كشفت لقاءات نيقوسيا، على هامش الاجتماع غير الرسمي الجامع بين قادة الاتحاد الأوروبي والعالم العربي في أواخر أبريل/نيسان، عن عمق الاهتمام المصري بالمسار اللبناني في هذه المرحلة الدقيقة. وقد أفصح الرئيس عبد الفتاح السيسي في حديثه مع نظيره اللبناني جوزيف عون عن جملة من المخاوف المصرية المتعلقة بمسار الأوضاع في لبنان، في مقدّمتها التصعيد العسكري الإسرائيلي على الأراضي اللبنانية، وملف العلاقة مع "حزب الله"، إضافة إلى مآلات المساعي الأميركية الرامية إلى التوصل إلى تسوية بين بيروت وتل أبيب. ويأتي هذا الاهتمام المصري المُعلن في سياق التحولات الإقليمية المتسارعة التي تجعل من الملف اللبناني ورقة محورية في أي معادلة توازن مقبل.
وعلى هامش الجلسات، جمع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والرئيس السوري أحمد الشرع لقاء موجز على هامش التقاط الصورة الرسمية للمشاركين في القمة، وهو لقاء يكتسب دلالته من السياق الثنائي المعقّد بين البلدين، أكثر مما يكشفه في ظاهره.
وفي غضون أيام من انعقاد القمة، بادرت دمشق إلى استثمار ذلك التواصل، إذ أوفدت وزير خارجيتها أسعد الشيباني إلى القاهرة للقاء نظيره المصري بدر عبد العاطي، في إشارة إلى رغبة سورية واضحة في تحريك مسار العلاقة مع مصر بعد طول جمود.
وفيما لا تزال مصر من بين عدد محدود من الدول العربية الكبرى التي لم تتواصل بشكل كامل مع الحكومة السورية الجديدة، عقب سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، فقد عكس البيان الصادر عن وزارة الخارجية المصرية عقب اجتماع وزيري خارجية مصر وسوريا تحولا في موقف القاهرة تجاه دمشق باتجاه برغماتية أوضح.
وفي وقت تتشكل فيه سوريا الجديدة، وتعيد صياغة تحالفاتها، وتواجه تحديات مستقبلها، ولا سيما علاقتها المتوترة مع إسرائيل، تبدو مصر مستعدة للتعامل مع الوقائع على الأرض. ومن خلال ذلك، تسعى القاهرة للإفادة من مزايا الانخراط مع النظام السوري الجديد، بدلا من تبعات الإقصاء أو الرفض أو الابتعاد، بما يعزز قدرتها على التأثير في مستقبل سوريا، التي تعد تاريخيا عنصرا أساسيا في حسابات الأمن القومي المصري.
حقل ألغام
اهتمام مصر بلبنان ليس بالأمر الجديد، إذ وقفت القاهرة إلى جانب الدولة العربية لعقود. ومع ذلك، أثارت الجولة الأخيرة من القتال بين إسرائيل و"حزب الله" قلقا حقيقيا لدى صناع القرار في مصر، وذلك لأسباب وجيهة.
فهذه المرة، يتجاوز الرد الإسرائيلي نطاق جنوب لبنان، المعروف بأنه المعقل التقليدي لــ"حزب الله". وقد استهدفت الطائرات المقاتلة الإسرائيلية مناطق عميقة داخل بيروت، ما يثير احتمالات جر كل لبنان إلى حرب مدمرة.
وفي الوقت نفسه، توغل الجيش الإسرائيلي عدة كيلومترات داخل جنوب لبنان، وأقام ما يسميه "الخط الأصفر". وأثارت هذه الخطوة، المشابهة للتكتيكات المستخدمة في غزة، مخاوف لدى القاهرة من احتمال ترسيخ وجود عسكري إسرائيلي طويل الأمد، وربما دائم، داخل الأراضي اللبنانية.

