الجذور الاستعمارية الغربية لـ"النكبة" ودور الاستشراق في صناعتها

سردية الشرق "المظلم" الذي ترسخت عبر مئات السنين

 AFP
AFP
مشهد عام للقدس القديمة مع قبة الصخرة في الخلفية

الجذور الاستعمارية الغربية لـ"النكبة" ودور الاستشراق في صناعتها

كانت نكبة 1948 تتويجا لعمليات أخرى أو هي نتيجة لعمليات أكثر تعقيدا شملت استلاب فلسطين كبلاد على مستوى الهوية والتعريف بما في ذلك تزييف التاريخ والسرديات والمرويات عن البلاد بما يتوافق مع مشروع سرقة البلاد من أهلها. لم تكن مجرد حدث نتج من صراع، إذ أن أصحاب الأرض وجدوا أنفسهم فجأة في مصيدة كبيرة لا تقودها الحركة الصهيونية فحسب بل القوى الكبرى في العالم. وكان اصطفاف أوروبا خلف مشروع اقتلاع الشعب الفلسطيني من أرضه نتيجة عملية أخرى من الاستلاب والهيمنة نجحت فيها الصهيونية في السيطرة على العقل والخيال الأوروبيين.

طوال عقود نجحت هذه الحركة في ترويج روايتها حول أحقية اليهود في فلسطين بل وفي دفع العالم لتبني استيطانهم فيها وطرد سكانها. بكلمة أخرى، فقد سرقت فلسطين على مستوى الفكرة قبل أن تسرق فعليا من سكانها. ثمة مركّب لا يجب أن يغيب عن البال ونحن نعيش النكبة المستمرة، وهو أن أحد أبرز وجوه النكبة كانت نكبة العقل الغربي الذي نجحت الحركة الصهيوينة وعبر مراحل مختلفة في السيطرة عليه. قد تكون نجحت في احتلال فلسطين منذ قرابة ثمانية عقود لكنها تحتل العقل الغربي منذ عقود طويلة. وهذا الاحتلال نتاج عمليات معقدة ومركبة من التزييف والترويج والتضليل وخطاب المظلومية.

الصراع على الشرق

ثمة ملاحظة أساسية واجبة في هذا السياق وهي تشكل جوهر هذا المقال، تتمثل في كون الحركة الصهيونية نتاج المشروع الاستعماري الأوروبي ومركّبا أساسا فى توجهاته الفكرية تجاه المنطقة ومشروعه الاستشراقي. في سياقات ضيقة مثلا لا يمكن فصل ظهور الصهيونية عن وصول الاستعمار الغربي للشرق إلى ذروته وتصاعد الصراع حول السيطرة على الشرق. وفي علاقة قد تبدو تكاملية، نجحت الحركة الصهيونية في تقديم نفسها جزءا من المشروع الكولونيالي الغربي ودون أن تقدم فروض الطاعة والولاء، بل سعت إلى توظيف الجشع الغربي للاستيلاء على الشرق لتقديم خدمات كبيرة من اجل أن تحقق أوروبا اهدافها.

سعى المشروع الكولونيالي الغربي لإقامة مستعمرات "مسيحية" في فلسطين ونظّر لاحتلال فلسطين كجزء من مشروع تسريع الظهور الثاني للسيد المسيح

وحين نقول إن مثل هذه العلاقة قد "تبدو تكاملية" فإن القصد أنها لم تكن كذلك تماما إذ أن الدفع تجاه تحقيق مشروع الوطن القومي اليهودي في فلسطين لم يكن "يهوديا" بحتا، بل إن جذوره تكمن في صلب المشروع الكولونيالي الغربي الذي سعى في البداية مثلا لإقامة مستعمرات "مسيحية" في فلسطين والنظر لاحتلال فلسطين كجزء من مشروع تسريع الظهور الثاني للسيد المسيح ضمن سياقات الحملات الصليبية الجديدة، ولكن هذه المرة فإن تسريع هذا الظهور يكمن في إعادة بناء الهيكل وإقامة دولة إسرائيل من أجل أن يتم دفع عجلة الزمن للأمام.

لذا وجب القول إن هذه العلاقة "توظيفية" في جوهرها، ولم يكن ظهور الحركة الصهيونية إلا جزءا من هذا الصراع الأوروبي من أجل الهيمنة والنفوذ أو ترجمة لتوجهات دينية في جوهرها معادية لليهود. وربما المفارقة مثلا ان اللورد بلفور صاحب الوعد المشؤوم كان معاديا لليهود وكان يهاجم في الصحف الصادرة عنهم بأنه "كاره" لليهود فهو صاحب أول تشريع يمنع اليهود من دخول إنكلترا، إذ رأى في خطاب شهير له في البرلمان بأن تدفق يهود الإمبراطورية الروسية في نهايات القرن التاسع عشر إلى البلاد بما يملكونه من مال وثروة، سيعني سيطرتهم على اقتصاد البلاد وخيراتها، لذا وضع تشريعا يمنع منح تأشيرة دخول اليهود إلى بريطانيا. ولم يكن وعده المشؤوم إلا جزءا من محاولات التخلص منهم. المفارقة هي أن تشريع بلفور لم يكن إلا استكمالا لعمليات أخرى من طرد اليهود من المدن الأوروبية المختلفة خلال القرون الثلاثة السابقة بسبب نزعتهم للهيمنة على المال والثروة. بيد أن المفارقة الأهم ربما تكمن في حقيقة أنه بين تشريع بلفور ووعده المشؤوم، نضج المشروع الاستعماري الأوروبي الخاص بالمنطقة العربية بشكل كبير وبات اكثر وضوحا بتآكل الامبراطورية العثمانية وأفولها بشكل واضح مع مخططات "سايكس بيكو".

 Handout / GPO / AFP
صورة أرشيفية تجمع الجنرال البريطاني إدموند ألنبي وآرثر بلفور والمندوب السامي البريطاني هربرت صموئيل في القدس عام 1925

تأسس جوهر الحركة الصهيونية على مجموعة من الأفكار التي كانت في صلب عمليات الاستشراق المركبة التي جعلت من هذه الحركة جزءا محوريا من حركة الاستعمار الأوروبي. وقبل ظهور الصهيونية كحركة معادية للإنسانية أو كحركة عنصرية، فقد سخّر نشطاء اليهود كل جهدهم لتقديم الدعم للمشروع الاستعماري ولمذابح القوى الكبرى في حق الشعوب المسلوبة الإرادة في أفريقيا وآسيا. ومع تشكل الصهيونية الفعلي خلال مؤتمر "بازل" سخرت نفسها لخدمة المشروع الاستعماري الغربي في المنطقة العربية.

جوهر القول هنا إن فكرة إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين لم تكن فكرة يهودية بحتة، بل إن مؤتمر بازل ومؤتمرات الصهيونية اللاحقة وكتابات آباء المشروع الصهيوني تكشف أن فلسطين كانت مجرد خيار آخر من بين مناطق أخرى في العالم في أفريقيا وجنوب أميركا كان ينظر لها كمكان لإقامة هذا الوطن، ولم يكن الإصرار لإقامته في فلسطين إلا بتوجيه من العقل الاستعماري البريطاني والغربي عموما ونتيجة مصالح غربية بحتة. كانت الأرجنتين تبدو الخيار المثالي وتمت الهجرة إليها وتركيز النشاط فيها، لذا تجد حتى اللحظة أقدم الكنس في القارة اللاتينية هناك بجانب قوة اللوبي الصهويني في بلاد مارادونا وميسي.

 AFP
نسخة عن بورتريه لنابليون بونابرت عندما كان قنصلا أول لفرنسا بين عامي 1802 و1803

وعد نابليون قبل وعد بلفور

وعليه، فإن تطور فكرة إقامة وطن قومي لليهود في المنطقة تأسست قبل زمن طويل ومعقول من مؤتمر بازل وقبل "نضوج" فكرة نقل اليهود الى فلسطين. وكان التبشير بها يتم وفق تطلعات استعمارية بحتة. مثلا كانت دعوة نابليون لليهود بمساندة حروبه في الشرق مقابل إقامة وطن لهم في فلسطين جزءا من الترويج لحملته العسكرية على مصر وبلاد الشام. كانت غاية الجنرال الفرنسي ضمان تأييد اليهود من أجل إنجاح حملته. ورغم أن نابليون لم يفعل شيئا ملموسا لتحقيق ذلك باستثناء تحسينه لظروف اليهود في فرنسا وتخفيف القيود عليهم، إلا أن دعوته التي سيظل صداها يتردد في الدوائر الاستعمارية الأوروبية ستكون موضع تنافس مع بريطانيا التي ستحقق حلم نابليون بإقامة دولة غريبة في المنطقة تضمن من خلال وجودها استمرارية تدخلها في سياسات تلك المنطقة والأهم تقوم بتمزيق مصالح الدول المحيطة. كان وجود قناة السويس مدعاة لكل هذه الأفكار من أجل حماية طريق التجارة للهند ولآسيا عموما حيث شكل موقع فلسطين على الضفة الشرقية للقناة وقربها من ممرات الملاحة في البحر الأحمر حافزا من أجل حماية الدول الاستعمارية لمصالحها.

كانت دعوة نابليون لليهود بمساندة حروبه في الشرق مقابل إقامة وطن لهم في فلسطين جزءا من الترويج لحملته العسكرية على مصر وبلاد الشام

أيضا لا بد من التنويه برأي وتصورات اللورد شافتسبري حول إقامة وطن لليهود في فلسطين لحماية مصالح بريطانيا وهي التصورات التي تبناها وزير الخارجية بالمرستون، بل إن شافتسبري كان أول من استخدام عبارة "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض" مؤكدا أن هذا الوطن سيكون رأس حربة بريطانيا في المنطقة، وتحت ضغط شافتسبري أنشئت أول قنصلية في القدس وأنيطت بها مهمة حماية مصالح اليهود في البلاد. والمؤكد أن نظام القناصل بشكل عام كان جزءا من المشروع الاستعماري الغربي في المنطقة.

بالطبع، لا بد هنا من الإشارة إلى أن طبيعة ممارسات الحركة الصهيونية والاستيطان الصهيوني في فلسطين من نهايات القرن التاسع عشر حتى آخر مستوطنة أو نقطة رعوية تفرض في الضفة الغربية اليوم، تشبه إلى حد كبير ممارسات المستوطنين الأوروبيين في أفريقيا وآسيا من جهة مصادرة الأراضي وشق طرق خاصة وبناء تجمعات معزولة وسرقة المصادر الطبيعية والتحكم بالمكان وإعادة تشكيل الجغرافيا. ليس على صعيد الفكرة ولا على صعيد الاجراء بل على صعيد الحياة وتفاصيل الاستيطان، فإن الاستيطان الصهيوني في فلسطين كان صورة أخرى من صور الاستيطان البريطاني أو الهولندي أو الفرنسي في أفريقيا وآسيا. إن صورة فوتوغرافية للمستوطنات الغربية في أفريقيا تبدو شديدة الشبه بل قد تبدو لوهلة للفلسطيني أنها صورة مستوطنة صهيونية قرب حيفا أو صفد في عشرينات القرن الماضي.

إعادة هندسة المكان

من المثير كيف قام المستوطنون اليهود، وبعد ذلك إسرائيل، بإعادة تشكيل وهندسة المكان الفلسطيني الذي لا يشبه سكانه الجدد من أجل تخفيف غربتهم عن المكان. تم ذلك من خلال إعادة تكوين الريف الفلسطيني ليبدو أوروبيا، فالمستوطنون يحبون أن يعيشوا في اجواء تشبه تلك التي جاؤوا منها. بكلمة أخرى، فإن الفكرة تمثلت في جعل فلسطين الشروق أوسطية أوروبية، شمل هذا مثلا زراعة أشجار الصنوبر وعمل غابات من تلك الأشجار المشهورة أكثر في أوروبا حتى لا يشعر المستوطن اليهودي الأوروبي بالغربة. وللمفارقة فإن تلك الأشجار بعد عقود من الزمن بدأت تموت بسبب عدم ملاءمة البيئة والتربة في فلسطين لاستمرار نموها، كما أن جزءا كبيرا منها لم يحتمل حرارة صيف فلسطين في شهري يوليو/ تموز وأغسطس/ آب وباتت تندلع فيه الحرائق بشكل مستمر.

 AFP
مشهد عام لجبل الزيتون في القدس في صورة تعود على الأرجح إلى عشرينات القرن الماضي

ولعل حقيقة أن كل المستعمرين الأوائل حتى النكبة كانوا أوروبيين تعزز هذا الفهم لكون المشروع الصهيوني جزءا من مشروع الاستعمار الغربي. فلم يكن ثمة هجرة من البلدان العربية ولا من آسيا أو أفريقيا، إذ أن المستعمرين اليهود من البلاد العربية جاؤوا في بدايات الخمسينات. وربما ما تم لم يكن مجرد هجرة بل تهجير لهم من قبل الحركة الصهيونية ومجموعاتها الإرهابية، إذ سعت لتوتير علاقة اليهود في البلدان العربية مع محيطهم العربي خاصة في العراق ومصر واليمن والمغرب من أجل دفعهم للهجرة، لحاجة الدولة الجديدة لمخزون سكاني متجدد. والمفارقة أن هؤلاء اليهود ظلوا لفترة طويلة يشعرون بالحنين لبلادهم العربية الأصلية ويقيمون طقوسهم وفق العادات التي كانت متّبعة هناك من غناء وزواج وأفراح. بل إن كاتبا إسرائيليا من يهود العراق مثل سمير نقاش ظل يكتب بالعربية بعد وصوله الى فلسطين ولم يكتب بالعبرية مطلقا. كما أن مجموعة أخرى من الكتّاب رغم تحولهم الى العبرية، إلا أنهم ظلوا يكتبون بالعربية أيضا مثل سامي ميخائيل وشمعون بلاص. وكان الكاتب اليهودي العراقي اسحق بار موشيه (من مواليد بغداد 1927) قد وثّق هذا الحنين في كتابه "الخروج من العراق". وعليه، فإن هجرة المستعمرين اليهود الأوائل لفلسطين ومن ثم سرقة البلاد من سكانها ليست إلا جزءا من المشروع الإستيطاني "الغربي" في الشرق والجنوب بشكل عام.

جرت زراعة أشجار الصنوبر وعمل غابات من تلك الأشجار المشهورة أكثر في أوروبا حتى لا يشعر المستوطن اليهودي الأوروبي بالغربة

خلاصة القول هنا إن اليهود الذين هاجروا إلى فلسطين قبل النكبة كانوا أورووبيين تماما مثل الأوروبيين الذي هاجروا إلى الكونغو أو جنوب أفريقيا أو الهند وأندونيسيا. لم يكن هناك أي اختلاف كبير. بل وللمفارقة، فإن أول المشاريع الاستيطانية في فلسطين كانت ألمانية وبعد ذلك أميركية. أقام فرسان الهيكل ثلاث مستوطنات ألمانية في كل من حيفا ويافا والقدس ورابعة باسم "سارونا" على مشارف يافا. ولعل حي "الألمانية" في حيفا ظل شاهدا على بقايا المستوطنة الألمانية حتى اللحظة، كما أن فندق "الأميركان كولوني" الشهير أيضا ظل جزءا من المغامرات الأميركية المسيحانية المبكرة لاستيطان فلسطين.

تمثيلات ثقافية أميركية

في السياق الأميركي الثقافي، كان ثمة تمثيلات أدبية وفكرية تركز على "يهودانية أميركا" من حيث أن المشروع الاستيطاني الأميركي ذو طابع مسيحاني سماوي يتعلق ببناء إسرائيل الجديدة، ولكن في العالم الجديد. وفي العديد من الدراسات الثقافية يرد الكثير من الترابط الأميركي مع المشروع الصهيوني في فلسطين إلى هذا الوعي. فمثلا رغم انتقاد هيرمان ميلفيل في ملحمته الشعرية "كليريل" (1876)  للبلاد المقدسة ولهجرة اليهود إليها ونقده لفكرة تحويلها الى أرض جديدة، فهي غير صالحة للعيش وفق النمط الغربي، إلا أن ميلفيل كان من المبشرين بفكرة "يهودانية" المستوطنين الأميركيين. ومن نافل القول إن ميلفيل تعرض لنقد شديد من المسيحانية اليهودية على أفكاره حول طبيعة الأرض المقدسة حيث "كل شيء من الحجر والصخر"، وهي أفكار اعتبرت منافية لتصورات الكتاب المقدس للأرض المقدسة الخلابة خاصة تأكيده أن فلسطين أرض زراعية واليهود لا علاقة لهم بالزراعة. كذلك فعل الكاتب الأميركي مارك توين في كتابه "الأبرياء في الخارج" الذي وصف فيه الأرض المقدسة بأنها قاحلة وحزينة وبلا حياة. وبشكل عام، فإن الحركة الصهيونية استخدمت مثل هذه الأوصاف والكتابات لتعزيز مقولتها بأن فلسطين كانت خالية وبأن المستعمرين اليهود هم من جلبوا لها الحياة. وقد اقتبس بنيامين نتنياهو خلال لقائه الرئيس الأميركي باراك أوباما عبارات من كتاب مارك توين في هذا السياق.

REUTERS/Kevin Lamarque
الرئيس الأميركي باراك أوباما يلتقي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في نيويورك، 2016

وبشكل عام ولأسباب عديدة، فإن المشاريع الإستيطانية الغربية لفلسطين لم تنجح بشكل لافت، خاصة لطبيعة الأرض المقدسة التي جعلت من الصعب تعميم مشروع التبشير في بلاد تقع الديانتان الإسلامية والمسيحية في صلب هويتها، لذلك فقد استبدلت مستوطنات فرسان الهيكل بمستوطنات صهيونية. ومن اللافت أن المستوطنات الصهيونية كلها من بتاح تكفا إلى ريشون ليتسيون وتل أبيب قرب يافا إلى زخرون يعقوب قرب حيفا أو مستوطنة موتسا قرب القدس، كلها كانت في مناطق الاستيطان الغربي المبكر وجاءت كلها بعد فشل المستوطنات الألمانية والأميركية.

واللافت كيف تسعى الدراسات الصهيونية لتقديم ظهور الحركة الصهيونية كجزء من ظهور القوميات الأوروبية في تشويه مرعب للحقائق، بغية تأكيد أن الصهيونية حركة قومية فيما هي في الأساس نتاج الاستشراق والاستعمار الغربي. وبعيدا من التقارب التاريخي، فإن ديناميكية ظهور القوميات الأوروبية الحديثة تتعلق بتفكك الأمبراطوريات القديمة وهي جزء طبيعي من نشوء الهويات الأوروبية الوطنية وتطور مسار السياسة والصراعات الأوروبية الداخلية، بجانب أنه ارتكز على تطور هذه الهويات في حيز جغرافي نمت وكبرت فيه التجمعات البشرية لآلاف السنين، مشكّلة قوميات متجانسة على العكس من الصهيونية التي اعتمدت على تجميع مواطنين من قوميات مختلفة ضمن رواية تاريخية لم تستند على دلائل مادية.

Eldan DAVID / GPO / AFP
سفينة "هاغاناه" راسية في ميناء حيفا قبل ترحيل ركابها إلى قبرص، 1947

كما أن الصهيونية استخدمت مقولات الاستعمار الغربي من أن هدف المشروع الاستيطاني هو جلب الحضارة للشرق وجلب النور والمعرفة له، ومن أن ثروات الشرق لا توظف بشكل لائق وحضاري، وعليه فإن ثمة مهمة مقدسة ومسيحانية تقع على كاهل أوروبا بجلب الحضارة الى الشرق المظلم. وضمن الفهم نفسه، ومع الاستناد الى الدين، أعادت الصهيونية تحوير مقولات الاستعمار الغربي لكي تتفق مع تطلعات المستوطنين اليهود. مثل هذا القول يشكل جوهر الوعي الاستشراقي.

استلاب متبادل

وبذلك نصل إلى النقاش حول توظيف الصهيونية للاستشراق واستفادة الأخير من مقولات الصهيونية في تعزيز توجهاته لتصوير الشرق واستلابه. كانت تلك عملية استلاب متبادلة في موازاة فرض الحقائق الجديدة على الأرض. واحدة من أهم كبائر الاستشراق الكثيرة، مساهمته الأساس في ترسيخِ الصور النمطية والرسائل المسمومة التي كانت الصهيونية ودعاتها يريدون أن تطغى في الوعي الأوروبي العام. كان الهدف دائما أن تتعزز فكرة الأرض البائسة التي تنتظر أصحابها الحقيقيين لإعادة الحياة اليها.

اقتبس بنيامين نتنياهو خلال لقائه الرئيس الأميركي باراك أوباما عبارات من كتاب مارك توين حول فراغ المكان الفلسطيني من الناس

أول أوجه هذه العلاقة أن الصهيونية وظفت ظهور علم الآثار كعلم منهجي في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر لخدمة مشروعها في تزوير تاريخ المنطقة وسلب الهوية الأركيولوجية لفلسطين. مرة أخرى يظهر الربط بين النيات الاستعمارية الغربية وبين الصهيونية في وظيفة ومهام "صندوق استكشاف فلسطين" الذي كان أداة استعمارية استفادت منها الصهيونية من خلال رسم خرائط فلسطين ومسح البلاد وتأكيد هويتها التوراتية المفترضة وتوجيه عمليات الاستيطان وفق هذا المسح وهذه الهوية. وفيما كان التاريخ مجرد مرويات وقصص قبل ذلك، فإن الفضل يرجع لعلم الآثار بتزويده دلائل وقرائن مادية. ولسوء حظ الفلسطينيين فإن ظهور علم الآثار ساهم في تسريع نكبتهم من حيث توظيف هذا العلم لدعم الادعاءات الصهيونية. والمؤكد أن من امتلك زمام هذا العلم امتلك توجيه مخرجاته لتعزيز روايته. وصل المنقبون من الأكاديميات الأوروبية يحفرون في كل مكان في فلسطين وكلما اكتشفوا شيئا أصبغوا عليه "يهودية" ما، حيث كان همهم الأساس هو تلوين كل شيء بالرواية التي تثبت أحقية اليهود في البلاد، وعليه لم تكتف الصهيونية بتزييف التاريخ بل زيفت الآثار والمكتشفات أيضا.

 AFP
مشهد عام للقدس القديمة مع قبة الصخرة في الخلفية

لقد وظف الاستشراق بشكل ممنهج لخدمة المشروع الاستعماري الغربي، ليس للمنطقة العربية بل للشرق برمته، وعكست الكتابات الغربية كما التصوير الغربي لمناطق الشرق عن هذه التوجهات من خلال تقديم الشرق المتخلف الهمجي الذي يعيش حياة بدائية في أرض غنية ساحرة، تنتظر قدوم مواكب الحضارة الغربية لإعادتها إلى لحظتها الحقيقية. والمؤكد أن النظرة نفسها، يمكن بالقياس سحبها على مجمل التخيلات والصور التي قدمت عن مناطق مختلفة أخرى غير الشرق، مثل أفريقيا، حيث لا بد للفن والثقافة أن يدعما توجهات المستعمر ويقدما شرعية لما يقوم به. هكذا تم الأمر في فلسطين، مع إضافة مكون أساس ومهم يتمثل في الدين والدعاوى الصهيومسيحانية لتسريع ظهور المسيح.

المكان وأهله

تبدو لوحات غوستاف باورنفيند Gustav Bauernfeind (1948-1904) مثلا واضحا على ذلك. بالكاد يمكن المرء أن يرى في هذه اللوحات وجهَ الفلسطيني، فهو مشوش ويتم رسمه من بعيد. إنه ظلال لشيء موجود في الصورة، ولكن لا معالم ولا تفاصيل. حتى المكان ليس أكثر وضوحا. مثلا، رغم ما تمتعت به يافا من مكانة كبرى، وكانت من أكثر المدن العربية في ذلك الوقت تقدما، فإن الصور التي يقدمها باورنفيند لها في لوحاته المختلفة صورة استشراقية باهتة. في لوحته "ميناء يافا"، يجلس الرجال على الأرض بشكل بائس، وثمة حيوان جائع. كل شيء يثير الشفقة.

حتى حين يبهرنا بالتفاصيل المثيرة والجميلة والبراقة في لوحته "الطريق إلى جبل الهيكل"، فإنه لا يفعل ذلك من أجل تمجيد المكان الفلسطيني بل لتصوير الجمال المسروق الذي يجب على اليهود استعادته. للمفارقة، حين نعلّق، نحن الفلسطينيين، اللوحة في بيوتنا ومؤسساتنا نكتب اسمها "الطريق إلى قبة الصخرة"، فيما يعنونها باورنفيند "الطريق إلى جبل الهيكل". يكتب باورنفيند حول اللوحة المشار إليها، مؤكدا أن الفكرة كانت تصوير اليهود وهم يدخلون جبل الهيكل، حيث نجد في اللوحةِ مجموعة من اليهود عند البوابة يمدون رؤوسهم قليلا إلى الأمام، وهم ينظرون إلى الفردوس المشمس في الداخل بقبابه اللامعة وبلاطه الملون وجدرانه الرخامية التي شكلت ذات يوم أقدس مزاراتهم القومية، فيما يجلس اليوم أمام تلك البوابة رجل يحمل سيفا بيده ويغلق البوابة، كما يقول باورنفيند.

أيضا تبدو مثيرة النظر للوحة ديفيد روبرتس   David Roberts(1796-1865)  لغزة التي يعلقها فلسطينيون كثيرون في بيوتهم، إذ تتم في النسق نفسه، فغزة بائسة شاحبة متهالكة، وهي ليست أكثر من ظلال لمدينة باهتة. لا شيء يبدو جذابا في الصورة. مجموعة من الرجال في ثياب رثة يجلسون على ركامِ آثار مهدمة ينظرون إلى المدينة التي لا يبدو منها إلا مآذن مساجد، لا يجري تصويرها بشكل جمالي حتى. يتجلى الشيء نفسه في لوحاته المختلفة عن بقية المدن الفلسطينية الأخرى. علينا ألا ننظر بتساهل إلى هذا كله، لأنه كان يتم ضمن فهم خاص للدور وللوسيلة اللذين يتم فيهما هذا التوظيف.

أطلقت ضمن الصراع الأكاديمي الألماني كلمة "فلستر"، من فلسطيني، لوصف الطلبة من الجامعات الأخرى الذين يختلفون معهم ولتحقيرهم

جانب آخر من هذا التوظيف البشع للدراسات والثقافة تكمن في تشويه كلمة "فلسطيني" بلفظ الـ"بي" والـ"أتش"  (ph)، أي بلفظ الفاء، ليصبح هو الشخص المعادي للثقافة الكاره للأدب غير المقدر للفنون والهمجي الذي لا يفهم الذوق المعرفي. أصل الكلمة هو التوصيف الألماني، إذ أطلقت ضمن الصراع الأكاديمي كلمة "فلستر"، من فلسطيني، لوصف الطلبة من الجامعات الأخرى الذين يختلفون معهم ولتحقيرهم، في إشارة إلى أعداء اليهود الفلسطينيين، كما في نصوصِ التوراة. ليس هذا اعتباطا وليس مصادفة ولا مجرد خطأ لفظي أو تاريخي. كان الألمان أول من أدخل هذه الكلمة في قاموسهم في أوروبا، ثم نقلها الكاتب الإنكليزي ماثيو أرنولد الىا للغة الإنكليزية في كتابه "الثقافة والفوضى" الصادر في العام 1869. وكان أرنولد يشير في كتابه إلى جهلِ البرجوازية البريطانية في الفنون. يعرّف قاموس أكسفورد كلمة "فلسطاين" بالفاء بأنه: الشخص الذي لا يفهم الفن ولا الأدب ولا الموسيقى ونقول في السياق "إن ذوقه في الفن فلسطاين"، أي هابط. أما قاموس كمبريدج فيعرّف كلمة "فلسطاين" بأنه الشخص الذي يرفض أن يرى الجمال أو القيم الفنية والثقافية. ويقتبس جملة لتوضيح المعنى تقول: لم أتوقع منهم أن يستمتعوا بفيلم بهذه الجودة، فهم ليسو أكثر من مجموعة من الفلسطاين.

 INTERCONTINENTALE / AFP
وفدان عربي ويهودي خلال اجتماع مع لجنة وقف إطلاق النار في القدس، 1948

ولأننا لسنا كذلك، فإن من المهم وفيما ترمي ذكرى النكبة الأليمة بظلالها علينا التفكير في أن الصراع على الرواية والسردية جزء مهم من معركة استعادة الحقوق المسلوبة وهي معركة بدأتها الصهيونية مبكرا حين استولت على العقل والمخيال الغربيين بغية تجهيز هذا العقل وتسخيره لخدمة مشروعها العنصري القائم على سرقة البلاد من أصحابها.

font change