نازحون من جنوب لبنان لـ"المجلة": هذه كلفة الحرب علينا

هوة واضحة بين الخطاب السياسي لـ"حزب الله" وبيئته

رويترز
رويترز
عائلة تقف بجوار نار مشتعلة خارج خيمتها، في مخيم مؤقت للنازحين، في بيروت، لبنان، 30 مارس 2026

نازحون من جنوب لبنان لـ"المجلة": هذه كلفة الحرب علينا

بعد أشهر قليلة، يكون لبنان قد أنهى سنته الثالثة في حرب بدأها "حزب الله" تحت عنوان "إسناد غزة"، تطبيقا لشعار "وحدة الساحات" الذي رعته إيران وروجت له كجزء من استراتيجيتها الإقليمية. ثلاث سنوات مرت، لم يجنِ منها اللبنانيون سوى الخراب، فيما تحول الجنوب إلى ساحة مفتوحة لحسابات تتجاوز حدوده وأهله ودولته.

أما المأساة الأكبر لهذه الحرب، ونتائجها، فلم تطل سوى اللبنانيين، ولا سيما أبناء البيئة الشيعية التي يفترض أن "الحزب" يتحدث باسمها ويدعي حمايتها. أكثر من مليون نازح تركوا مناطقهم، ومنهم من خسر منزله أو ورزقه واستقراره، هؤلاء هم من يعيشون حتى اليوم مرارة النزوح، بين مدارس ومراكز إيواء وبيوت مستأجرة، يحملون قلق العودة، وخوف المجهول، وأعباء حياة انهارت فجأة.

ومع استمرار التصعيد جنوبا والذي دخل شهره الثالث رغم إعلان هدنة يبدو أنها ستكون محصورة في بيروت وضاحيتها الجنوبية، خصوصا أن إسرائيل لا تزال مستمرة في إنذار بلدات جنوبية بالإخلاء والإعلان عن مزيد من السيطرة الإسرائيلية لبلدات جنوبية وصلت إلى 65 بلدة إلى الآن وفقا لما أفادت إليه القناة 12 الإسرائيلية نقلاً عن مصادر في الجيش الإسرائيلي قبل أيام، إضافة إلى الدمار الهائل الذي يطال القرى الجنوبية، باتت هناك هوة واضحة بين الخطاب السياسي لـ"الحزب" وجمهور "الحزب" نفسه، وهو المتضرر الأول من هذه الحرب، وباتت الهمسات الممنوعة تتحول شيئا فشيئا إلى أسئلة مشروعة عن جدوى هذه الحرب، حتى على منصات التواصل الاجتماعي بات هناك مناخ متصاعد من الاعتراض والمخاوف حول مستقبل مجهول لآلاف النازحين، إضافة إلى أسئلة تتعلق بحجم الخسائر التي طالتهم، والتشكيك المتزايد في قدرات "الحزب" من حيث حماية الأرض وهو الذي خاض حملاته الانتخابية النيابية السابقة تحت شعار "نحمي ونبني".

فخلال جولة "المجلة" على أحد مراكز الإيواء، كانت هذه الأسئلة تتكرر على ألسنة النازحين أنفسهم، بمرارة واضحة وحيرة ثقيلة: من المستفيد الحقيقي من هذه الحرب؟ من سيعوضنا كل هذه الخسائر؟ من سيعيد بناء البيوت والمحال والأعمار التي تكسرت؟ ولماذا نحن وأولادنا ندفع هذه الأثمان الباهظة؟ ومن أجل ماذا تحديدا؟

عندما سيجلس الكبار على الطاولة دون استثناء لن يتذكروا معاناتنا وخساراتنا، لذلك لم يعد مهماً كيف ستنتهي هذه الحرب، المهم أن تنتهي

نازح لبناني

كان اليوم الأول لأبو حسين ابن بلدة كفررمان الجنوبية في استئناف عمله في دهان السيارات بعد شهرين من انتظار انتهاء الحرب، في البلدة التي نزح إليها في جبل لبنان... "منذ الإعلان عن الهدنة حاولت لمرتين العودة الى الجنوب، حملنا أغراضنا وذهبنا، بيتي عبارة عن خرابة لا يمكن العيش فيه، الطيران والمسيرات لا تغيب عن سماء الجنوب، وأصوات التفجيرات مخيفة، حتى مقومات الحياة باتت غير موجودة في الجنوب، الوضع كارثي، لذا قررنا العودة بعد يوم واحد فقط، وفي زيارتي الأخيرة حملت معي عدتي، لا يمكنني الانتظار أكثر، علي أن أعمل مجددا، خصوصا أننا لم نعد نعلم متى سنعود، ولا أحد يقدم لنا أي مساعدة أو يسأل عن أحوالنا".

ويضيف أبو حسين في حديثه لـ"المجلة": "هذه الحرب أرهقتنا، نحن اليوم نريد أن نعيش فقط ولا يهم كيف، نذهب إلى سلام، إلى اتفاقيات، فليسموها ما شاءوا نحن نريد حياة كريمة لنا ولأولادنا، قبل حرب الإسناد الأولى كان وضعي المادي ممتازا، ولكن مع بدء الإسناد بدأت الأوضاع المادية تتراجع حالي كحال غالبية الجنوبيين، خصوصا كوني صاحب مصلحة، حتى الناس في الجنوب قبل هذه الحرب كانت تخاف أن تجدد أي شيء أو تصرف مدخراتها بسبب عدم الاستقرار الأمني، في الجنوب الأزمة الاقتصادية كانت خانقة جدا، حاجاتنا اليومية لم نعد نستطع تأمينها وحتى مدخراتنا استنزفت، الآن وضعنا بات صعبا جدا".

أبو حسين الذي يعيش مع زوجته وطفليه في غرفة صغيرة في المدرسة نفسها التي نزح إليها في حرب سبتمبر/أيلول 2024، يقول: "إن هذه الحرب مختلفة تماما، خصوصا أننا بتنا نعرف جيدا أن الواقع مرير، وأن العودة إلى بيوتنا وأرضنا لن تكون سهلة، نعلم أن لا حل لدينا إلا التأقلم مع هذا الواقع، ولكن أسئلتنا باتت كثيرة". ويقول أبو حسين: "منذ حرب الإسناد إلى اليوم، نحن أهل الجنوب ماذا استفدنا من هذه الحرب؟ وماذا استفادت غزة من هذا الإسناد؟ ما نعرفه نحن أبناء القرى الجنوبية أن ما جنيناه فقط هو خسارة بيوتنا وأملاكنا واستقرارنا وأقاربنا، لذلك أمنيتنا الوحيدة أن تنتهي الحرب، عندما سيجلس الكبار على الطاولة دون استثناء لن يتذكروا معاناتنا وخساراتنا، لذلك لم يعد مهماً كيف ستنتهي هذه الحرب، المهم أن تنتهي"، يختم أبو حسين.

أ ف ب
زحمة سير خانقة أثناء نزوح الأهالي من القرى في جنوب لبنان على طول الطريق الساحلي عبر مدينة صيدا في 2 مارس 2026

في الطابق الثالث من المركز نفسه شابة وأم لطفلين تحاول التأقلم مع واقع اختارته بإرادتها مع زوجها، بعد تجربة نزوح مقلقة عاشتها في حرب الـ66 يوما الماضية، بعدما كانت تستأجر شقة في محيط مليء بالنازحين في بلدة القرعون البقاعية، وبسبب تردد عناصر لـ"حزب الله" إلى المحيط الذي كانت تظن أنه آمن، كان يتم استهدافهم في أماكن قريبة وكان يتم الكشف عن هوياتهم بعد اغتيالهم... "عشنا أسبوعين من القلق والخوف والجنون، لم نستطع النوم أنا وزوجي إلا على أدوية للتغلب على القلق، كنت أقول لزوجي نحن هربنا أطفالنا من الجنوب لكي يبقوا على قيد الحياة كيف لأشخاص مستهترين أن يعرضوا حياتنا للخطر هكذا، لذا في هذه الحرب كان قرارنا أن ننزح إلى مركز إيواء على الأقل هنا تكون الأمور مضبوطة نوعا ما".

نحن مجبرون على النزوح علينا أن نمرر هذه الأيام بأقل خسائر، يكفي الخسائر التي تنتظرنا في الجنوب

نازحة جنوبية

زينب (اسم مستعار) ابنة بلدة زوطر وهي بلدة تطل على ضفاف نهر الليطاني من شماله، تحاول أن تبقي نوعا من الروتين في حياتها وحياة أولادها... "نحن مجبرون على النزوح علينا أن نمرر هذه الأيام بأقل خسائر، يكفي الخسائر التي تنتظرنا في الجنوب، أنا مستمرة في عملي كأستاذة في مدرسة، وأولادي يتابعون دروسهم أونلاين، حتى أحزاننا مؤجلة، فأنا مثلا لم أحزن على بيتي المدمر بعد، لم أستطع أن أحصي خسائرنا وماذا ينتظرنا".

وتضيف: "حتى فرحتنا بالهدنة لم تكتمل، في اليوم الأول من الهدنة قررنا العودة إلى قريتنا، كنا نتخيل أن الأضرار ستكون شبيهة بأضرار الحرب الماضية، ولكنّ ما وجدناه مرعب، هناك 4 مدافع طالت منزلنا، بعض جدرانه مدمرة كليا، لم نستطع إخراج أي غرض من أغراضنا، ولا حتى من ألعاب أطفالنا، وجدت الرصاص في غرفة ابني المدمرة، لم نستطع أن نمضي أكثر من ساعة هناك، حتى إنني خرجت إلى الحديقة لأتفقد مزروعاتي، فوجدت أشياء غريبة، من تمديد شبكات، بدا وكأن المنزل استخدم من قبل (حزب الله)، لذا قررنا الرحيل فورا، أنا لست مضطرة لأن أخاطر بأبنائي، لم يبق لدي شيء أخسره بعد إلا أطفالي".

أ ب
امرأة تسير بين أنقاض المباني المدمرة في الضاحية الجنوبية لبيروت، لبنان، يوم الجمعة 17 أبريل 2026، عقب وقف إطلاق النار بين إسرائيل و"حزب الله"

حال زينب كحال غالبية من فقدوا ممتلكاتهم وأرزاقهم، ورغم يقينها بالعودة القريبة فإن السؤال الوحيد الذي يقلقها، من سيعوضنا، تقول: "زوجي عسكري، وأنا معلمة، رواتبنا التي تقلصت مع الأزمة الاقتصادية لا تكفي إعادة بناء ما خسرناه، أيضا نحن لا نتبع لأي جهة حزبية، وبسبب المحسوبيات لا نعلم إن كان سيتم تعويضنا، أو سنعيد تجربة الحرب الماضية، عندما تم تعويضنا برقم بسيط لا يذكر، لا يكفي لإصلاح ما دمرته الحرب، فاضطررنا أن نجلس في بيتنا سنة كاملة من دون أبواب وشبابيك والتي استبدلناها بنايلون إلى أن استطعنا جمع المال الكافي لإصلاحها من مالنا الخاص".

في غرفة أخرى من غرف مركز الإيواء في بلدة الزعرورية الشوفية، الذي يضم عشرات العائلات، مأساة عميقة بدأت في 8 أكتوبر/تشرين الأول 2023، عائلة تتكون من جد وجدة وابنين وزوجاتهما وأطفالهما، جميعهم يقطنون في غرفة واحدة، وجوههم مرهقة، متعبة، فهم منذ ذلك اليوم "المشؤوم" كما يقولون، نازحون بين مكان وآخر، هذا هو حال أبناء قرى الشريط الحدودي كما تقول الجدة، والتي تضيف: "نحن أبناء حولا دفعنا ثمنا باهظا، خسرنا أرضنا، وبيتنا وصحتنا من القهر، كان عندي أرض كبيرة منها أقطف الزيتون والزعتر والسماق، لا نشتري شيئا من السوق، الآن حرمنا حتى من هذه الأشياء الصغيرة".

وتضيف الحاجة: "خوفي الوحيد أن لا أعود إلى بيتي، أولادي منذ ثلاث سنوات من دون عمل، كانت أوضاعنا المادية جيدة، كل شيء تغير، كل مدخراتنا من المصاغ والمال صرفت على تأمين مصروفنا، خصوصا أننا لم نتلق أي مساعدة لا من الدولة اللبنانية ولا من أي حزب فاعل في الجنوب، ابني باع سيارته وسيارة زوجته لكي يصرف على أبنائه، والآن نحن نعيش في مركز نزوح لا نعلم ماذا سنفعل غدا، وكيف ستتغير أحوالنا".

رغم الأسئلة الكبيرة المقلقة، كثير من النازحين باتوا يبحثون عن حياة بديلة في أماكن النزوح، بعضهم بدأ رحلة البحث عن عمل، محاولًا إيجاد مصدر دخل يحفظ الحد الأدنى من الكرامة والاستقرار

معاناة النزوح لا تقتصر على تفاصيل يومية مفقودة عند النازحين، ففي هذه المراكز لا خصوصية لأي فرد حتى في أبسط الأمور البديهية، ولكن هناك مخاوف حقيقية يعبر عنها أهالي الأطفال النازحون، تقول عبير أيوب الأم لثلاثة أطفال: "نحن دفعنا ثمنا كبيرا في هذه الحرب، مستقبلنا وماضينا وحياتنا كلها تدمرت حرفيا، حتى بيوتنا وبيوت أجدادنا دمرت في بلدتنا حولا، والآن خوفنا الوحيد هو على مستقبل أولادنا الذين يعيشون في ظروف قاسية وغير سليمة، أيامنا ضاعت ولكن ما مصير أولادنا، أصبحوا من دون بيوت، من دون أمان، من دون مدارس هذا خوفنا الأكبر اليوم، كان همنا أن نؤمن لهم مستقبلا يليق بطفولتهم ولكن اليوم يعيشون ظروفا قاسية ومستقبلهم غامض".

تختم عبير: "في اليوم الذي تنتهي فيه الحرب سنعود فورا إلى أرضنا حتى لو نصبنا خيمة، وكما أن بيوتنا تحتاج إلى ترميم نفوسنا أيضا، لأننا نعيش دمارا نفسيا كبيرا، لا نعلم كم سنحتاج من الوقت لكي نخرج من هذه الحالة، وماذا ستترك في نفوسنا ونفوس أبنائنا".

 أ.ب
امرأة فرّت من الغارات الجوية الإسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت، تحمل ابنتها البالغة من العمر 15 يوما داخل الخيمة التي تستخدمها كمأوى حيث أنجبتها فيها في بيروت، الأحد 12 أبريل 2026

هنا، في مراكز الإيواء، لم يعد النازحون ينتظرون فقط أن ينتهي القصف أو أن يحمل الغد خبرا سعيدا مع جملة واحدة "عودوا إلى جنوب لبنان فالوضع بات آمنا". تبدل التفكير مع مرور الوقت، وبات السؤال الأكبر، كيف نبدأ من جديد؟ كيف يمكن إعادة بناء حياة توقفت فجأة؟

ورغم الأسئلة الكبيرة المقلقة، كثير من النازحين باتوا يبحثون عن حياة بديلة في أماكن النزوح، بعضهم بدأ رحلة البحث عن عمل، محاولا إيجاد مصدر دخل يحفظ الحد الأدنى من الكرامة والاستقرار. آخرون سعوا إلى تحويل غرفهم الصغيرة إلى مساحة قابلة للحياة، فوفروا ما استطاعوا من احتياجات أساسية، إلى أدوات المعيشة اليومية التي تخفف قسوة اللجوء المؤقت.

كثيرون اضطروا إلى بيع مقتنياتهم الشخصية للاستمرار، من مصاغ ووسائل عمل، خصوصا أصحاب المهن الحرة والمحال الصغيرة الذين أرهقتهم الحرب، وخسروا مصادر رزقهم كما خسروا بيوتهم. فالنزوح لم يكن انتقالا من مكان إلى آخر فقط بحثا عن الأمان، بل كان انتقالا قاسيا من حياة مستقرة إلى معركة يومية من أجل البقاء!

font change

مقالات ذات صلة