سعد البازعي لـ "المجلة": الاستشراق له إنجازات عظيمة تجب الإشادة بها

لا يتوقف عند البعد الاستعماري والسياسي

Amira Tanany
Amira Tanany

سعد البازعي لـ "المجلة": الاستشراق له إنجازات عظيمة تجب الإشادة بها

يعد حقل الاستشراق من أكثر الحقول المعرفية إثارة للجدل في الدراسات الثقافية والعلاقات بين الشرق والغرب.

وفي قلب الجدل العالمي حول "الاستشراق" يقدم صوت أكاديمي من قلب العالم العربي، رؤية جديدة ومتوازنة تتجاوز الثنائية التقليدية بين عداء مطلق أو إعجاب ساذج، وينظر إليه بوصفه ظاهرة مركبة، لها إنجازاتها المعرفية من ناحية، وتوظيفاتها السياسية من ناحية أخرى، هذا الصوت هو صوت المفكر سعد البازعي، حيث يقول "كوني لا أشيطن الاستشراق لا يعني أنني أقف محايدا إزاءه، أحاول أن أراه من حيث هو ظاهرة ضخمة وشديدة التعقيد".

ويعد د. سعد البازعي من أبرز النقاد والباحثين المعروفين على الصعيد الثقافي العربي. ولد البازعي في القريات، بالمملكة العربية السعودية (1953)، حاصل على الدكتوراه في الأدب الإنكليزي والأميركي من جامعة بيردو Purdue عام 1983، وكانت أطروحته حول "الاستشراق في الآداب الأوروبية".

له عدد من المؤلفات الفكرية والأدبية منها: "استقبال الآخر-الغرب في النقد العربي الحديث" (2004)، و"المكون اليهودي في الحضارة الغربية" (2007)، و"أزمات الثقافة: المفاهيم، المناهج، الاحتمالات" (2024).

على المثقفين غير الغربيين، العرب منهم بصفة خاصة، الكشف عن وجوه التحيز والتشويه في الدراسات التي تصدر أحيانا وتسيء لأمتهم وثقافتهم

تحاور "المجلة" الدكتور البازعي، الذي يقدم رؤية لافتة حول التمييز بين الاستشراق الأدبي والعلمي، ودور المخطوطات العربية في نهضة أوروبا، وطبيعة "الاستشراق الجديد" المعاصر، ويتحدث عن التعقيدات التي يمليها تاريخ طويل من التمثيلات المتبادلة بين العالمين العربي والغربي.

تلتقي مع إدوارد سعيد في النظر إلى الاستشراق بوصفه "بنية فكرية" أكثر من كونه مجرد تراكم معرفي. هل كان كتابه "الاستشراق" (1978)، دافعا لمواصلة بحثك في فهم الغرب وموقفه من الثقافة العربية؟

ظهر كتاب "الاستشراق" للمفكر الفلسطيني/الأميركي إدوارد سعيد، بينما كنت أضع الخطوط الأولى لأطروحتي للدكتوراه حول ما أسميته "الاستشراق الأدبي"، وكان ظهوره مؤثرا بصورة مباشرة في دراستي لظاهرة الاستشراق بالرغم من اختلاف وجهتي آنذاك عن تلك التي اختطها سعيد. كنت معنيا بدراسة الكيفية التي ظهرت بها صور الشرق العربي الإسلامي في الآداب الغربية وليس بالأبعاد السياسية ذات الطابع الاستعماري للاستشراق العلمي أو البحثي.

وأطروحة سعيد تضمنت دون شك بعض الفجوات التي أدركها بنفسه وأشار إليها نقاده. لكن فكرة توظيف الاستشراق في المشروع الاستعماري لا غبار عليها. المشكلة في أن سعيد اختار ذلك التوظيف وأبرزه بحيث بدا أن الاستشراق ليس سوى أداة استعمارية. الاستشراق كان ولا يزال بصوره الجديدة أوسع من ذلك وله إنجازات عظيمة يجب الاعتراف بها، بل والإشادة بها.

المركزية المتعالية

هناك تيار مؤسسي غربي مارس سلطته عبر كشوفات المستشرقين وخطابهم، تجلى في نزعة مركزية متعالية وتحكم في الآخر الشرقي عبر التقارير والخطاب الاستعماري. هل تؤيدون هذا التصور؟  

نعم، أتفق مع هذا وهو واضح في دوائر القرار السياسي الغربي وكذلك في مراكز البحث المنتشرة في أوروبا والولايات المتحدة.

ما الدور الذي ينبغي أن ينهض به المثقفون الشرقيون والباحثون العرب في الجامعات الغربية لمواجهة الطروحات الغربية حول الشرق؟

على المثقفين غير الغربيين، العرب منهم بصفة خاصة، الكشف عن وجوه التحيز والتشويه في الدراسات التي تصدر أحيانا وتسيء لأمتهم وثقافتهم.

الاستشراق متعدد الوجوه، لكنه في الأساس جملة من المساعي التي نشأت في أوروبا للتعرف على الثقافات الشرقية

 والكشف يأتي بدراسة الخطابات الغربية غير المنصفة. لكني أرى أن يدرسوها بإنصاف أيضا لكي لا يقعوا في ذات التحيز الذي وقع فيه الآخر. علينا أن نبني جسورا للمعرفة في الوقت الذي نقاوم فيه أشكال الظلم والإساءة، وغير الغربيين من الباحثين في الجامعات الغربية يتحملون العبء الأكبر في هذا السبيل.

الوسطية

يصف البعض موقفكم من الاستشراق بأنه لا يشيطنه كليا ولا يراه بريئا تماما، بل تضعونه بين البحث العلمي والخيال الثقافي. كيف بلورتم هذه الرؤية الوسطية؟

أنا أسميها رؤية مركبة، رؤية تحاول أن ترى مختلف الوجوه وتقف على مسافة منها جميعا، لأن الوسطية، كما تفهم، تعبر عن "اللاموقف" وأنا لي موقف من الاستشراق عبرت عنه في رسالتي للدكتوراه ثم في كتب ومقالات كثيرة أخرى. كوني لا أشيطن الاستشراق لا يعني أنني أقف محايدا إزاءه. أحاول أن أراه من حيث هو ظاهرة ضخمة وشديدة التعقيد، والمواقف الحادة لا تعين على ذلك.

في كتابك "استقبال الآخر" تجاوزت النظرة الأحادية التي تحصر العرب في موقع "الموضوع" والغرب في موقع "الفاعل". هل يمكن اليوم إنتاج خطاب عربي مستقل يعيد السردية من الداخل؟

في "استقبال الآخر" وقفت على الكيفية التي تلقى فيها عدد من النقاد العرب النظريات والمناهج النقدية الغربية وبينت أن ذلك التلقي أو ما سميته "الاستقبال" بعيد عن الوعي بإشكاليات تلك النظريات والمناهج وأنهم يفضلون التوظيف السهل أو غير المؤشكل باختلاف الأرضيات التي انطلقت منها تلك النظريات والمناهج في تحليل الأدب.

الاستيهام بالشرق

يرى المستشرق الألماني رودي باريت أن الاستشراق علم يختص بفقه اللغة وعلوم الشرق. بينما يرى آخرون أنه أثر متبادل في بناء الحضارة الإنسانية. إلى أي مدى تتفق مع هذا الطرح؟

الاستشراق متعدد الوجوه، لكنه في الأساس جملة من المساعي التي نشأت في أوروبا للتعرف على الثقافات الشرقية والتي أدت إلى تراكم المعرفة بتلك الثقافات بحيث أمكن توظيفها أحيانا لخدمة أهداف تتجاوز المعرفة العلمية إلى الهيمنة في مختلف صورها.

نفائس المخطوطات

شكلت المخطوطات العربية القديمة محور اهتمام مبكر لدى المستشرقين الأوروبيين. ماذا أضافت هذه المخطوطات الموزعة في مكتبات العالم إلى التراث الإنساني؟

كان الكثير من تلك المخطوطات الأساس الذي بنيت عليه بعض أشهر مكتبات أوروبا، مثل المكتبة الوطنية بباريس ومكتبة البودليان بجامعة أكسفورد، إلى جانب مكتبات في هولندا وإسبانيا وغيرها.

كانت المخطوطات العربية أساسا لنهضة أوروبا الحديثة إلى جانب التراث اليوناني والروماني والمسيحي -اليهودي

 ومن هنا كانت المخطوطات العربية أساسا لنهضة أوروبا الحديثة إلى جانب التراث اليوناني والروماني والمسيحي- اليهودي. كثير من المؤرخين والمفكرين الغربيين يتجاهلون هذه الحقيقة التي أثبتها في الفترة الأخيرة باحثون من دول غربية مختلفة.

كيف أثر الاستشراق الأدبي على صورة الشرق في الأدب الغربي؟ وهل ساهم في تكريس صور نمطية عن العرب والمسلمين؟

الاستشراق الأدبي كان صدى لمعتقدات دينية ومواقف سياسية تنامت في الثقافات الأوروبية منذ العصور الوسطى، لكن الصدى تحول إلى قوة تكرس تلك المعتقدات النمطية. غير أن دراستي للاستشراق الأدبي أوضحت أنه تطور مع مرور الوقت وتغيرت طبيعة العلاقات الغربية- الشرقية لتنتقل من العداء المستحكم في أدب العصور الوسطى إلى الانفتاح بل الإعجاب في الأدب الرومانسي والحديث، ويعود السبب في ذلك إلى خفوت الباعث الديني من ناحية وابتعاد الكثير من الكتاب عن نوازع الاستعمار والكراهية بل ورفضهم إياها، علما بأن الأنماط ظلت مسيطرة سواء في جانبها السلبي أو الإيجابي.

Amira Tanany
الاستشراق

صور مزدوجة

هناك تمييز بين الاستشراق الأدبي والعلمي. ما أبرز الفوارق بينهما؟ وهل كان الاستشراق العلمي بالفعل أكثر موضوعية؟

الاستشراق الأدبي مجموعة مواقف وصور أدبية وليس بحثا أو دراسة للشرق. هو رؤى وآراء وأخيلة وأساليب شعرية وسردية اصطبغت بها الآداب الغربية على مر العصور، كما في توظيف "ألف ليلة وليلة"، أو في التأثر بسرديات الرحالة. ومن هنا فهو مختلف تماما عما يقوم به المستشرق العالم أو الباحث في دراسته لثقافات آسيا أو العالم العربي.

كيف تقيم "الاستشراق الجديد" الذي اتجه إلى دراسة الإسلام السياسي والهجرة والإعلام؟ هل هو قطيعة مع الاستشراق الكلاسيكي، أم مجرد امتداد له بصيغ محدثة؟

في بعض جوانبه يمكن النظر إلى الاستشراق الجديد من حيث هو امتداد للقديم من النواحي البحثية الفيلولوجية، ولكني ألمح تحولا كبيرا لدى بعض المستشرقين أو المستعربين الجدد يجعلهم أكثر تماهيا مع الثقافات غير الغربية، أو أكثر إنصافا لتلك الثقافات ودورها التاريخي، وقد كتبت عن بعض أولئك في بعض المقالات والمحاضرات والكتب.

font change