النقطة الرئيسة التي يجب الانطلاق منها لقراءة الوضع اللبناني الحالي هي أن ما يجري في الجنوب اللبناني حاليا أمر غير مسبوق في أي من الحروب التي شهدها لبنان، سواء لجهة التدمير الكامل للقرى الحدودية وبالأخص لمدن كبيرة مثل بنت جبيل والخيام، أو لجهة تهجير سكان شمال نهر الليطاني، إضافة إلى سكان الضاحية الجنوبية لبيروت، مع استثناءات ضئيلة. هذه الكتلة البشرية الضخمة، والتي تبلغ نحو المليون شخص، تركت بيوتها وقراها، وانتشرت في مختلف الأراضي اللبنانية، في تطور استثنائي عبر التاريخ اللبناني، لا يمكن التعامل معه بالأدوات السياسية والنفسية المستخدمة خلال الحروب والأزمات السابقة.
نحن إذن، والحال هذه، أمام نكبة شاملة متكاملة الأوصاف. فإلى جانب التدمير الممنهج للقرى والبلدات، والتهجير المليوني للمواطنين الشيعة في جنوب لبنان والضاحية الجنوبية لبيروت، تتواصل عمليات القصف اليومية، كما تستمر المطاردة الإسرائيلية لمقاتلين شباب من "حزب الله"، يسقطون على الطرقات هنا وهناك كالطيور الشريدة، في مشهد يؤكد المعاني العميقة لهذه النكبة. ذلك أن عشرات، بل مئات وآلافا من الشبان، قد قتلوا خلال هذه الحرب، التي كانت نتيجتها حتى الآن تدمير القرى الحدودية اللبنانية والتهجير الواسع للمواطنين الشيعة، ما يطرح على الدوام سؤالا حول جدوى هذه الحرب وميزان الربح والخسارة فيها.
مرّة جديدة تجدر الإشارة إلى أنه لم يسبق أن شهد لبنان هجرة بهذه الكثافة في تاريخه. صحيح أن هجرات جماعية حصلت خلال الحرب الأهلية، ولا سيما في منطقة الجبل، حيث تهجر السكان المسيحيون إثر ما عرف بـ"حرب الجبل" بين "الحزب التقدمي الاشتراكي" و"القوات اللبنانية"، إلا أن أعدادهم كانت أقل بكثير من أعداد النازحين الشيعة حاليا، الذين تفرقوا في مختلف المناطق، وقصدوا الساحات العامة والمدارس ومراكز الإيواء، باستثناء الأثرياء أو من لديهم القدرة على استئجار منازل في المناطق الأخرى، ولاسيما بيروت التي يتركز فيها نحو 40 في المئة من المهجرين.
هذا الواقع المرّ يفتح الباب أمام تساؤلات كبيرة حول مسار هذه الهجرة الشيعية، أو ما يمكن تسميته "التغريبة الشيعية"، من حيث مستقبلها واتجاهاتها، وخصوصا في ظل السؤال المفتوح حول توقيت انسحاب إسرائيل، ومتى ستصبح العودة ممكنة إلى قرى الشريط الحدودي، أو إلى قرى الحافة الأمامية كما تسمى، أو حتى إلى شمال نهر الليطاني، حيث لم تعد الحياة آمنة بأي شكل من الأشكال، في ظل العدوانية والإنذارات الإسرائيلية التي تطال كل يوم بلدات جديدة.
بعبارات أخرى، إن هذا التدمير الذي طال البنيان الاجتماعي والعمراني للبيئة الشيعية في لبنان، ولا سيما في الجنوب، يطرح أسئلة عميقة حول المستقبل الديموغرافي للشيعة في البلاد، وحول المتغيرات السياسية والاقتصادية الاجتماعية التي ستنتجها هجرتهم في كامل الجغرافيا اللبنانية، إذ ورغم كل المخاوف الأمنية والحساسيات السياسية، فإنه ليست هناك مناطق مقفلة أمام مهجري الجنوب والضاحية.



