أهمية الأدب هي في دفعنا إلى سبر أكثر جوانب وجودنا إثارة وقلقا، وفي مساعدتنا على صوغ رؤية عميقة وجديدة لأنفسنا، للآخر، وللعالم الذي نعيش فيه، بماضيه وحاضره ومستقبله.
هذا تماما ما يختبره قارئ رواية الكاتب الإسباني اللامع لويس فينسنتي مورا، "وسط أوروبا" (2020)، التي صدرت ترجمتها الفرنسية حديثا في باريس عن دار "موريس نادو". عمل مذهل يقرأ بنفس واحد لأسباب متعددة، لا تقتصر على تمكن مؤلفه من ابتكار شخصية جذابة للغاية – ريدو هاوبتشامر – محاطة بالغموض ومشبعة بقدر كبير من التضليل، ولا على نثره إشارات في سرديته إلى لغز لا يتكشف إلا تدريجيا، مما يشحذ فضول القارئ ويبقيه مشدودا إلى النص، بل تمتد إلى قدرته على بناء عالم روائي كثيف تتشابك فيه الدلالة التاريخية مع البعد النفسي والرمزي.
مسرح التحولات
تدور أحداث الرواية، كما يوحي عنوانها، في وسط أوروبا خلال القرن التاسع عشر، بين النمسا وبروسيا، وفي جزء كبير منها داخل بلدة زوندن الألمانية؛ ذلك "المكان الصغير بحيث أن اسمه لم يكن معروفا، ولا يزال، إلا في المناطق المحيطة به مباشرة".
اختيار هذا المكان ليس اعتباطيا، بل يعكس رغبة الكاتب في جعل الهامش مسرحا لتحولات كبرى، وفي إظهار كيف يمكن الأحداث المصيرية أن تقع بعيدا من مراكز القرار، في أماكن تبدو للوهلة الأولى خارج التاريخ.
في هذه البلدة، كان ريدو يعتزم الاستقرار مع زوجته أودرا في قطعة أرض تمكن، بفضل الإصلاحات الزراعية الأخيرة، من امتلاكها قانونيا، مما جعله أول مزارع حر في زوندن.
لكن القدر كان قاسيا، إذ لقيت أودرا حتفها في الطريق، فوصل ريدو وحيدا حاملا نعشها، عازما على دفنها في أرضه الجديدة. بيد أن مفاجأة صادمة كانت في انتظاره حين بدأ الحفر، إذ عثر على جثة متجمدة، ثم أخرى، ثم أخرى... ليكتشف مقبرة حقيقية لجنود قتلى.
على مدار جزء كبير من الرواية، يسعى ريدو عبثا إلى معرفة ما الذي ينبغي فعله بهذه الجثث الملعونة التي لا يذوب عنها الجليد، ولا تتحلل. ومع فشل جهوده في التوصل إلى حل، ينتهي به المطاف إلى دفن زوجته تحت أرضية المنزل، لتظل قريبة منه، وغرس جثث الجنود في تربة مزرعته كفزاعات تمنع الطيور من أكل بذور الشمندر التي بدأ بزراعتها، ريثما تتخذ السلطات العليا قرارها في شأن هذه القضية.


