بعد أشهر قليلة، يكون لبنان قد أنهى سنته الثالثة في حرب بدأها "حزب الله" تحت عنوان "إسناد غزة"، تطبيقا لشعار "وحدة الساحات" الذي رعته إيران وروجت له كجزء من استراتيجيتها الإقليمية. ثلاث سنوات مرت، لم يجنِ منها اللبنانيون سوى الخراب، فيما تحول الجنوب إلى ساحة مفتوحة لحسابات تتجاوز حدوده وأهله ودولته.
أما المأساة الأكبر لهذه الحرب، ونتائجها، فلم تطل سوى اللبنانيين، ولا سيما أبناء البيئة الشيعية التي يفترض أن "الحزب" يتحدث باسمها ويدعي حمايتها. أكثر من مليون نازح تركوا مناطقهم، ومنهم من خسر منزله أو ورزقه واستقراره، هؤلاء هم من يعيشون حتى اليوم مرارة النزوح، بين مدارس ومراكز إيواء وبيوت مستأجرة، يحملون قلق العودة، وخوف المجهول، وأعباء حياة انهارت فجأة.
ومع استمرار التصعيد جنوبا والذي دخل شهره الثالث رغم إعلان هدنة يبدو أنها ستكون محصورة في بيروت وضاحيتها الجنوبية، خصوصا أن إسرائيل لا تزال مستمرة في إنذار بلدات جنوبية بالإخلاء والإعلان عن مزيد من السيطرة الإسرائيلية لبلدات جنوبية وصلت إلى 65 بلدة إلى الآن وفقا لما أفادت إليه القناة 12 الإسرائيلية نقلاً عن مصادر في الجيش الإسرائيلي قبل أيام، إضافة إلى الدمار الهائل الذي يطال القرى الجنوبية، باتت هناك هوة واضحة بين الخطاب السياسي لـ"الحزب" وجمهور "الحزب" نفسه، وهو المتضرر الأول من هذه الحرب، وباتت الهمسات الممنوعة تتحول شيئا فشيئا إلى أسئلة مشروعة عن جدوى هذه الحرب، حتى على منصات التواصل الاجتماعي بات هناك مناخ متصاعد من الاعتراض والمخاوف حول مستقبل مجهول لآلاف النازحين، إضافة إلى أسئلة تتعلق بحجم الخسائر التي طالتهم، والتشكيك المتزايد في قدرات "الحزب" من حيث حماية الأرض وهو الذي خاض حملاته الانتخابية النيابية السابقة تحت شعار "نحمي ونبني".
فخلال جولة "المجلة" على أحد مراكز الإيواء، كانت هذه الأسئلة تتكرر على ألسنة النازحين أنفسهم، بمرارة واضحة وحيرة ثقيلة: من المستفيد الحقيقي من هذه الحرب؟ من سيعوضنا كل هذه الخسائر؟ من سيعيد بناء البيوت والمحال والأعمار التي تكسرت؟ ولماذا نحن وأولادنا ندفع هذه الأثمان الباهظة؟ ومن أجل ماذا تحديدا؟


