مطار القليعات شمال لبنان... ما الأبعاد السياسية والاقتصادية لافتتاحه؟

في "لحظة تاريخية"، هبطت طائرة رئيس مجلس الوزراء نواف سلّام في المطار في 6 يونيو، إيذاناً بإطلاق مسار إعادته للخدمة

.أ.ف.ب
.أ.ف.ب
أول طائرة مدنية تهبط في مطار القليعات منذ أربعين سنة، 6 يونيو 2026

مطار القليعات شمال لبنان... ما الأبعاد السياسية والاقتصادية لافتتاحه؟

يقترب حلم تشغيل مطار القليعات شمال لبنان من التحقق، مما ينعكس إيجابا على الاقتصاد الوطني، في ملاقاة لاحتياجات اللبنانيين، مع بروز متاعب عديدة للانتقال من الشمال إلى بيروت، ووجود تحديات متنوعة أمنية وسياسية فضلا عن تلك الاقتصادية. ولا يبدو المطار مجرد بنية تحتية، بل مساهمة لتحقيق موارد اقتصادية متنوعة، بعد حرمان مزمن للمنطقة من المشاريع الحيوية والاستثمارات الكبرى.

وفي "لحظة تاريخية"، هبطت طائرة رئيس مجلس الوزراء اللبناني نواف سلّام في المطار في 6 يونيو/حزيران، إيذاناً بإطلاق مسار تأهيله وإعادته للخدمة، بعد عقود من المطالبات بتشغيله إلى جانب "مطار رفيق الحريري الدولي" في بيروت الذي يتمتع "حزب الله" بنفوذ واسع فيه.

يقع المطار في شمال لبنان، ويبعد قرابة 25 كيلومترا عن مدينة طرابلس في محافظة عكار. وأنشئ في نهاية الثلاثينات من القرن الماضي، واستخدم لاحقا كقاعدة جوية عسكرية، وكمطار مدني داخلي بين عامي 1988 و1995، قبل أن يتوقف تشغيله التجاري.

​يعود مطار القليعات، أو كما يعرف بمطار رينيه معوض في عكار، إلى الواجهة مجددا، إذ تتسارع التحركات لإعادة تأهيله، ووضعه في خدمة النقل الجوي. وتراهن الدولة عليه لإعادة وصل شمال لبنان بالدورة الاقتصادية، في وقت يبدو لبنان في أمس الحاجة إلى إنعاش الاقتصاد.

ومع اقتراب مرحلة التشغيل، سجلت أسعار العقارات والإيجارات في المنطقة المحيطة بالمطار، ارتفاعا مضطردا. وقد أنجز دفتر الشروط الخاص بالتشغيل والاستثمار قبل أن تطلب "الهيئة العامة للطيران المدني" إدخال تعديلات إضافية عليه، من شأنها أن تعزز مبدأ شفافية التلزيم والعقود، وتساعد في تحويل المشروع إلى استثمار مربح، أي أنه لن يحتاج الدولة ماليا حتى في حال تعثره.

أعلنت وزارة الأشغال والنقل أن عملية فض العروض "خطوة تشكل محطة مفصلية على طريق إعادة تشغيل مطار مدني ثان في لبنان بعد عقود من الانتظار"

وتتيح الشروط والتعديلات الجديدة للمستثمر، إشغال المطار بالكامل، وتلزمه إنشاء وتجهيز مبنى للركاب، وتجهيز شبكة تزويد الطائرات الوقود، وتوفير الخدمات الأرضية، بالإضافة إلى إدارة الشحن الجوي، وتشغيل خدمات الركاب والأمتعة والتموين والتغليف، مما يعني أن المستثمر سيدير المطار منفردا بكامل وظائفه التشغيلية.

من فاز بعقد تشغيل مطار القليعات - رينيه معوض؟ 

وفازت بعقد التشغيل شركة "سكاي لاونغ" (Sky Lounge) برئاسة زياد المنلا، كما فازت حتى نهاية المزايدة شركة "لات" (LAT)، بعد بقاء ثلاث شركات في المنافسة من أصل 18 شركة استبعدت غالبيتها، لعدم استيفائها المعايير المعتمدة في دفتر الشروط.

.أ.ف.ب
رئيس الوزراء اللبناني لدى وصوله الى مطار القليعات، 6 يونيو 2026

وأعلنت وزارة الأشغال والنقل أن عملية فض العروض هي "خطوة تشكل محطة مفصلية على طريق إعادة تشغيل مطار مدني ثان في لبنان بعد عقود من الانتظار"، واعتبرت "أن إعادة تشغيل المطار ليست مجرد مشروع استثماري. بل خطوة وطنية استراتيجية، لتعزيز البنية التحتية للنقل الجوي، وتخفيف الضغط عن مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت، وتوسيع القدرات التشغيلية للطيران المدني اللبناني". وقالت في بيانها، "إنه يُنتظر أن يشكل المشروع رافعة اقتصادية وإنمائية لشمال لبنان وعكار، من خلال تنشيط الحركة السياحية، والتجارية والخدمات اللوجستية، وخلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، مما يعزز موقع المنطقة، ضمن الدورة الاقتصادية الوطنية". واعتبرت الوزارة أن مشاركة 18 شركة في المزايدة "تعكس تنامي الثقة بجدوى المشروع وأهميته".

ولحظت التعديلات الجوانب القانونية والمالية. فرفعت قيمة "ضمان العرض" إلى 150 ألف دولار، وزادت الحد الأدنى لسعر الافتتاح إلى 200 ألف دولار. ومنعت أي ائتلاف مستثمر من تغيير التركيبة القانونية، بعد تقديم العرض، الأمر الذي أدى إلى ضمان وضوح المسؤوليات، ومنع الالتفاف على شروط المنافسة. كذلك ألزمت وزارة الأشغال العامة تأهيل الطريق المؤدية إلى المطار خلال مهلة 90 يوما، إذ اعتبرت أن نجاح المشروع يرتبط بالبنية المحيطة به أيضا.

وقال رئيس الهيئة العامة للطيران المدني محمد عزيز في حديث الى "المجلة"، إن "التنسيق جار مع كل المعنيين لتحديد كل المتطلبات وتنفيذ كل ما يجب تحقيقه بكل سلاسة ودقة. وبعد المزايدة التي حصلت، كانت هناك مهلة عشرة أيام للشراء العام لإعلان النتيجة النهائية للمزايدة الى ان فازت شركة  "Sky Lounge" بالعقد. على أن تبدأ التحضيرات فورا ولمدة تسعين يوما، وبالتالي أتوقع أن يبدأ تشغيل هذا المطار في شهر أغسطس/آب المقبل، أو في شهر أيلول/سبتمبر".

مساحة المطار 3 مليون متر مربع والدولة استملكت مليوني متر مربع ستضاف اليه، واستثماره لأربع سنوات ويمكن السوريين استخدامه أيضا لقربه من الحدود مع سوريا

رئيس الهيئة العامة للطيران المدني محمد عزيز

وأوضح عزيز أن شركتي شركة "سكاي لاونغ" و"لات" "هما اللتان بقيتا للإعلان الأخير واستوفتا الشروط الإدارية والتقنية، مما أدى إلى فتح العرض المالي"، وأشار إلى أن "مستوى السلامة العامة للطيران والأمن والصيانة أمور أساس في المطار، مثله مثل الشروط المتوافرة لدى مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت".

واوضح ان "مطار القليعات لا يستوعب حاليا طائرات كبيرة، بل متوسطة، وهي نوعان. أي تلك المشابهة للتي لدى طيران الشرق الأوسط أو أصغر أيضا بقليل. وإذا حددنا لها الحد الأقصى للوزن يمكنها استخدام مدارج المطار بسهولة، فكلما انخفض الوزن عند الإقلاع، كان ذلك أفضل. ونعني بالطائرة الصغيرة، تلك التي تستوعب نحو مئة وعشرة ركاب. ويمكنها أن تقلع بسهولة من هذا المطار إلى أوروبا والشرق الأوسط بشكل عام".

ولفت عزيز إلى أن "مساحة المطار المُصَوَّنة تبلغ 3 مليون متر مربع، والدولة استملكت مليوني متر مربع إضافية له. ونحن نتابع ذلك لنرى موقعها، لا سيما إذا أردنا تكبير حجم المطار ومساحته، واستثماره لمدى طويل. الآن استثماره مرحلي لأربع سنوات. أما إذا أطلقنا شراكة بين القطاعين العام والخاص، فيرتفع مستوى تشغيله".

وقال "إن استثمار المطار، يجعل المواطن الشمالي يتشبث بأرضه، وهذا المرفق يؤمّن فرص عمل للعديد من أهالي المنطقة". وكشف أنه "تجري اتصالات مع السلطات السورية، بما يسمح للمواطنين السوريين باستخدام هذا المطار، نظرا لقربه من الحدود مع سوريا. وسيتم الطلب إلى الأمن العام والجمارك على الحدود البرية مع سوريا تسهيل الحركة السورية المتعلقة بالمطار، الذي سيشجع الصناعة والتجارة، وسيكون معبرا أمام الاستيراد والتصدير وإعادة التأهيل وتجهيز المطار لوجستيا وإداريا، وإنشاء قاعات الانتظار والاستقبال، إلى جانب إعداد المكاتب الخاصة بالإدارات الأمنية والجمركية، وهذا ما يحصل حاليا، ويتم وفق المعايير المعتمدة في المطارات المدنية".

.أ.ف.ب
برج المراقبة في مطار القليعات، 6 يونيو 2026

يشكل مطار القليعات ركنا مهما في الاقتصاد اللبناني والاستثمار. ويقول أستاذ الاقتصاد الدكتور انيس بو دياب في حديثه إلى "المجلة"، انه "من الاهمية بمكان ان يلجأ لبنان الى تنويع البنية التحتية السياسية والاقتصادية، ليحقق ريادة في الامن القومي والاستراتيجيا السياسية. اذ لا توجد دولة لديها مطار واحد. فكيف لبنان الذي يواجه تحديات سياسية وامنية، مما يجعل تنويع البنية التحتية السياسية مسألة اساسية. اما اقتصاديا فيمثّل المطار الجاري العمل لتشغيله، احد اهم محركات النمو الاقتصادي، خصوصا عندما تقوم الدولة بإشراك القطاعين العام والخاص في مشاريعها. فهناك اهمية للمنطقة الواقع فيها المطار، ولضخ الاستثمارات الكبيرة بهذا الحجم، وتنويع القدرات بالنسبة الى مصادر الاستيراد والتصدير للسلع، خصوصا السلع السريعة التوصيل. كما ان الاكتظاظ الكبير في مطار بيروت، يعيق الحركة، ويعطل التنقلات السياحية. ومن شان وجود مطار ثانٍ، أن يعزز حركة السفر الى لبنان. وفي الاساس يجب وجود مطار اخر في كل بلد، نظرا لإمكان حصول اي طارئ للمطار الاساس".

فتح مطار القليعات يحقق الابعاد السياسية في التوجه نحو اللامركزية المؤسساتية تنفيذا للدستور. فهو يكسر مركزية وجود مطار واحد وهو سبيل للانماء ويسحب ورقة شل لبنان عبر اقفال طريق مطار بيروت

أستاذ العلوم السياسية في جامعات باريس محيي الدين الشحيمي

وقال بودياب انه "يمكن استخدام مطار رينيه معوض لطائرات الشحن والطائرات الخفيفة او "low cost". لا سيما اذا وجدت رؤية استراتيجية كاملة لتطوير منطقة الشمال بسواحلها وجبالها، من البترون وصولا الى الضنية وعكار وتعزيز السياحة فيها. وهي من افضل المناطق زراعيا، ويمكنها ان تحتل مرتبة عالية في مجال الصناعة الغذائية. فاذا استخدم المطار للشحن الجوي السريع، والسلع الغذائية السريعة التوصيل، فإنه سيحقق مردودا ماليا لدى اصحاب هذه القطاعات، ويوفر فرص عمل اضافية في نواحي الاستثمار الزراعي والسياحي، هذا في وقت لطالما كان الشمال محروما من التنمية والتطوير". ولفت الى "اهمية ان يتكامل المطار في الشمال مع حركة مرفأ طرابلس. فتتكامل سلاسل الامداد الصناعي والزراعي والسياحي، مع مرفأ بيروت ومطارها. كما يحصل تكامل مع مرافئ ومطارات سوريا وصولا الى الخليج شرقا، واوروبا غربا".

​وقال "هناك تمن ان تكون لدى هذا المطار، قدرة تنافسية عالية، واستخدام شركات طيران اجنبية له، ليفتح آفاقاً اوسع في مجال السياحة وريادة الاعمال والتنقلات. كما انه يمكن ان يكون من اهم المساهمين في اعادة اعمار سوريا، ويسهّل عمل الشركات التي تعتمد الشمال مركز اعمالها، وسوريا موطئ استثماراتها، مما يقدم تكاملا اقتصاديا كبيرا. وهذا يحتاج الى رؤية اقتصادية واسعة، واستقرار سياسي وامني في لبنان، والى اعادة تفعيل وتنشيط القطاع المصرفي، الذي يستطيع تأدية دور بارز في هذا الاطار".

ما الأبعاد السياسية لتشغيل مطار القليعات - رينية معوض؟ 

وفند أستاذ العلوم السياسية في جامعات باريس محيي الدين الشحيمي في حديث إلى "المجلة" الأبعاد السياسية لتشغيل هذا المطار، قائلا: "إنه يمثل نوعا من الكسر الاستراتيجي لمركزية وجود مطار واحد، وسبيلا لتطبيق الإنماء المتوازن وهذا ما نص عليه الدستور اللبناني. كما أنه يشكل بوابة العبور، والنقطة المحورية في منطقة تعتبر نقطة ارتكاز حيوية مع العمق العربي، بدءا من البوابة السورية، ويؤمن خطوة تشاركية في حركية التعامل الاجتماعي-السياسي -الاقتصادي، مما ينعكس على زيادة الشراكات في القطاعات الاقتصادية، لا سيما الصناعة والسياحة والنقل وغيرها".

وأشار إلى أن تشغيل هذا المطار "يشكل بوابة صحيحة لتطبيق اللامركزية التي جاءت في وثيقة الوفاق الوطني، ويمثل جرأة من العهد الحالي في التعبير عن ذلك. إن هذا المشروع هو مدخل للتنمية على عتبة لبنان الشمالي، مما يخلق ارتياحا في الوسط الاقتصادي جراء تخفيف الضغط عن مطار بيروت، ويسهل الانتقال والعبور الاقتصادي وسلاسل الإمداد الداخلية، ويؤدي إلى توازن في الرساميل بين المناطق، ونظرا لقرب المطار من مرفأ طرابلس، هناك أهمية استراتيجية لانعكاساته، إذ إن طرابلس ليست فقط بوابة الشمال، بل هي من أهم المدن على البحر المتوسط كموقع جغرافي. وهي تحتاج إلى التحديث الهيكلي والتكنولوجي. وستكون طرابلس التاريخية حاضرة على الخريطة السياحية التي سيعمل المطار في توسيع التعرف إليها. مع ما يحتاجه أيضاً الاوتوستراد الشمالي للوصول من طرابلس إلى المطار، من توسعة واستكمال، وصولا إلى الحدود اللبنانية – السورية". ولفت إلى "أهمية التعامل بالسياسة، من بوابة تغيير نمطي، بعد الخطوط الحمراء التي رُسمت سابقا. وليس هناك اللامركزية الإدارية فحسب، بل اللامركزية في القطاعات والمؤسسات لا سيما النقل الجوي بمفهومه كتشكيل قانوني إداري متعدد المركزيات، ويهدف إلى تأمين المصلحة العليا، لكل شرائح المجتمع من الاطراف الى الداخل، وتقديم الخدمة بعدالة ومساواة". ومن شأن تشغيل مطار القليعات أن يقفل الباب امام التهديد بشل البلد نتيجة التهديد بإقفال طريق مطار بيروت.

font change

مقالات ذات صلة