى الاقتصاد العالمي. وجاءت ردود فعل المؤسسات الدولية، وفي مقدمها صندوق النقد الدول والبنك الدولي، معبرة عن حجم القلق من تفاقم الانعكاسات السلبية المتسارعة للحرب على الاقتصادات كافة، وزيادة حالة عدم اليقين الاقتصادي، وإضعاف معنويات الأسواق وثقة المستثمرين إذا ما استمرت لفترة طويلة.

وحذرت مديرة صندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، من أن مرونة الاقتصاد العالمي تختبر مجددا وبشكل قاس في ظل النزاع الجديد في الشرق الأوسط، وهو ما يتطلب استراتيجيات غير تقليدية من صناع السياسات، متوجهة إليهم بنصيحة قائلة: "فكروا في ما لا يمكن تصوره واستعدوا له"، في ظل بيئة عالمية جديدة تتسم بضبابية ارتفاع الأخطار وتداخل الأزمات.

وإذ أثبت الاقتصاد العالمي قدرته على تحمل الصدمات، لا سيما آثار الغزو الروسي لأوكرانيا قبل أربع سنوات، والتعريفات الجمركية الضخمة والمفاجئة التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترمب العام المنصرم، يرى الخبير الاقتصادي من معهد "ماساتشوستس" للتكنولوجيا والحائز جائزة نوبل في الاقتصاد لعام 2024، سيمون جونسون، أن الاقتصاد العالمي لا يمكنه تحمل إغلاق مضيق هرمز، موضحا أن "20 مليون برميل من النفط يوميا تمر عبر هذا المضيق، ولا توجد طاقة إنتاجية فائضة في أي مكان في العالم قادرة على سد هذه الفجوة".

وعلى عكس الدول المنتجة للنفط خارج منطقة النزاع، كالنروج وروسيا وكندا، ستتأثر اقتصادات الدول المستوردة للطاقة، بما فيها معظم دول أوروبا وكوريا الجنوبية وتايوان واليابان والهند والصين، بشدة بارتفاع الأسعار، في وقت تشهد الدول الأوروبية تعافيا هشا بعد سنوات من التحديات الاقتصادية، مما قد يدفعها للاعتماد مجددا على الغاز الروسي لتفادي أزمة طاقة حادة.

رويترز

وتعتمد الاقتصادات الآسيوية بشكل كبير على النفط من الخليج. إذ تستحوذ الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية على نحو 76 في المئة من النفط الذي يمر عبر مضيق هرمز.

هذه الضغوط لم تقتصر على فاتورة الطاقة، بل أدت إلى تدهور قيمة الروبية الهندية واليوان الصيني أمام الدولار القوي، مما أوجد تضخما مستوردا (Imported Inflation) في السلع الأساس والخدمات، مما يضاعف معاناة هذه الاقتصادات. وتواجه الهند أخطارا اقتصادية خصوصا نتيجة ارتفاع فاتورة الواردات النفطية، وهو ما قد يرفع تكلفة الإنتاج في قطاعات النقل والزراعة والصناعات التحويلية ويضغط على عملتها ويزيد عجز الحساب الجاري.

وقد تتأثر الصين، المستورد الأكبر للطاقة في العالم، بشكل مباشر أيضا، إذ يقدر أنها تستورد بين 1,3 و1,6 مليون برميل يوميا من النفط الإيراني. وبحسب تحليلات اقتصادية، فإن ارتفاع سعر النفط بمقدار 10 دولارات للبرميل قد يقتطع نحو 0,3 إلى 0,5 نقطة مئوية من نمو الاقتصاد الصيني.

كل ارتفاع بمقدار 10 دولارات في سعر النفط قد يضيف ما بين 0,2 و0,3 نقطة مئوية إلى التضخم العالمي بحسب توقعات اقتصادية

أما الولايات المتحدة، فعلى الرغم من أنها أصبحت أكبر منتج للنفط في العالم، فهي ليست في منأى من ارتفاع الأسعار العالمية. فقد سجلت أسعار غالون الوقود الأميركي مستويات قياسية بتجاوزها حاجز الـ 4,50 دولارات في بعض الولايات، بعدما كان المستهلك الأميركي يترقب استقرارها دون عتبة الثلاثة دولارات، مما أعاد شبح تضخم تكاليف المعيشة إلى الصدارة.

من جهة أخرى، يؤدي الصراع إلى زيادة الإنفاق العسكري. وتشير تقديرات أولية إلى أن تكلفة العمليات العسكرية قد تبلغ عشرات المليارات من الدولارات إذا طال أمدها، مما قد يضيف ضغوطا إضافية على العجز والدين العام الأميركيين.

التضخم ومعضلة "الركود التضخمي"

تشكل صدمات النفط الحالية أحد أخطر التهديدات لاستقرار الأسعار العالمية، إذ لا تقتصر الخطورة على الارتفاع المباشر في أسعار الوقود، بل في سرعة انتقال الأثر إلى تضخم الخدمات وارتفاع تكاليف الإنتاج الصناعي (Input Costs). وبحسب توقعات اقتصادية، فإن كل ارتفاع بمقدار 10 دولارات في سعر النفط، قد يضيف ما بين 0,2 و0,3 نقطة مئوية إلى التضخم العالمي.

ويرجح أن يدفع هذا الواقع  بعض البنوك المركزية، من بينها الاحتياطي الفيديرالي الذي يجد نفسه في موقف دقيق بين السيطرة على التضخم وتجنب تباطؤ النمو، إلى إعادة النظر في السياسات النقدية. ويرى المحللون أنه في حال استمرار خام برنت فوق مستوى 95 دولارا حتى نهاية الربع الثاني من عام 2026، فإن مستهدفات التضخم التي وضعتها البنوك المركزية عند 2 في المئة ستصبح أكثر صعوبة. وحذر بنك "غولدمان ساكس" من أن وصول أسعار النفط إلى 100 دولار يمكن أن يقتطع نحو 0,4 في المئة من النمو العالمي.

أ.ف.ب.
مؤشر الأسهم العالمية كما بدت على هاتف خليوي في بروكسل بتاريخ 12 مارس/آذار 2026.

هذا المشهد المعقد يضع الاحتياطي الفيديرالي الأميركي والبنوك المركزية الكبرى أمام معضلة السياسة المزدوجة. فبينما كانت الأسواق تسعر خفضا وشيكا للفائدة بنحو 50 نقطة أساس لدعم الاقتصاد، اعلن رئيس الاحتياطي الفيديرالي جيروم باول في تصريح صحافي طارئ أن "أخطار العرض تفوق حاليا أدوات السياسة النقدية"، مما عزز المخاوف من عدم خفض الفائدة في اجتماع مايو/أيار المقبل، ودفعت الصدمة النفطية الأسواق إلى إعادة تسعير سيناريو "الفائدة المرتفعة" لفترة أطول. ويواجه البنك المركزي الأوروبي المعضلة نفسها، بل قد ينظر في رفع أسعار الفائدة إذا امتدت صدمة العرض المرتبطة بأسعار الطاقة إلى الأجور وتكاليف الخدمات.

وصول أسعار النفط إلى 100 دولار يمكن أن يقتطع نحو 0,4 في المئة من النمو العالمي

غولدمان ساكس

وتحذر مؤسسات مالية مثل "جي. بي. مورغان" من احتمال تراجع مؤشر "ستاندرد آند بورز 500" بنحو 10 في المئة إذا استمرت التوترات، مع تصاعد أخطار الانزلاق نحو الركود التضخمي (Stagflation).

وكانت مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا غورغيفا قد أشارت إلى أن ارتفاعا مماثلا لأسعار النفط، معظم السنة، قد يرفع معدل التضخم العالمي بنحو 40 نقطة أساس، مما يضيف ضغوطا على اقتصادات الدول وميزانيات الأسر.

"أوبك+" والاحتياطيات الاستراتيجية

تتجه حاليا الدول الصناعية إلى استخدام الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية لتهدئة الأسواق، كما حدث خلال أزمات سابقة. ورفعت وكالة الطاقة الدولية مستوى مراقبة المخزونات الاستراتيجية لدى دول منظمة التعاون الدولي والتنمية التي تقدر بـ1,2 مليار برميل. وتملك الولايات المتحدة نحو 360 مليون برميل في احتياطيها الاستراتيجي، بينما تمتلك الصين والهند مخزونات كبيرة للطوارئ. إلا أن المخزونات العالمية الاستراتيجية تبقى محدودة ويصعب تعويضها وستستنزف حتما إذا ما طال أمد الصراع، خصوصا أن الولايات المتحدة وروسيا والبرازيل، التي عادة ما تشكل بدائل دولية، تعمل فعليا قرب طاقتها الإنتاجية القصوى.

في الوقت نفسه، تلعب منظمة "أوبك +" دورا أساسا في احتواء الأزمة، إذ تمتلك بعض الدول الخليجية، وفي مقدمها السعودية والإمارات، طاقة إنتاج فائضة تقدر بما بين 3 و4 ملايين برميل يوميا. لكن هذه القدرة قد لا تكون كافية لتعويض أي تعطيل واسع وطويل الأمد للملاحة في مضيق هرمز. كما أن "القدرة اللوجستية" على إيصالها الى الأسواق مهددة بسبب إغلاق المضيق نفسه.

رويترز
لقطة من فيديو لاحتراق منشآت لتخزين النفط في ميناء صلالة بمنطقة ريسوت في سلطنة عُمان، بعد استهدافها بمسيرة إيرانية، 11 مارس 2026

وأعلنت مؤسسة البترول الكويتية حالة "القوة القاهرة" على مبيعات الخام وخفض الإنتاج بمقدار 100 ألف برميل، وخفض عمليات التكرير احترازيا. كما أعلنت "بابكو إنرجيز" القوة القاهرة بعد هجوم على مصفاتها في البحرين. وقبلهما أعلنت قطر"القوة القاهرة" لوقف انتاج الغاز. وانخفض إنتاج النفط في العراق بنسبة 60 في المئة وفقا لـ"بلومبيرغ"، فيما أفادت "رويترز" أن شركة "أرامكو السعودية" خفضت الإنتاج في حقلين نفطيين. وأوقفت شركة النفط الحكومية في أبو ظبي (أدنوك) تشغيل مصفاة الرويس بعد اندلاع حريق في أحد منشآت المجمع إثر هجوم بطائرة مسيرة.

إقرأ ايضا: ماذا يعني تفعيل بند "القوة القاهرة" في عقود النفط والغاز لقطر والكويت والبحرين؟

وفي هذا السياق، قررت "أوبك+" زيادة الإنتاج بشكل طفيف بنحو 206 آلاف برميل يوميا اعتبارا من أبريل/نيسان، بينما دعت وكالة الطاقة الدولية إلى اجتماع طارئ لبحث إمكان استخدام المخزونات الاستراتيجية إذا تفاقمت الأزمة.

إعادة رسم خريطة الطاقة العالمية

قد تدفع "أزمة الممرات" الحالية الدول الصناعية إلى تسريع خطط تنويع مصادر ومسارات الطاقة. فالتصعيد المحتمل الذي قد يمتد إلى مضيق باب المندب ربما يؤدي إلى سيناريو "اختناق مزدوج" في أهم ممرين للطاقة في العالم، وهو ما قد يدفع أسعار النفط إلى تجاوز 120 دولارا للبرميل لفترة أطول.

في المقابل، قد يؤدي ذلك إلى تسريع الاستثمارات في الطاقة المتجددة، والغاز الطبيعي المسال، وإنتاج النفط الصخري في أميركا الشمالية، ومشاريع الطاقة في آسيا الوسطى وأفريقيا، وذلك بهدف الحد من الاعتماد على الممرات الجيوسياسية الهشة.

جدير بالذكر أن تعطل مضيق هرمز أعاد الزخم الى خطوط الأنابيب التي تتجاوز المضيق، مثل خط أنابيب حبشان – الفجيرة في الإمارات الذي يعمل الآن بطاقته القصوى البالغة 1,5 مليون برميل يوميا، وخط أنابيب "شرق-غرب" السعودي، المعروف أيضا باسم "بترولاين" وتبلغ قدرته الاستيعابية 7 ملايين برميل يوميا، حيث تجري محاولات لزيادة الضخ نحو موانئ البحر الأحمر لتجنب مضيق هرمز.

في المقابل، يمثل خط أنابيب "سوميد" المصري أحد أهم المسارات المكملة لنقل النفط في المنطقة، إذ يربط البحر الأحمر بالبحر المتوسط عبر الأراضي المصرية. وعلى الرغم من أنه لا يحل محل مضيق هرمز بالكامل، لكنه يبقى خيارا عمليا لتخفيف الضغوط على صادرات النفط.

مخاض "نظام عالمي" جديد فوق فوهة بركان

أدرك العالم في مطلع مارس/آذار 2026، وهو يراقب تصاعد الأدخنة فوق مياه الخليج، أن الجغرافيا لا تزال تحكم الاقتصاد بـ"قبضة من حديد". إذ  إن "عملية الغضب الملحمي" ليست مجرد فصل جديد في سجل النزاعات المسلحة، بل هي الشرارة التي ستعيد رسم النظام الاقتصادي العالمي لعقود مقبلة، وصدمة وجودية تضع برميل النفط في مواجهة مباشرة مع لقمة عيش المليارات، من السائق في شيكاغو إلى المزارع في بكين، وصولا إلى المستهلك في مومباي، ناهيك عن أوروبا والشرق الاوسط وشما أفريقيا، الذين باتوا جميعا يدفعون ضريبة أزمة ممرات النفط والغاز من استقرارهم المعيشي والاقتصادي.

font change

مقالات ذات صلة