الحلم مسيجا في محمية الفنان الفلسطيني نبيل عناني

استعادة المكان عبر لوحات نابضة بالحياة

أحد أعمال الفنان الفلسطيني نبيل عناني

الحلم مسيجا في محمية الفنان الفلسطيني نبيل عناني

يمثل الفنان التشكيلي الفلسطيني الرائد نبيل عناني حالة خاصة في عالم الفن العربي المعاصر. فهو لم يشق طريقه الفنية مع زملائه المبدعين ليكرس مفهوم الذاكرة الجماعية الفلسطينية في اللوحات التشكيلية فحسب، بل يستمر رغم الظروف القاتمة، في تقديم أعمال ومعارض جديدة وورش عمل فنية لا سيما للجيل الجديد من الفنانين.

بين حين وآخر يظهر نص عناني الفني منعطفا جديدا في سيرته الفنية لا يقل تعبيرية عما قدمه منذ معرضه الأول سنة 1972 في "جمعية الشبان المسيحية" في القدس، كما لا يقل اقتناعا بسطوة الحقيقة على الواقع العابر الذي تؤلف صوره القوى المعادية للبشرية. فلا تقتصر أعماله على اللوحات المرسومة على القماش، بل تمتد لتكون جداريات ومنحوتات. أعمال لا تزال تتحدث عن فلسطين في خضم زمن ما بعد الحقيقة الذي تصبح فيه كل معلومة موضع تشكيك، وتغتال كل موضوعية على حساب الفردية.

الفن عبر أكثر من قناة

في 1975 أسس نبيل عناني "رابطة الفنانين" مع مجموعة من أبرز الفنانين الفلسطينين الرواد من أمثال سليمان منصور وتيسير بركات، وقد انبثقت لاحقا من هذه الرابطة بالتعاون مع الفنانة الفلسطينية فيرا تماري "جماعة تجريب وابداع" سنة 1989 التي نشطت مع الرابطة في تنظيم معارض عدة جاءت تحت عناوين كبرى مثل معرض "القرية الفلسطينية"، ومعرض "يوم الأرض".

لا يحصر عناني نشاطه الفني ضمن خريطة نهائية، فإلى جانب تقديمه معارض فردية منذ بداية السبعينات، ومع تصاعد الأزمات في الشرق الأوسط، عكف على المشاركة في معارض جماعية خصص ريعها مباشرة لدعم الشعب الفلسطيني. كما دخل مجال تعليم الفن التشكيلي لأجيال متلاحقة من الفنانين في الأردن وشارك في ندوات مختلفة حول مفهوم الأرض والهوية الفلسطينة وحتمية العودة إلى فلسطين. كما كان فاعلا في لجنة التراث الشعبي الفلسطيني التي أتاحت له فرصة إجراء دراسات ميدانية حول الحياة الفلسطينية والتراث الثقافي. وقد ساهمت هذه الدراسة المعمقة في دفعه الى إنتاج كتاب قيم بالتعاون مع زملاء له عن الأزياء الشعبية الفلسطينية.

أما آخر أنشطة عناني فتركزت في حدثين مهمين: الأول هو المعرض الذي أقيم في صالة "زوايا" في دبي، وحمل عنوان "الأرض وأنا"، والثاني "ورشة عمل فنية" نظمها المتحف الفلسطيني. ظهر عناني في معرضه الأخير "الأرض وأنا"، عاشقا أبديا لفلسطين، مستلهما منها مشاهده التي كلما اتسعت ظلت توحي بحميمة غنائية. حميمية تبلورت تشكيليا لتصبح حلما محصنا لا تستطيع قهره أو إزالته جدران الفصل والاحتلال.

ظهر عناني في معرضه الأخير "الأرض وأنا"، عاشقا أبديا لفلسطين، مستلهما منها مشاهده التي كلما اتسعت ظلت توحي بحميمة غنائية

حول هذه القدرة على اجتراح الأمل من فصول الموت المستمرة إلى أجل غير مسمى، يقول عناني لـ"المجلة": "الحاضر المعيش مؤلم وكلنا شاخصة أبصارنا إلى احتمال ضم غزة والضفة الغربية إلى كيان الاحتلال، إضافة إلى ما يحصل يوميا في حق الفلسطينيين من إبادة وتجويع وتعطيش، وصولا إلى تدمير البنية التحتية بهدف جعل فلسطين غير قابلة للعيش. ولكن بالنسبة إليّ، يبقى الأمل حيا في وجداني وتحرير الأرض يبقى راسخا في روحي، وهذا ينعكس في أعمالي الفنية رغم هول المأساة التي نعيشها، ورغم قتامة الوضع السياسي. ألواني أستخدمها نارية زاهية، فهي تحكي قصة الأرض وحقيقتها وجمالها وعمق أصالتها، فهي تشبهنا ونشبهها. وباعتباري أحد مؤسسي 'جماعة التجريب والابداع'، فإنني ما زلت أبحث في الأرض عما يساعدني في نقل صورتها، بخاماتها التي لا تنضب، إلى أعمالي الفنية".

لا يكتفي عناني إذن في تصوير مشاهد فلسطينية عابقة بالأمل، بل يظل منهمكا بالبحث عن طريقة لـ"نقل" الأرض، إذا صح التعبير، بتربتها وملمسها وروائحها إلى عالمه الفني. وكأنه بذلك لا يسعى إلى إنقاذ الصور الذهنية عن فلسطين فحسب، بل فلسطين ذاتها.

لوحة لنبيل عناني

أما النشاط الثاني إلى جانب معرض "أنا والأرض"، فهو ورشة العمل الفنية التي نظمها المتحف الفلسطيني الصيف الماضي، واستهدفت الفنانين الناشئين وطلبة الفنون الجميلة ومتخرجيها. تمحورت الورشة حول استخدام الجلد والحناء في الأعمال الفنية. وقد تعاون الفنان نبيل عناني مع الفنان الشاب يزن أبو سلامة لإقامة سلسلة ورش تعليمية مبنية على تجربة عناني ضمن معرض أطلق عليه عنوان "نحو التجريب والإبداع". كشف من خلال الورشة تقنياته الخاصة في استخدام الجلد والتعامل معه، انطلاقا من جداريته "مسيرة الأشجار" المعروضة ضمن معرض "التجريب والإبداع" في المتحف الفلسطيني. شكلت هذه الجدارية امتدادا لمسيرته الطويلة في العمل بالمواد الطبيعية، مثل الجلود والحناء، ورقائق النحاس والشمع والقش والخشب والبن والكركم والرمل والشاي وغيرها من الخامات المستلهمة من بيئة فلسطين.

من أعمال نبيل عناني

أقانيم التجديد الثلاثة

التجريب والتجديد والتوصيف الإنساني، ثلاثة عناصر اتحدت مع الفنان نبيل عناني وتمظهرت في عدد كبير من أعماله، وفاضت بالتحولات التي ظلت تتمحور حول فلسطين. وعندما نقول التجديد، لا نقصد غزارة الأعمال الفنية المتلاحقة، التي هي فعلا قائمة، ولا لحاقها بما يحصل في العالم الغربي من ابتكارات في عالم الفن المتصل بالتكنولوجيا. ما نقصده هو الإصرار الدائم على استخراج المعاني المتنوعة والإحالات الوجدانية من خلال تناول موضوع الطبيعة في فلسطين.

يبقى الأمل حيا في وجداني وتحرير الأرض يبقى راسخا في روحي وهذا ينعكس في أعمالي الفنية رغم هول المأساة التي نعيشها

من ناحية المواد الفنية، لا يتوقف عناني عند استخدام مادة واحدة، إيمانا منه بأن كل مادة هي عنصر حي يتفرد بخصائص تجعله قادرا على التعبير عن فكرة ما، أفضل من أي مادة أو عنصر آخر. كما انتقى عناصر أولية متنوعة من الطبيعة الفلسطينية، التي ذكرنا بعضها آنفا، ليضيف بعدا ملموسا وعضويا شديد الارتباط بالأرض وأجوائها الحسية، وتنقل بين الألوان الزيتية والأكريليك وأقلام الفحم والباستيل بأريحية واضحة.

أما بالنسبة إلى الأسلوب الفني، فقد رأيناه خلال مسيرته الفنية الطويلة ينغمس في تطويع التعبيرية بجميع لغاتها من الواقعية إلى الرمزية والغنائية والتجريدية وصولا إلى الوحشية والتنقيطية في عمل فني واحد، عبر انسجام تام يفيض بزخم هائل. العديد من أعماله في معرض "الأرض وأنا" تنطبق عليها هذه الكلمات كما تنطبق على عدد آخر من اللوحات شاركها عبر "التواصل الاجتماعي" بعد اختتام معرضه الأخير. هذه الأعمال الأخيرة تؤكد لنا حضور ما يمكن وسمه بـ"التوصيف الإنساني" في فن رسم المشاهد الطبيعية.

من لوحات نبيل عناني

إلى احتفاظها بأهميتها السابقة، تكتسب هذه اللوحات اليوم أهمية مضاعفة لأنها "تحدث" في زمن الذكاء الاصطناعي وما يسمى بـ"الفن المنتج بالذكاء الاصطناعي". المشاهد التي يقدمها الفنان لها مرجعية فكرية وشعورية وخلفية تاريخية تستثير الرغبة عند الناظر إليها في تحليل المعاني واستنباطها من واقع عادي، ومن مشاهد ريفية اعتيادية: استنباط يمكننا من استيعاب دقة علاقتنا المحض إنسانية مع ما يحيط بنا، ومع ما سنبصره بعد التمعن فيه، من اهتزاز تحت وابل من الشكوك، والتفريغ من المحتوى الحقيقي.

لوحات عناني، تسلط الضوء على الاختلاف الكبير ما بين المشاهد الطبيعية التي ينشئها ببرودة فن الذكاء الاصطناعي وتلك المشاهد التي يبدعها الفنان/ الإنسان

لوحات عناني، الذي يبدو للوهلة الأولى أنه لا يزال يعيش في زمن الفرح الفلسطيني، تسلط الضوء على الاختلاف الكبير ما بين المشاهد الطبيعية التي ينشئها ببرودة فن الذكاء الاصطناعي عبر استخدام الخوارزميات والبيانات التدريبية، مفتقرا إلى القصد والعاطفة، وتلك المشاهد التي يبدعها الفنان/ الإنسان المثقل بالتجارب الشخصية والمواقف الوجودية، عقلانية أكانت أم عاطفية.

REUTERS/Osama Silwadi
فنانان فلسطينيان يضعان مجسّما لتمثال الحرية فوق مبنى مدمر داخل مجمع الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات في مدينة رام الله بالضفة الغربية، 31 أكتوبر 2002. ويظهر المشعل متجها إلى الأسفل كرمز لسياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط

ففي حين تشكل المشاهد الطبيعية، مهما اشتد جمالها وتنوعها، من خيالية إلى واقعية بحتة، مجرد "تشكيل" تزييني لمشاهد طبيعية مفرغة من أي معنى شخصي أو جماعي، تأتي لوحات المشاهد الطبيعية التي ينجزها الفنان/الإنسان، نابضة بغنائية معقدة، ذات أصداء في وجدان كل بشري، حسب تجاربه الحياتية، وتركيبة شخصيته المختلفة. وتأتي كذلك لأنها ولدت من عصارة الفرح أو الحزن أو ربما، كما في حالة عناني، من الاثنين معا.

اشتهر عناني بلوحاته التي تصور معالم ظاهرية ووجدانية لمدن وقرى وأحياء فلسطين، في ما يشبه توثيقا غنائيا مطعما بذكرياته. نذكر من هذه اللوحات: "حلحول"، "رأس كركر "، "بيت ليد"، "القدس"، و"الجيب". أما اليوم، فلم تعد لمعظم لوحاته عناوين تشير إلى أمكنة محددة، حتى أنه لم يكتف بعدم إعطاء عناوين لبعض هذه اللوحات، بل جعل ملامح المشاهد المرسومة مفتوحة على نحو يجعلها معبرة عن جميع المناطق الفلسطينية، وهكذا اتسعت حدود لوحته لتشمل فلسطين كلها، كأرض شاملة ووطن نهائي وفكرة لا نهائية.

عمل لنبيل عناني

من ناحية أخرى، غالبا ما ينظر إلى الحلم على أنه وسيلة للهروب من الواقع، ولكنه حتما ليس كذلك مع ما يقدمه نبيل عناني. فالفن بالنسبة إلى عناني هو الرافعة التي لا تنفك عن إخراج فلسطين حية تتنفس من بين كل حطام وموت.

الفن بالنسبة إلى عناني هو الرافعة التي لا تنفك عن إخراج فلسطين حية تتنفس من بين كل حطام وموت

يذكر أن الفنان من مواليد مدينة اللطرون عام 1943، خريج قسم التصوير الزيتي في كلية الفنون الجميلة بجامعة الإسكندرية عام 1969، وحاصل على درجة الماجستير من قسم الآثار الإسلامية بجامعة القدس عام 1998، عضو مؤسس لرابطة الفنانين التشكيليين الفلسطينيين عام 1975 ولجنة الأبحاث والتراث الشعبي الفلسطيني في جمعية إنعاش الأسرة، ومشارك في تأليف كتابي "الأزياء الشعبية الفلسطينية" و"دليل فن التطريز الفلسطيني"، وساعد في إقامة "المتحف في الجمعية"عام 1984، كما عمل ضمن طاقم تطوير الحرف اليدوية الفلسطينية في جامعة بير زيت عام 1985، وهو أيضا عضو "جماعة التجريب والإبداع" ومؤسس لمركز الواسطي للفنون الجميلة بمدينة القدس. أقام العديد من المعارض الفردية وشارك في معارض جماعية داخل فلسطين المحتلة وفي الأردن ومصر ولبنان وتونس والإمارات وقطر والمغرب والولايات المتحدة وكندا والدانمارك وإسبانيا وألمانيا وروسيا والنروج والنمسا وإيطاليا وبلجيكا والمملكة المتحدة واليابان. يذكر أيضا أن عناني حاصل على مجموعة من الجوائز العربية والدولية، منها جائزة الدولة للفن التشكيلي الفلسطيني عام 1997، وجائزة الملك عبدالله الثاني بن الحسين للإبداع عام 2006.

font change

مقالات ذات صلة